بيخلص "محمد علي" كشف حساب مالي، المفروض كان يبعته للدولة العثمانية.. وكان بيتضمن الصرف في أوجه مثل ترميم بعض المساجد والمساقي العامة والأمور الأخرى، اللي طلبها منه الزعامة الشعبية.. ولما الدولة العثمانية بتتشكك في الكشف.. بيطلب "محمد علي" من الشريف "عمر مكرم" إنه يوقع الكشف.. عشان الدولة العثمانية تتأكد انهم كانوا طالبين الحاجات دي.. وإنها اتصرفت فيما ينبغي.
بس الشريف "عمر مكرم" بيرفض.. ويتنصل من "محمد علي" وبيبدأ يعد لثورة شعبية ضده، بالاستعانة بثلاثة من أصدقائه المقربين من الزعماء الشعبيين.. وهم الشيخ السادات، و"محمد المهدي" والشيخ "محمد الدواخلي".
وفي أول يوليو، سنة 1809.. بيتوجه المشايخ والزعماء على رأسهم الشيخ السادات، نيابة عن الشريف "عمر مكرم".. إلى "محمد علي"، لتهديده وتحديه، وخلعه.. إذا ما لزم الأمر.
وبمجرد ما بيستتب المجلس.. وقبل ما يتكلموا.. بيلقي "محمد علي" بقنبلة.. بتربك حسابات الجميع.
بيقول "محمد علي" في تؤدة.. انه اكتشف أن الشريف "عمر مكرم" دخّل في دفتر الأشراف بعض المسيحيين واليهود، من جنسيات غير مصرية، عشان يقدروا يبقوا في مصر بدون شكوك كعدو مخترق الصفوف.. وأنه اكتشف أخيرًا أنه كان متواطيء مع المماليك في هجوم القاهرة من أربع سنين.. وعليه.. ولأنه رجل غير مؤتمن.. قرر "محمد علي" عزله من نقابة الأشراف.. وتولية الشيخ السادات نفسه، بدلًا منه.
وكانت ضربة ذكية بالفعل.. فلو ثار المشايخ والزعماء وسط جموع اشعب، فدا يعني أنهم في صف المماليك.. خصوصًا أن "محمد علي" لم يبد إطلاقًا أنه عدو للزعامة الشعبية.. بدليل تعيينه للشيخ السادات.
وبيقع قادة الزعامة الشعبية في مأزق.. مابيعرفوش يخرجوا منه إلا بقبول ما قرره "محمد علي".. وقبول الشيخ السادات نفسه.. لرئاسة نقابة الأشراف.
وبيدرك "عمر مكرم" أنه على وشك الهزيمة.. خاصة لما بينفض عنه الزعماء الشعبيين.. نظرًا لاتهامه بالخيانة.
وفي حركة يائسة أخيرة.. بيستعين بصديقيه المقربين.. "محمد المهدي" والشيخ "محمد الدواخلي".. عشان يقوموا بالحشد، ويعملوا مسيرة هائلة تكون بداية الثورة، اللي حيتزعمها الشريف "عمر مكرم".
بس الحشد دا لم يحدث في تلك الليلة.. ولا في أي ليلة.
"محمد علي" اشترى "محمد المهدي" والشيخ "محمد الدواخلي" بالمال.. وخلاهم يتخلوا عن الشريف "عمر مكرم".. اللي لقى نفسه متهم بمحاولة الانقلاب على الدولة، والتآمر.. والخيانة.. وفي النهاية.. أمر "محمد علي" بنفي "عمر مكرم" من القاهرة إلى دمياط.
واختفت الزعامة الشعبية من الساحة.. وظهرت زعامة جديدة.. ومشايخ جدد.. بتأيد "محمد علي" كل التأييد.. وتدعي له.. وتحرض الناس على طاعته.
المجموعة دي "الجبرتي" سماها "زعامة الوقت" أو "مشايخ الوقت".
وبكده خلت الساحة ومبقاش في خطر محدق إلا خطر المماليك.. اللي استمروا في محاولة تأليب الشعب على "محمد علي".. والهجوم على قوافله أو قواته.. والكر والفر بأسلوب حرب العصابات.. قبلما ينسحبوا مرة أخرى إلى جنوب الصعيد.
كان "محمد علي" استقبل رسالة مسبقة.. سنة 1807.. من الدولة العثمانية، بتحذر فيها من خطر الوهابية.. وبتطالب "محمد علي" بالتصدي لهم.. خصوصًا أنهم سيطروا على الحجاز وعطلوا الحج، وحطوا قبضتهم على الحرمين الشريفين.
لكن "محمد علي" أرجأ الموضوع.. وأرسل للدولة العثمانية أنه مش حيقدر يتحرك ضدهم على الإطلاق.. وتحجج بمشاكل الجبهة الداخلية.. وكان شايف إن الحرب ضد الوهابية لا تخصه على الإطلاق.
ولكن فجأة "محمد علي" بيلاحظ شيء جديد.
الشيوخ بدأ خطابهم يتغير ويصير أكثر تشددًا.. وبدأت ناس تتذمر منه.. وبدأت ناس أكثر من العوام والسوقة تستجيب.. وتتشدد وتشدد على غيرها.
وبتقصي بسيط بيكشتف "محمد علي" السر وبيدرك أنه أخطأ.. لأن مبعوثين الوهابية وصلوا إلى عقر داره.. ولوثوا عقول الناس والشيوخ.
وهنا كان من المحتم أن يتدارك "محمد علي" الخطأ.. وعشان يدخل الحرب دي.. كان لازم تستتب الجبهة الداخلية تمامًا.. فبيقرر أنه يتخلص من المماليك.
وفجأة.. بيلاقي المماليك سيول من الأموال والهدايا جاية عليهم من "محمد علي"...!
ومع حذرهم وتشككهم بيتصوروا ان دا فخ.. أو طعم من نوع ما.. لكن الهدايا بتستمر وتزيد.
والأموال بتزيد.
وفجأة وبلا سابق إنذار.. بيقرر مجموعة من قادة المماليك أنهم بيفضلوا التقاعد وحياة الراحة والرغد.. على القتال والحرب والخطر.. وبالفعل بيعتزلوا القتال.. ويدعموا "محمد علي".
وبيتقلص خطر المماليك.. عدا مجموعة.. بقيادة "إبراهيم بك الكبير" و"عثمان بك حسن".. فضلت تناصبه العداء وتحاول ازاحته وحكم مصر بأي ثمن.
ولكن "محمد علي" بيعلن على الملأ أنه قرر التحرك على رأس جيش لمحاربة الحركة الوهابية.. وبيقرر المماليك أن دي فرصة سانحة لحكم مصر في غيابه وغياب الجيش.
ومع ترقبهم.. بيفاجئوا بدعوة من "محمد علي" لحضور احتفال إلباس ابنه طوسون خُلعة القيادة، لمعاونته في حرب الوهابيين.
وبيقبل المماليك الدعوة عشان يدخلوا القاهرة ويفضلوا فيها، لحد ما ينصرف جيشها.. وفي الأول من مارس سنة 1811.. بيجتمع الجميع في القلعة.. في احتفال مهيب.. دارت فيه صحف الطعام والشراب، وأتخم الجميع وشعروا بالثقل والراحة.
وفي أثناء الاسترخاء والبلادة والغباء المصاحبين لملء المعدة بالأطعمة الدسمة، بتنقض عليهم قوات "محمد علي" وتطلق عليهم الرصاص.. وبيموت من يموت وبيسقط من عل من يسقط.. وبعدئذ بتنطلق الجنود إلى بيوتهم وبيوت رجالهم تكمل المذبحة.. وبتسلب أراضيهم وكل ما كانوا يدخرون من ثروات وأموال.
وبتستمر المذبحة 24 ساعة كاملة.. راح فيها أغلب قوة المماليك وقدر عدد ضحاياها بأكتر من الف مملوك.. ومابتتوقفش إلا بإشارة "محمد علي" المتفق عليها، وهي نزوله هو وأولاده من القلعة في اليوم التالي. الواقعة دي مسجلة تاريخيًا باسم "مذبحة القلعة".
وبكده بتستتب الجبهة الداخلية.. ويتفرغ "محمد علي" لقتال الوهابيين اللي وصل فكرهم لعقر داره عشان يأمن قواتهم قبلما تهاجمه.
وحرب "محمد علي" للوهابيين مكانتش سهلة.. لأن "محمد علي" مكانش بيحارب مجموعة من البهائم المتشددين المتطرفين.. لا.. كان في حقيقة الأمر بيحارب إنجلترا بالوكالة.. بالتالي كانت ملحمة حقيقية...
والملحمة دي قصتها تطول.. فنكمل كلام عنها لاحقًا.
ويبقى للحديث.. بقية.
----------------
منشورات سابقة.
---------------
1 - http://bit.ly/30anGpF
2 - http://bit.ly/2Q7e6zv
3 - http://bit.ly/2VVkcrX
4 - http://bit.ly/2WdncAb
5 - http://bit.ly/2HzZSo7
6 - http://bit.ly/2MeJZHO
7 - http://bit.ly/30Y8tZo