بعد القضاء علي المماليك.. بتصفو الجبهة الداخلية.. وبيعم هدوء نسبي.. بيتفرغ "محمد علي" خلاله للبناء.
وعشان يضمن أن البناء الإقتصادي يتم في سلاسة، كان لازم يبني بالتوازي شيء هام للغاية...
الأمن.
وبيبدأ "محمد علي" يضع خطة لبناء القوات المسلحة اللي انهارت وتفككت وفقدت الدولة معظمها في الحروب المتتالية المتعاقبة.
بيقرر "محمد علي" إنه يبني جيش حديث على نهج جيوش أوروبا.. فبيبني مدرسة عسكرية.. وبيبعت قواده من الألبان لأوروبا يتعلموا النظم العسكرية الحديثة.. ولأن ابنه "إسماعيل" كان له فرقة ألبانية خاصة.. قرر "محمد علي" أن دول يبقوا نواة وقادة الجيش المصري.. مع مجموعة من الشراكسة والترك.
بيبني مدرسة عسكرية خاصة في "بولاق الدكرور Boulaq Dakrour".. اللي مسمهاش في الحقيقة بالفرنساوي "بحيرة القاهرة الجميلة beau lac du caire".. زي ما بتروج منشورات الفيسبوك العبيطة.. اسم "بولاق الدكرور" اتذكر نصًا في كتاب وصف مصر الخاص بالحملة الفرنسية.. وكتبها الفرنسيين "بولاق الدكرور Boulaq Dakrour".. وموجودة بنفس الاسم في "المقدمات والسلالم".. ودي مخطوطة قبطية اتكتبت في القرن الثالث عشر.
بيبعت "محمد علي" الجماعة الألبان والترك دول للمدرسة العسكرية.. لكن بيفاجأ بما ليس في الحسبان.
أول ما الجماعة دول اتعلموا شوية اساليب عسكرية حديثة، اتصوروا بيها أنهم فاقوا اقرانهم من المصريين.. بدأوا في التمرد والشغب.. وبعدين خرجوا عن طوع قائدهم "إسماعيل بن محمد علي".
ولما ماقدرش "إسماعيل" يسيطر على الموقف بما تبقى من رجاله.. وشعر الجماعة الألبان بقوتهم.. خرجوا على "محمد علي" نفسه.. وفي أوائل العام 1815، كانت كتائبهم المسلحة بتتوجه لقصر "محمد علي" لمهاجمته، وعزله أو قتله.. واحتلال الدولة.
وللمرة الأولى بيصطدم الجنود المصريين، حرس "محمد علي"، بفرقته الجديدة الراغبة في احتلال القصر.
وكان تدريب الألبانيين والترك أكثر جودة.. وأعدادهم تقريبًا ضعفين مقارنة بالحرس المصري.. لكن المعارك مابيكونش النصر فيها للعدد ولا المعدات وحسب.. بيبقي للعنصر البشري عامل حيوي.. الرجال.
بتدور معركة عنيفة.. بينتصر على إثرها حرس "محمد علي"، وكانوا جنود مصريين عاديين معظمهم من أسوان والإسكندرية والقاهرة، وبيأسروا الفرقة المتمردة، لكن الموقف كان خلى "محمد علي" ياخد قرار هام.. أن الجيش اللي حيبنيه يجب أن يتكون من المصريين.
بيبدأ يعيد الفكرة من جديد، مع مدرسة جديدة بيبنيها في أسوان سماها "المدرسة الحربية"، على أن يكون قوامها من أهل أسوان أنفسهم.. مع المخلصين اللي فضلوا على طاعتهم له، من فرقتة "إسماعيل" الألبانية.
والمرة دي "محمد علي" مابيبعتش منهم حد يتعلم النظم العسكرية في الخارج.. بيقرر يحط استراتيجية جديدة.. "أصطياد الكفاءات".
هو بنفسه بيدور على الكفء.. ويستعين به ويجيبه لحد عنده.
بيجيب كولونيل فرنسي ثقيل اسمه "جوزيف سيڤ Joseph Anthelme Sève".. وبيعهد إليه بالمدرسة.
وكان "جوزيف" مبهور بمصر وجمالها وبساطتها.. لكنه بيعاني حنين دائم لوطنه الأم فرنسا.. ومدينته الهادئة "ليون".. وكان بيمزقه الحنين وبيفكر كتير في العودة.
لكن ذات صباح بيلتقي اثناء ذهابه للمدرسة بمصرية فاتنة من أصل يوناني اسمها "مارية مريم Maria Myriam" بتسحره بعيونها الفاتنة.. فبيقرر يتزوجها.
ولأن "مارية" كان مسلمة.. فبيعتنق "جوزيف" الإسلام، ويسمي نفسه "سليمان" ويتزوجها.. ويقرر البقاء في مصر للأبد.. ومن ساعتها عرفناه باسم "سليمان باشا الفرنساوي".
الزيجة دي بثثمر عن ثلاثة أطفال جميلة.. "نازلي" و"مهدي" و"أسماء".. والأولى - فيما بعد - بتصبح جدة "نازلي صبري".. بنت "عبد الرحيم باشا صبري".. اللي احنا نعرفها بـ"الملكة نازلي".. ملكة مصر وزوجة الملك فؤاد الأول.. بعد طلاقه من زوجته الأولى الأميرة شويكار.
وكان "محمد علي" في مرحلة البناء محتاج لأموال.. محتاج فلوس كتير. وفي الوقت ذاته.. كانت فلول المماليك فرت للسودان.. وبدأوا يضايقوه بغارات على النوبة.
وبيتخذ "محمد علي" قرار حيوي ومصيري.. بيخليه ينتقل للمرة الأولى من خانة الدفاع للهجوم.
بيقرر ضم السودان.
وكان السودان وقتها ممالك مفككة مش دولة متوحدة.. وفيها ثروات مابيستخرجهاش السودانيين.. مناجم الماس والذهب.
وفي الطريق بيضم "إسماعيل" مجموعة من قبيلة "العبابدة" للقوات المصرية.. والقوات دي بتقدم له دعم هام.. كأدلة وقصاصي أثر.. نظرًا لمعرفتهم الممتازة بالمنطقة.
وفي 20 يوليو سنة 1820 بيتحرك 4000 جندي مصري تحت قيادة "إسماعيل باشا".. ثالث أبناء "محمد علي" على الدفعة الأولى من مراكب الأسطول المصري اللي صنعها بنفسه.
وبتقابل إسماعيل مشكلة.
شلالات النيل.. أو جنادل النيل.
وكان "محمد علي" عشان يتفادى الشلالات دي اختار وقت الحملة في الفيضان.. والمياه عالية مرتفعة.. تخليه يتجاوز الجنادل الصخرية بسهولة.
وكانت شلالات النيل ستة.. بيقابل اسماعيل باشا واحد من اقواهم في "وادي حلفا".. اللي في الصورة ده.. وبيتضح له أن حتى مع الفيضان.. الشلال ممكن يدفع سفنه إلى الصخور أو الضفاف.. ويمزقها إربًا.
وكاد "إسماعيل" باشا إنه يتخلى عن الحملة أو يكملها برًا.. لولا بيخرج له مهندس مصري اسمه "حسن" من المصاحبين لحملته.. وبيقدم له فكرة غريبة.. هي صناعة متفجرات خاصة من البارود.. ينسفوا بيها الشلال.
وبالفعل بتنسف القوات الجنادل وتفتح ممر مائي تمر منه السفن.
وبتتحرك المراكب عبر النهر من أسوان إلى وادي حلفا إلى دنقلة، وهناك بتلتقي بآخر كتائب فاضلة من المماليك.. وبتقضي عليهم في بساطة دون خسائر.. وبعدين بيصلوا إلى "كورتي" ودي كانت أحد مدن الولاية الشمالية في السودان.. وبيحتلوها دون خسائر تذكر برضه.. بينما كانت قوات "إسماعيل" مدربة وبتستخدم الرصاص والبارود.. فأسلحة ممالك السودان كانت بيضاء.
في "كورتي" رجال "إسماعيل" بيستريحوا.. وبعدين بيكمل الجيش المصري الزحف، ويحتل "بربر" في 10 مارس سنة 1821.. وبعدين "شندي" و"أم درمان".
وبعدها.. بيأسس "إسماعيل" مدينة خاصة.. عشان تكون قاعدة عسكرية للقوات المصرية.
المدينة دي اسمها النهاردة "الخرطوم".
بيعسكر "إسماعيل" ويبسط سيطرته على الأراضي اللي احتلها.. وبيبعت "محمد علي" زوج ابنته "محمد بك الدفتردار" بحملة أخرى يضم بيها كردفان.
وفي 4 إبريل سنة 1821، بيشتبك "الدفتردار" في قتال عنيف مع قوات "محمد الفضل" سلطان "كردفان".. وبينتصر ويحتلها.. وبيعسكر بدوره.. ويعاود إسماعيل التقدم بداله.. لحد "سنار".
ولكن فجأة بتضرب الحمى قوات إسماعيل... وبينتشر المرض ويقضي علي كثير منهم.. فبيضطر اسماعيل يطلب دعم من أبيه "محمد علي".. فبيبعت له قوات جديدة تحت قيادة "إبراهيم" باشا.. أخو "‘إسماعيل" الكبير.
بيضم "محمد علي" كتير من أبناء السودان للعمل في الأمن الداخلي المصري.. ودول كانوا بداية سلاح "الهجانة" في الشرطة.
ولكن أهل السودان وقتئذ كانوا عايشين على الفطرة ومايعرفوش كتير عن الأنظمة بتاعت الدول.. فمع أول ضرائب اتفرضت عليهم عملوا سلسلة من الثورات.. بيخمدها أولاد "محمد علي".. وبعدين بيتوجه إبراهيم للجنوب أكتر.. باتجاه منابع النيل.
ولكن بتقوم ثورة جديدة بغتة في "شندي".. بتثير حنق "إسماعيل باشا" في شدة.. لأنها بتعطله عن التقدم.. فبيتوجه لهناك.. وبيستدعي ملك "شندي".. الملك "نمر" وبيوبخه ويثور عليه أمام أتباعه وبعدين بيفرض عليه غرامة فادحة.. مع ألف من أبناء "شندي".. يتم مصادرتهم وشحنهم كعبيد للعمل في المحاجر في الشمال.
وكان الموقف مهين للملك "نمر".. اللي بيمتثل لأوامر إبراهيم.. وعلى وجهه ابتسامة هادئة.. لكن في أعماقه اللي بتغلي كان بيضمر خطة مخيفة.. ثمنها فادح للغاية.. بتكلف "اسماعيل باشا" حياته.
والخطة دي نتكلم عنها لاحقاً.
ويبقى للحديث بقية.
----------------
منشورات سابقة.
---------------
1 - http://bit.ly/30anGpF
2 - http://bit.ly/2Q7e6zv
3 - http://bit.ly/2VVkcrX
4 - http://bit.ly/2WdncAb
5 - http://bit.ly/2HzZSo7
6 - http://bit.ly/2MeJZHO
7 - http://bit.ly/30Y8tZo
8 - http://bit.ly/2K6yBMd