لسه مع مذكرات السيد "همفر"، وكتاب الإمام السني الحنبلي، القاضي "سليمان بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي التميمي النجدي" شقيق "محمد بن عبد الوهاب" مؤسس الحركة الوهابية.

سؤال منطقي مفروض يطرأ للذهن فجأة للناس اللي بتدافع عن "محمد بن عبد الوهاب".. هو "عبد الوهاب" حارب الإنجليز مثلا؟ لا.. مارفعش سلاحه إلا على المسلمين البسطاء، من أهل المدن والقرى الصغيرة، وكان كتير منهم من أبناء عمومته...!

لما التقي "همفر" بـ"عبد الوهاب" في دكان "عبد الرضا"، مع أصدقاء الأخير.. بدأ الجميع يتحاوروا ويتناقشوا.. وتطرق الحوار إلى الدين.

يقول "همفر": "كان الشاب (محمد بن عبد الوهاب) يتبع نفسه في فهم القرآن والسنة، ويضرب بآراء العلماء - ليس علماء زمانه والمذاهب الأربعة فحسب - بل علماء الصحابة؛ كأبي بكر وعمر أيضا؛ عرض الحائط.. إذا هو فهم من الكتاب على خلاف ما فهموه، وكان يقول: أن الرسول قال أني مخلف فيكم الكتاب والسنة، ولم يقل أني مخلف فيكم الكتاب والسنة والصحابة والمذاهب.. وكان يمقت أبي حنيفة ويزدريه أيما ازدراء.. وكان يقول عن نفسه أنه أكثر فهما من أبي حنيفة".

وفي هذا اللقاء، جادله أحد الشيعة من أصحاب (عبد الرضا)، وقال له أنه إذا كان متمسكًا بالسنة، فوجب عليه احترام فقه رواة السنة أيضًا، كأبي بكر وعمر، فهم أكثر فهمًا لها.. ودا أثار دهشة "همفر" في شدة، وأدرك أن الشيعي بيحاول استفزاز عبد الوهاب ليس اكثر، لأنه كان عارف كويس أن الشيعة مش بتقدّر أبي بكر ولا عمر.. فالغرض من كلام الشيعي على ما بدا لـ"همفر" كان استفزاز "عبد الوهاب".

وأثناء الحديث، ثار "عبد الوهاب" في شدة، وهم بالنهوض للاعتداء على الشيعي.. وهنا برقت في ذهن "همفر" الفكرة كالبرق الخاطف، لما عرف أن "عبد الوهاب" من النوع اللي ممكن يلجأ للعنف.. لفرض رأيه.

وواصل "همفر": "كان هذا الشاب المغرور لا شيء، مقارنة بعلماء البصرة الذين رأيتهم.. لكنني وجدت فيه ضالتي المنشودة.. فعناده وعنفه ورأيه المستقل الذي لا يأبه حتى للصحابة؛ أمام ما يفهمه هو من القرآن و السنة، كانوا من أكبر نقاط الضعف التي كنت أتمكن أن أتسلل منهم إلى نفسه".

وكان قرار "همفر" هو تجنيد "محمد بن عبد الوهاب".

وبيرفع "همفر" تقريره الدوري لوزارة المستعمرات.. مع اقتراحه.. والإدارة الإنجليزية بتبدي اهتمام بالغ بالشاب ده.. وبتطالب "همفر" عدم التفكير في تجنيده على الإطلاق في المرحلة دي.. بس بتطالبه بالاستمرار معه، وتوطيد علاقته به.

ودوّن "همفر" في مذكراته: "عقدت معه صداقة قوية، وكنت أناقشه في القرآن والسنة في ضوء افكارنا الخاصة، لا في ضوء المذاهب وآراء العلماء، وكنت أسكب الوقود على نيران غروره باستمرار.. وأخبره أنه أفضل من أبي بكر وعمر، ولو كان رسول الله حيًا لاختاره خليفة له.. وقد كان يبهت من هذا الكلام في باديء الأمر، ثم بدأ مع الوقت يهز رأسه علامة على الرضا".

ومع توطد صداقتهما، ونفخ "همفر" في النار، بدأت ترد التعليمات من إدارة المستعمرات.. المطلوب هو طريق ثالث.. مذهب ديني جديد يختلف عن مذاهب السنة والشيعة في معظمه.. ويتفق معهم معًا في عدة أمور.. وهنا بدأت لعبة "همفر" مع "عبد الوهاب" لتشكيكه في فقه الطائفتين معًا.

وكان "عبد الوهاب" يقوم قبسًا من الليل، فراح "همفر" يثنيه عن ذلك، بأن صلاة القيام ليست واجبة، وأن الله أراد بالصلاة "ذكر الله" فقط.. حسب الآية "وأقم الصلاة لذكري".. وأقنعه أن الذكر قد يغني عن الصلاة، وبدأ الرأي يتسلل لقلب "عبد الوهاب".. ويقول "همفر":

"وبعد ذلك وجدته لا يهتم لأمر الصلاة، فأحيانا يصلي وأحيانا لا يصلي خصوصا في الصباح.. وفي الليل كنت أحاوره وأناقشه حتى يغلبه النوم منهوك القوى فلا يؤدي صلاة القيام، حتى أصبحت تلك عادته المعتادة".

وفي ليلة، ارتكب "همفر" خطأ قاتل.. فراح يحاور "محمد بن عبد الوهاب" ويشككه في النبوة.. لكن "همفر" فوجيء برد فعل شرس للغاية من "عبد الوهاب".. وصمد في وجه مناقشة "همفر" وثار عليه، وأخبره في صرامة أنه إذا تطرق للموضوع دا مرة تانية.. حيفارقه للأبد.

وخشى "همفر" أن يضيع كل ما فعله في الأشهر الماضية هباء، فغير الموضوع ونقل الحوار مباشرة إلى الحديث عن النساء.. ولانت ملامح "عبد الوهاب"، وصارحه أنه ككل الشباب.. بيشتهي المرأة.. لكنه لا يستطيع الزواج بعد وهو بعيد عن أهله ودون إذنهم؛ لأن دا عيب في عرفهم.. ولا يريد في الوقت نفسه معصية الله في علاقة محرمة.

هنا بيوسوس إليه "همفر" زي الشيطان.. وبيطلب منه يتزوج زواج متعة، ما دام طالب علم بعيد عن أهله.. لكن "عبد الوهاب" بيرفض قطعًا.. وبيخبره أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه نهى عن المتعة.. وسرد له قول عمر "متعتان كانتا على عهد رسول الله و أنا أحرمهما وأعاقب عليهما".

فاستنكر "همفر" على "عبد الوهاب" كلامه.. وأخبره أنه ما دام يجتهد مخالفًا "عمر" رضي الله عنه في الأمور الشرعية كلها، فلماذا يتمسك بهذه المسألة بالذات؟ فسكت "محمد بن عبد الوهاب" مترددًا.. وهنا.. بدأ "همفر" يزن على أذنيه أكثر وأكثر.. لإقناعه بالأمر.

وبدأ "محمد بن عبد الوهاب" يتردد.. وطلب منه "همفر" أنه يعمل زي ما بيعمل دايمًا.. ويمشي برأيه المستند إلي القرآن والسنة فقط حسبما يرى.. فهز "عبد الوهاب" رأسه.. وأوى إلى فراشه لينام في حيرة وارتباك بالغين.

وفي الصباح، كان موعد التقرير الدوري لوزارة المستعمرات.. فتوجه "همفر" إلى ضابطه.. وسلمه التقرير وأبلغه بكل ما حدث.. فطلب منه أن يتوجه إلى دار امرأة حسناء.. اسمها "صفية".. من أذربيجان.. ويزوجها للشيخ "محمد" زواج متعة إذا رضي.

وبيتوجه "محمد بن عبد الوهاب" مع "همفر" إلى دار "صفية" مترددًا.. يقدم رجل ويؤخر الأخرى.. وبيقول "همفر" في مذكراته: "رحت أشجعه بروايات دينية وأحاديث، زيفتها لساعتي.. وهو يرفض كلامي بعصبية تارة.. ويوافقني تارة أخرى.. وتردده يقل شيئًا فشيئًا".. لحد ما وصلوا إلي بيت "صفية".

ولم تكن "صفية" سوى جاسوسة انجليزية مثل "همفر" تماما.. ومكانش في غيرها في الدار.. وأبهرت الشيخ "محمد" للغاية.. وأعجب بحسنها أيما إعجاب.. وقدم لها مهر.. وكتب معها عقد زواج متعة مدته أسبوع.

وللمرة الأولى.. بخلاف الآراء الشفهية.. بيرتكب "محمد بن عبد الوهاب" مخالفة صربحة لأوامر الشريعة، تحت غطاء الاجتهاد والاستقلال في الرأي.

ودي كانت مرحلة تفوق وانتصار عظيمة لـ"همفر"، اللي قرر ينتقل بعد كده للمرحلة التالية.

والمرحلة دي نتكلم عنها لاحقًا.

ويبقى للحديث بقية.

------------

(ملحوظة: الآراء الدينية في المنشور من مذكرات "همفر".. وما سيتم سرده من مراجع في الجزء الأخير.. وليست آراء شخصية للكاتب).

------------

منشورات سابقة:

-------------

1 - http://bit.ly/30anGpF