بأوامر "محمد علي" بيتقدم "إبراهيم" باشا في الأناضول ويحتل أضنة وطرسوس، وبعدين بيعمل كماشة على السلطان العثماني "محمود عبد الحميد"، فبيترك معظم القوات في أضنة، تحت قيادة "مختار بك" ورئيس الأركان "سليمان باشا الفرنساوي"، وبيتحرك للشمال.. وبيهاجم "أنقرة".
ورغم أن الجنود المصريين مكانوش معتادين برودة الجو في تلك الأراضي، نظرًا لقدومهم من بيئة معتدلة.. إلا أن قوات الجيش المصري بتنتصر في حربها نصر مبين في منتصف أكتوبر من العام 1832.
وبتسقط أنقرة.
أنقرة مكانتش عاصمة وقتها، لكن كانت مدينة كبرى قوية.. وكان سقوطها مدوي هائل، أذهل العالم.. إحتلال أنقرة في الوقت دا، كأنك النهاردة بالضبط.. أحتليت نيويورك.
وكان "إبراهيم" نشيط للغاية، فبيترك أنقرة تحت سيطرة القائد المصري "أحمد أفندي".. وبيزحف جنوبًا إلى شمال قونية.. عشان يضم من جديد على باقي الجيش بقيادة "مختار" وسليمان".. ويواجهوا "الصدر الأعظم رشيد محمد خوجة باشا".
وفي 18 ديسمبر، من العام 1832، بتتبدى في الأفق أول طلائع قوات "الصدر الأعظم" بقيادة العثماني "رؤوف باشا".. وبيحاول "إبراهيم" يناوشهم ويستفزهم على الدخول في معركة.. بس "رؤوف باشا" بيلتزم ضبط النفس وبيعسكر في مواقعه.. لحد ما بينضم له باقي قوات "الصدر الأعظم رشيد باشا".. بعد يومين.. تحديدًا في 20 ديسمبر.
وبيمر يوم 20 ديسمبر بلا قتال، وفي اليوم التالي بيهبط فجأة ضباب كثيف.. يغلف المنطقة، لدرجة إن محدش من القوات بيبقى شايف التاني.. وبينتهز "رشيد باشا" الفرصة.. وبيأمر بطاريات المدفعية بالتقدم.. وبالحدس وبحاسة المكان.. بيأمرهم بقصف ما يفترض أنه الموقع اللي فيه قوات الجيش المصري.
ووسط الضباب الساكن بتنهال المدفعية العثمانية بقوة نيرانية رهيبة على مايفترض أنه موقع الجيش المصري.. اللي بيبدو لـ"رشيد" إنه فوجيء بالموقف.. لأنه مابينطلقش من ناحيته ولا طلقة واحدة.
والحقيقة هو إن الجيش المصري ماردش النيران على "الصدر الأعظم رشيد باشا".. لأنه مع هبوط الضباب.. "إبراهيم" قرر التحرك لكيلومترين جنوبًا.. عشان يتفادى موقف زي دا.
وبينما "الصدر الأعظم" كان بيقصف مواقع خاوية.. كان إبراهيم بفرقُه الإستطلاعية بيتسلل وسط الضباب عشان يدرس موقع القوات العثمانية...
وبيكتشف "إبراهيم" أن ميمنة قوات "رشيد" بترتكن لموقع حصين في سفح جبل قونية.. ومهاجمتها ضرب من الانتحار.. لكن ميسرة الجيش العثماني هشة بترتكن إلى مستنقعات مكشوفة.
ومع صمت الجيش المصري.. بتتقدم مدفعية "رشيد" وسط الضباب وبينتظر "إبراهيم" في صبر لحد ما بيبقوا على بعد 500 متر فقط.. وهو واقف وسط الضباب على يسارهم ومش شايفينه.. ومع تحديد موقعهم عن طريق صوت تحركاتهم.. بيندفع بقواته ويهاجمهم فجأة من الميسرة، من مدى قريب للغاية، فقدت فيه المدفعية العثمانية فاعليتها.
ومع الهجوم المباغت الشديد بتسقط الميسرة العثمانية، وبيتقدم الجيش المصري للقلب.. وبتتحرك المدفعية المصرية وسلاح الفرسان يهاجموا الميمنة اللي فقدت تشكيلها الحصين مع سقوط القلب والميسرة.. ولما رأي "الصدر الأعظم رشيد باشا" أن قواته بتتشتت.. ركب جواده ونزل إلى الميدان بنفسه عشان يقودهم ويشد أزرهم.
لكن "رشيد باشا" بيتوه ويضل طريقه وسط الضباب.. وبيفقد أتجاهه.. ولما بيستدير محاولًا العودة.. بيلاقي نفسه فجاة محاط بجنود مصريين.. بيهجموا عليه ويجردوه من سلاحه.. ويقبضوا عليه ويقتادوه أسيرًا إلى "إبراهيم باشا".
ومع أسر "رشيد".. بيتخبط الجيش العثماني تخبط شديد.. وبيحاول جنوده يهربوا شمالًا عبر المستنقعات.. لكن بيلحق بهم سلاح الفرسان وبيأسر منهم من يأسر ويقتل من يقتل.. وفي النهاية بيتهزم جيش "الصدر الأعظم" وبتهرب بقية قواته عبر المستنقعات والجبال إلى "بورصا" و"إزمير"، بعد ساعتين و45 دقيقة فقط من بدء المعركة.
بيصاب السلطان "محمود عبد الحميد" بالرعب.. وبيبعت السفراء إلي انجلترا وفرنسا والنمسا وبروسيا، عشان يساندوه ضد "محمد علي".. لكن إنجلترا كانت مسحولة في "بلجيكا" وثورتها ضد الهولنديين.. وفرنسا كانت ناوية تستعيد مجد قديم.. وتحل محل هولندا في بلجيكا.. وإنجلترا عايزة تطلع الإتنين من هناك.. ففي النهاية محدش كان فاضي له.. ومابيفضلش أمام السلطان غير النمسا وبروسيا.
وفي واقعة تاريخية مذهلة.. بترفض كل من النمسا وبروسيا التعاون مع السلطان العثماني.. وبيخبروه أن التصدي للجيش المصري مغامرة غير مأمونة العواقب، وممكن تخسرهم جيوشهم..ومش حيظفروا منها إلا بغضب "محمد علي" عليهم.. وربما يهاجمهم لاحقًا.. وهم مش حيقدروا يتصدوا للهجوم دا.. فبيقرروا الوقوف على الحياد.
وفي الآن نفسه ما بيتوقفش."إبراهيم باشا" . فبيكمل الزحف ويحتل "كوتاهية" وبعدها "مجنيسيا" على حدود إزمير.. وهناك بيلتقوا على أبوابها بحاكم إزمير وقواته.. اللي بيضعوا أسلحتهم بلا مواجهة.. وبيركعوا أمام القائد المصري وجنوده.. وبيعلنوا الخضوع للدولة المصرية والولاء لـ"محمد علي"...
وبيتسلم "إبراهيم باشا" المدينة وبيعزل حاكمها المهزوم المستسلم.. وبيعين عليها أحد أعيانها، وهو "منصور أفندي زده".
ومع سقوط إزمير وبورصا.. وعلى بعد 210 كيلومتر فقط من قوائم عرش السلطان العثماني "محمود خان عبد الحميد".. بيعسكر الجيش المصري.
وبيبقى الطريق مفتوح أمامه إلى قلب عاصمة الخلافة.
الآستانة.
المدينة اللي نعرفها اليوم كلنا باسمها الشائع الشهير.
"أسطنبول"...
ويبدو أن الوقت سرقنا النهاردة والحدوتة طالت.. فنكمل حكايتنا لاحقًا.
ويبقى للحديث.. بقية.
----------
(المنشورات السابقة أول تعليق)
---------