في رعب هائل، وفزع رهيب.. بيدور السلطان العثماني على كل دولة أوروبية عشان تنجده من "محمد علي" وزحف ابنه "إبراهيم باشا".. اللي مابيفصلهوش عن أنه يدخل الأستانة ويجتث عنقه سوى 200 كيلومتر تقريبًا.
وبسبب انشغال الدول العظمى بالمسألة البلجيكية.. مبيلاقيش السلطان "محمود خان الثاني بن عبد الحميد الأول" سوى عدوته اللدود.. روسيا.. فبيهرع إلى إمبراطورها "ألكسندر الأول".. ويطلب حمايته ضد الجيش المصري بقيادة "إبراهيم باشا".
وبيوافق "ألكسندر الأول" على دعم السلطان العثماني بشرط.. أنه يوقع معه معاهدة خاصة.. حفظها لنا التاريخ باسم "معاهدة يونكار سكليسي Treaty of Hünkâr İskelesi".. ودي بتنص على تبادل المساعدة بين الطرفين.. إذا ما هوجم احداهم من أي طرف آخر.. وبيعفي "ألكسندر" السلطان العثماني فيها من إرسال قوات، بس بيشترط أن تركيا وقت أي حرب ضد روسيا.. تقفل مضيق الدردنيل أمام أي سفن أخرى بخلاف السفن الروسية.
بيوافق السلطان يوقع المعاهدة في لهفة وجزع.. وبعدين بيقرر "ألكسندر" يقلّب السلطان في قرشين.. وبيوقع له "محمود الثاني" علي صك بمبلغ فادح بمقاييس ذلك الوقت بالعملة الذهبية.. وعليه.. بيتحرك الأسطول الروسي إلى البسفور.. وبيعمل إنزال بري ناجح ويأمن الآستانة.. أو.. أسطنبول.. مقر السلطنة وعاصمة الخلافة.
وبيرصد "إبراهيم باشا" الموقف.. وبيرسل إلى والده يطلب منه الإذن بالتقدم على رأس شجعانه، ضد الحرس السلطاني والقوات الروسية معًا.
لكن "محمد علي" بيطلب من "إبراهيم" إنه يتريث.. ودا لأن بمجرد ما القوى الأوروبية رصدت الاسطول الروسي في البسفور والقوات الروسية في الآستانة.. حسوا بالخطر.. وأدركوا إن لو "إبراهيم" ماعرفش يدخل الآستانة، فدا حيكون ذريعة كبرى للسيطرة على المضايق.. ولو عرف.. فروسيا حتحاربه هناك للأبد.. ودي فرصة عظيمة للتمدد الروسي.. وعليه بتنطلق إنجلترا والنمسا وفرنسا وهولندا والبرتغال وإسبانيا إلى السلطان العثماني وبيعرضوا عليه المساعدة في صد الجيش المصري، بشرط وحيد.. إنه يتخلى عن مساعدة الروس.
بالفعل بيقبل السلطان عرضهم.. لكن "الكسندر الأول" بيلوح له بالمعاهدة المبرمة بينهم.. وبيتحجج.. وبيرفض الجلاء إلا لو رحلت قوات الجيش المصري عن الأناضول.
وهنا.. بتنطلق الدول الأوربية اللي ذكرناها إلى "محمد علي".. وبتبدأ في وساطة دبلوماسية نشطة بينه وبين السلطان العثماني.. عشان يسحب الجيش المصري من على حدود الآستانة.
وفي هدوء بالغ.. بيرفض "محمد علي باشا" سحب القوات المصرية إلا بشرطين.. ضم بلاد الشام وولاية أضنة إلى الدولة المصرية، وجعل الحد الفاضل بينه وبين الدولة العثمانية هو "جبال طوروس".. مع احتفاظ "محمد علي" وذريته من بعده؛ بحكم مصر بحدودها الجديدة للأبد.
وبترفض روسيا وأوروبا الشروط دي.. وبيرفضها السلطان العثماني.. فبيأمر "محمد علي" ابنه "إبراهيم" باشا بالتقدم بالجيش المصري.. ودحر القوات الروسية والعثمانية معًا.
ولما بيبدأ "إبراهيم" يفض معسكره ويجمع قواته.. بتدرك الدولة العثمانية أن "محمد علي" مش بيهدد.. وإنه قادر بالفعل على دحر قواتهم والقوات الروسية معاها في الآستانة..فبيقبل السلطان "محمود" شروط محمد علي.. وبيوقعوا "اتفاقية كوتاهية".. في 4 مايو سنة 1833.. وبموجبها.. بيتنازل الباب العالي للدولة المصرية عن كامل بلاد الشام، وبيقرّ ولاية "محمد علي باشا" على مصر وكريت وكامل سورية، شاملًا لبنان وفلسطين وأضنة، وبولاية ابنه إبراهيم على جدّة، وسحب وإلغاء فرمان "الخيانة" اللي كان أصدره في حق "محمد علي" و"إبراهيم".. واحتفاظ "إبراهيم" بلقب أمير مكة.. وبيتنازل "محمد علي" عن شرط التوريث...
وبمقتضى الاتفاقية.. بتنتهي حدود الدولة المصرية عند مضيق كولك بجبال طوروس.. زي ما كان "محمد علي" عايز.
وبمجرد توقيع الإتفاقية، بيصدر السلطان فرمان خاص يقر بمحتوياتها في 6 مايو 1833، فبيجلو الجيش المصري عن الأناضول.. وبيبدو أن الأزمة انتهت.. وبتهدأ الأمور نسبيًا.
لكن الحقيقة أن اللي حصل كان له تبعيات في غاية الخطورة.. الدول الأوروبية أدركت أنه "محمد علي" مش قرطاس زي سلطان المسلمين القابع في الآستانة.. وإنه بينفذ اللي في دماغه ومابيستجيبش للضغوط والتهديدات بسهولة.. وعليه بتجتمع الدول دي وبتقرر إنه ماينفعش أن "محمد علي باشا" القوي.. يسقط الدولة العثمانية ويحل محلها زي ما هو عايز.
ومهما كان الثمن.
وفي الآن نفسه.. كانت اتفاقية كوتاهية مهينة للدولة العثمانية.. وابتلع السلطان "محمود الثاني" الإهانة ومرارة الذل والهزيمة بصعوبة بالغة.. وبمجرد توقيع الإتفاقية وانسحاب الجيش المصري من تركيا.. بيبدأ في جمع كل الجنود اللي يقدر عليها.. من كل الدول الخاضعة للسيطرة العثمانية.. ومن كل أصقاع الأرض.. وبيبدأ يكون جيش هائل.
وعلى مدار 3 سنوات.. بيجمع السلطان محمود ما عنّ له أن يجمع.. وبيخرج من مدارسه العسكرية الآلاف.. وبيستقدم آلاف الجنود الآخرين من بلغاريا ورومانيا والمجر.. وبيشتري قادة وجنود من النمسا وانجلترا وإسبانيا وبروسيا والبرتغال.
والعجيب أن السلطان بيشحن البعض من أهل اليونان، وبيعلن لهم أن "محمد علي" حاربهم وقمع ثورتهم من قبل.. رغم أن دا كان بطلب الدولة العثمانية نفسها.. وبيحصل من عندهم على بضعة آلاف من الجنود للقتال ضد "محمد علي"....!
وفي الوقت نفسه.. بيدفع السلطان بجواسيسه وكتّابه وخطبائه.. يندسوا وسط أهل الشام ويحرضوهم ضد "محمد علي".. وكان أهل فلسطين متمللين محنقين من قانون التجنيد الإجباري اللي سنه "إبراهيم" باشا.. فبيثوروا ضده عدة مرات.
وأثناء ذلك.. ولـ3 سنوات أخرى.. بينخرط الجيش العثماني في تدريبات مكثفة.. ومناورات ميدانية شاقة.. في غاية الصعوبة والتعقيد.. لحد العام 1839.. بتجري استعداد عسكرية مكثفة في تركيا.. وبينتظر السلطان في صبر نافد.. لحد ما بيبلغه القادة أن الجيش استعد.
وبينتظر السلطان العثماني لحد ما بتقوم ثورة جديدة في فلسطين.. ضد نظام التجنيد الإجباري.. في مارس سنة 1839، وبيتحرك السلطان العثماني بجيش رهيب هائل محدش شاف مثله قط.. لدرجة إن بعض المؤرخين قالوا عنه:
"لم تحظ السلطنة العثمانية قط، منذ أن أطلت أوروبا برأسها في الشرق، بجيش أقوى ولا أفضل ولا خير تدريبًا ولا تجهيزًا من ذلك الجيش".
بتقديرات بتقول إنه بيتجاوز الـ230 ألف جندي.. 40 ألف منهم من العثمانيين.. وعتاد لا ينفد وقوات هائلة من المدفعية.. وعلى رأس كل دا.. الحرس العثماني السلطاني نفسه.. وهي قوات شديدة الشراسة لا تعرف الرحمة.. بيزحف الجيش العثماني للفتك بالجيش المصري، وغزو الشام من جديد.. على أن تكون محطته الأخيرة هي القاهرة.
وبيتحرك الجيش المخيف من الآستانة.. وبتبلغ أخباره "إبراهيم باشا" وكان وقتها في "حلب".. فبيطلب من أبوه الإذن بالقتال.. فبيرفض.. وبيطلب منه الإنتظار لحد ما يقترب الجيش العثماني أكثر.. عشان ماتظهرش الدولة المصرية بأي شكل.. بمظهر المعتدي.
ولما بيتجاوز الجيش العثماني حدود أنقرة.. بيبدأ يتحرك له "إبراهيم باشا" من حلب.. عازمًا على أن يعبر الحدود من جديد نحو الأراضي التركية.. عشان يلتقي ما يقرب من ربع مليون مقاتل مجهزين جيدًا.. بأربعين ألف جندي وحسب.
وفي "غازي عنتاب" بيعسكر الجيش العثماني ويحصن نفسه ويحفر خنادقه.. وبيأمر "محمد علي" ابنه بالانتظار.. لحد ما بيعلن السلطان "محمود الثاني" الحرب، فبيصدر أمر "محمد علي" إلى "إبراهيم باشا" بمهاجمة الجيش العثماني.
ولكن تحصينات الجيش العثماني كانت منيعة للغاية.. غير أنه كان عسكر في "غازي عنتاب" لمدة شهر كامل.. وحفر خنادقه ورتب أموره وارتاح جنوده والتقطوا أنفاسهم.. بخلاف الجيش المصري اللي اتحرك سائرًا على قدميه لمسافة هائلة تحت شمس الصيف الحارة.
ورغم كده بيدرس "إبراهيم باشا" تحصينات الجيش.. وبيكتشف إن الميمنة أضعف من سواها.. وتنفيذًا لأوامر "محمد علي".. بيهجم من فوره على ميمنة الجيش العثماني.
وللمرة الأولى بيلتقي "إبراهيم" ورجال الجيش المصري المنهكين.. بالتقنيات الأوروبية الحديثة في القتال.. لأن ضعف ميمنة الجيش العثماني لم يكن سوى خدعة.. وكانت بتحميها قوات كبيرة من المدفعية.. متغطية بغظاء مموه يشبه البيئة المحيطة.. وبمجرد ما بيلتف "إبراهيم" نحو الميمنة.. بتفتح عليه المدفعية نيران هائلة مركزة.. فبيسقط هو وجواده وبتصيبه عشرات الشظايا من القنابل والصخور.. ومع سقوطه بتصاب القوات بالتوتر وبتتفك تشكيلاتها.. وبيكاد "إبراهيم" يفقد حياته، فبيلحق به "سليمان باشا الفرنساوي".. وبيغطيه.. لحد ما بينسحبوا عدة كيلومترات إلى حافة مدينة "نسيب" أو "نصيبين" التركية.
بيفكر أحد القادة العثمانيين في ملاحقة القائد المصري.. لكن القادة الألمان بيرفضوا دا قطعًا.. لأنهم لما استمعوا لشهادة الشهود اللي هزمهم "إبراهيم باشا" من قبل.. فهو كان بارع في تمثيل إنسحاب مزيف يقود به أعداؤه إلي أكمنة محكمة.. وعليه.. بيعسكروا لبقية اليوم.. وبيتقدموا إلى "إبراهيم" باشا في اليوم التالي.. ودا كان من حسن حظ "إبراهيم".. اللي ضمد جراحه السطحية وأعاد ترتيب صفوفه من جديد.
وفي 24 يونيو من العام 1839.. بيلتقي الجيش العثماني الرهيب، بالجيش المصري المرهق وعلى رأسه "إبراهيم محمد علي باشا" الجريح في مدينة "نصيبين" وجهًا لوجه.
والمرة دي مابينهزمش الجيش العثماني الهائل ولا بقى بينسحب نصه وييتراجع ويتقدم زي كل الحروب السابقة مع "إبراهيم باشا".
دا بينسحق سحقًا على يد الجيش المصري، وبيمني بهزيمة مروعة فادحة، وكارثة حقيقية، إذ كاد الجيش المصري إنه يبيد الجيش العثماني عن بكرة أبيه حتى آخر جندي.. وبيفضل من كل القوات العثمانية 20 ألف جندي فقط على قيد الحياة.. بيأسر منهم "إبراهيم باشا" 12 ألف جندي.. وبيفر الباقين إلى الآستانة.
وبيتوقف التاريخ ويدون ويسجل ويحفظ لنا الموقعة العظيمة دي تحت اسم "معركة نسيب أو نزيب أو نصيبين Nizip".. قال عنها بعض المؤرخين.. أنه مكانش في بيت واحد في الآستانة مفيهوش مأتم وعزاء وجنازة بسبب الموقعة دي.
وكان السلطان العثماني "محمود الثاني" منتظر أخبار المعركة بفارغ الصبر.. وأصدر أوامر أنها تبلغه من ساعة إلى ساعة.. ومنذ رحيل جيشه عن الآستانة كان قد ملأ وأشعل ودخن الغليون مئات المرات من فرط التوتر.. حتى أصيب بالتهاب رئوي.. فلما بيبلغه الخبر الأسود للخسارة الفادحة.. بيحتقن في شدة.. وبيعجز عن التنفس.. وبيصاب بأزمة قلبية و.. ويموت.
وللمرة الثانية خلال ست سنوات.. بيتفتح الطريقة أمام الجيش المصري إلى الآستانة.. اللي أصبحت بلا جيش أو أي قوات تحميها.
وفي الآن ذاته، بيتحرك الأسطول العثماني إلى الإسكندرية.. فبتنصب له قلعة "قايتباي" وحامية "رأس التين" مدفعيتها.. لكنه قائد الأسطول العثماني بيخفض أسلحته وبيعلن إنه غير قادم للقتال.. وإنه قادم للتحدث مع "محمد علي".. ولما بيلتقي قائد الأسطول العثماني بـ"محمد علي".. بينحني أمامه.. ويقدم له الولاء كسلطان المسلمين الجديد.. وبيضع الأسطول تحت أمرته.
وهنا بتتخذ أوروبا قرار في غاية الخطورة.. وبيتخذ أمامه "محمد علي" قرار أكثر خطورة.
والقرارات دي نتكلم عنها لاحقًا بإذن الله...
ويبقى للحديث وقتئذ.. ختام.
--------
(المنشورات السابقة أول تعليق)
-------