الحقيقة "معركة نافارين Battle of Navarino" كانت لها جذور وأسباب.

حتى لما تقرا.. مجازر العثمانيين وتعذيبهم لليونانين لما كانت تحت سيطرتهم مأساوية مؤسفة.. ويتكتب درر عنها.. ودا عبر الوقت بيدفع اليونانيين للثورة.

دي من الثورات القليلة عبر التاريخ اللي تقدر تقول عنها أنها ثورة شريفة.. لأنها كانت شر لابد منه ضد محتل. مع زيادة الضغط على الدولة العثمانية وتفاقم خطر الثورة.. عندئذ.. السلطان "محمود الثاني" بيطلب من "محمد علي" التوجه لليونان والعمل على بقاء الأوضاع تحت السيطرة.

الآن.. نحن في العام 1825 ميلادية.. وبأوامر من "محمد علي".. بيتوجه "حسن باشا" نديم "محمد علي" عابرًا البحر المتوسط، بحملة بتنزل في جزيرة كريت.. وبينجح في قمع جموع الثوار فيها.

العسكري المخضرم القوي، "إبراهيم" باشا بيحصله في العام نفسه.. وبيتوجه إلى منطقة سهول "المورا Morea".. وفي طريقة بيصطدم بالأسطول اليوناني ويدمره.

وبيعمل "إبراهيم" إنزال بري ناجح على شواطيء اليونان.. وبيبدأ أولًا في نجدة وإنقاذ سفن الأسطول العثماني، اللي كان اليونانيين محاصرينها في ميناء كورون.. وبينجح في ده.

وبعدين بيتقدم "إبراهيم" وبتسقط أمامه معاقل الثوار واحدًا بعد الآخر، وبيسيطر على"هيدرا" و"أستبزيا" وميناء "نوپلي" و"ميسولونجي".. وبينضم له الأسطول الجزائري لتغطيته بحرًا، بأوامر من الدولة العثمانية.. و بيوصل إلى "نافارين" ويحاصرها ويسيطر على الميناء بتاعها.

هنا بتشعر أوروبا بالقلق.. وبتتدخل وتطلب من الدولة العثمانية منح اليونان حكم ذاتي وبعض الحقوق، على أن تظل تابعة للدولة العثمانية.. بس السلطان بيرفض في صلف وغرور.. لأنه كان شايف انتصارات "محمد علي".

وبتقرر أوروبا التدخل بالقوة.. فبتتحرك إنجلترا وفرنسا وروسيا وبروسيا والنمسا.. رغم أن فيهم أعداء لبعض.. بس تهديد مصلحة مشتركة خلاهم يتوحدوا.. وبيحاوطوا منطقة الحرب الساخنة بسفنهم.. ويمنعوا الإمدادات عن الأساطيل المصرية والجزائرية والعثمانية.

مع نقص الإمدادات البحرية وطول المعارك وانهاك الجنود المصريين والبحارة الجزائريين.. لمدة عامين كاملين.. خلال سيطرة "إبراهيم" على الأوضاع.. وبالتحديد في 20 أكتوبر سنة 1827.. بتطلق سفن الدولة العثمانية النيران على السفن الأوربية.. فبتطلق سفن الحلفاء الأوروبية مدفعيتها بلا سابق إنذار.. وبتشتبك مع الأسطولين المصري والجزائري في معركة رهيبة.. بيتدمر على إثرها الأسطول الجزئري حتى آخر سفينة.. ودا اللي بيفقد الجزائر كتير من قوتها الدفاعية ويخليها عرضة لاحتلال فرنسا لاحقًا.. وبيتدمر الأسطول العثماني ومعظم الأسطول المصري.

بيفكر "محمد علي" في الرد بعنف، وصنع وإرسال سفن جديدة.. لكن فرنسا وروسيا وإنجلترا بيبدأوا يتفاوضوا معاه ويقنعوه بالانسحاب.. ودي كانت حركة أغضبت السلطان العثماني للغاية.. لأن بدا واضحًا أن أوروبا خلاص مش عاملاله أي اعتبار وبتتفاوض مباشرة مع "محمد علي".

وبيقتنع "محمد علي" أن سياسة الدولة العثمانية والسياسة المصرية وصلت إلى مفترق طريق.. فبيدي أوامره بسحب قواته وبيجلي إبنه "إبراهيم" ورجاله تدريجيًا على ما تبقى من سفن.. وبيرجعوا مصر.. وبيرحل آخر جندي مصري عن اليونان في 7 سبتمبر سنة 1828.

بيطلب "محمد علي" من السلطان مكافأته على جهوده في حرب اليونان.. فبيمنحه الأخير جزيرة كريت.. ودا مابيقنعش "محمد علي".. خصوصًا أن أهل كريت شرسين مزعجين ودائمي التمرد.

مع تفاوض القوى الأوروبية مع "محمد علي" نفسه وتطنيش السلطان.. السلطان بيحط "محمد علي" في دماغه.. فلما بيطلب "محمد علي" من والي دمشق، تزويده بخشب عشان يعيد بناء الأسطول من جديد.. السلطان العثماني بيوعز لوالي دمشق بالرفض.

وكان والي دمشق دا زمان كانت حصلت بينه وبين السلطان العثماني أزمة عنيفة.. وكاد أنه يتهم بالخيانة ويعزل ويعدم.. لولا تدخل "محمد علي" ولطف الجو.. فلما رفض والي دمشق يبعت الخشب.. غضب "محمد علي" بشدة.. وتصاعدت وتيرة الخلاف والتراشق بينهم.. لدرجة أنها وصلت إلى علم العامة.

ومع إقرار "إبراهيم" باشا لنظام التجنيد الإجباري، بيفر مجموعة كبيرة من الفلاحين المصريين من الجندية.. ومبيلاقوش مكان يأويهم إلا دمشق مع علمهم بخلاف "محمد علي" مع حاكمها.. فبيهربوا إلى دمشق بالفعل.. وبيرحب بيهم واليها!

الحكاية دي حفظها لنا التاريخ تحت اسم "مسألة الفلاحين".. اللي رفضوا التجنيد الإجباري وهربوا.. ورحب بيهم والي دمشق وأواهم.

التصرف دا بعدما زالت لحظة الغضب.. أسعد "محمد علي" للغاية.. لأنه أداله مبرر كان بيحلم به عشان يشبع طموحه النهم.. وينفذ خطة كان بيدور لها على مبرر قوي.. خطة أنه يزحف على الشام.

الحقيقة أن التاريخ نقل عن "إبراهيم" عن والده "محمد علي".. قول صريح له عن رغبته في إنقاذ الشعوب العربية من أي حكم قمعي أو إرهابي.. وحلمه بتكوين جيش عربي موحد.. يكوّن قوة هائلة.. في وجه الأطماع الغربية.

وفي العام 1831، بيبدأ "إبراهيم" باشا زحفه علي الشام.. وبيدخل لبنان في بساطة وسهولة ويسر، من دون أن يطلق رصاصة واحدة.. لأن أمير لبنان "بشير الثاني الشهابي الكبير"، اللي في الصورة ده.. كان خصم للسلطان العثماني وحليف وصديق لـ"محمد علي".. فبيدعمه بالتالي في الزحف على الشام.. ويفتح أمامه الأبواب وبيضم قواته على قوات "إبراهيم باشا".. فبيسيطر "إبراهيم" على صور وصيدا وبيروت وجبيل وطرابلس...

وبتتوتر الدولة العثمانية في شدة من زحف "محمد علي" على الشام.. حاكم مصر خرج عن طاعتها وبيزحف على أراضي تحت سيطرتها.. فبتدفع له بالقوات العثمانية إلى جوار قوات الجيش السوري تحت قيادة "عثمان باشا".

لكن القوات السورية بتقف متخاذلة متراخية.. ومبتشاركش في الحرب ضد "إبراهيم باشا".. لأنهم كانوا ضجوا من الحكم العثماني القاسي.. وفي الحقيقة كانوا بيؤيدوا زحف "محمد علي" لتخليصهم من قرف العثمانيين.. أضف إلى أنهم كانوا بيعتبروا المصريين من ذوي القربى.. فمابيرفعوش السلاح على الجيش المصري.. وبيلاقي "عثمان باشا" وقواته نفسه لوحدهم.. وبيتهزم أمام "إبراهيم باشا".. وينسحب.. ومع إنسحابه.. بيلاقي "إبراهيم باشا" نفسه أمام أسوار "عكا Acre".

عكا الحصينة القوية.. اللي لما بتلاقي حد متصور أنه عمل معجزة بتقول له "يعني فتحت عكا؟".. عكا اللي استعصت على القوات الفرنسية في عز مجدها بقيادة "نابوليون بونابرت" نفسه.

وبتتطور الأحداث بغتة، بلا سابق إنذار.. لما بيصدر من السلطان فرمان رسمي، بيعلن خيانة "محمد علي" و"إبراهيم باشا" للخليفة وتمردهم على السلطة الشرعية.

وبتتوحد كل الدولة العثمانية وولاتها ضد "محمد علي".

وبتدفع الدولة العثمانية بقوات هائلة، بقيادة العسكري المخضرم.. السرعسكر "حسين باشا" للقضاء على الجيش المصري ومنع تقدمه.

وبتتعقد الأمور.. وبتبدو العقدة دي بلا حل.

ويبدو أن الكلام سرقنا النهاردة والحوار طال.. فنكمل قصتنا لاحقًا...

ويبقى للحديث بقية.

---------

(المنشورات السابقة أول تعليق)

---------