في فجر 5 سبتمبر سنة 1816، بيتحرك قائد جديد.. من القاهرة إلى السويس.. ومن السويس.. بينطلق مع قطع الأسطول، متوجهًا إلى الحجاز.. وبيرسي في ميناء ينبع، اللي كان تحت سيطرة القوات المصرية.. وبينزل بجنوده لقمع الحركة الوهابية والقضاء عليها.

القائد دا كان رجل عسكري ثقيل جدًا.. وواحد من أفضل وأقوى قادة الجيوش في العالم، في القرن التاسع عشر.

"إبراهيم محمد علي" ابن "محمد علي باشا".. أو "إبراهيم باشا" كما نعرفه.. تحركات "إبراهيم" وحملاته وخططه لسه بتدرس في أوروبا في مدارس تاريخية وعسكرية لحد النهاردة.

في الوقت نفسه بيتحرك "أحمد طوسون باشا" عائدًا للوطن، على متن سفينة أخرى.. وكان قد أصيب بالحمى من جرحه.. وكان مرهق منهك للغاية، لكنه كبطل عسكري.. بيدخل القاهرة في احتفال كبير مهيب.. وبيرفعه المصريين على الأعناق.

وبيلاحظ "محمد علي" أن "أحمد طوسون" في حالة سيئة.. وبيطلب منه الأخير أنه يروح للإسكندرية اللي بيعشقها.. فبيروحوا سوا. ويستقروا هناك.. يتابعوا أخبار حملة "إبراهيم".. اللي أرسله "محمد علي" بخطة جديدة للقضاء على الوهابيين.

وكانت الخطة دي هي ضرب رأس الأفعى نفسه.. معقل الوهابية.. مدينة الدرعية.

وفي الإسكندرية.. بيسترخي "أحمد طوسون".. وبيضع سلاحه للمرة الأولى من سنين.. وبيشوف للمرة الأولى كذلك ابنه "عباس".. اللي سابه وراح يحارب قبل مولده.. ورجع له وهو عنده سنتين.

وفي أواخر سبتمبر من العام 1816.. وبعد أيام من سفر شقيقه "إبراهيم باشا".. بتتفاقم إصابة "أحمد طوسون".. وبيلفظ أنفاسه الأخيرة بين ذراعي أبوه على الصوت الهاديء لوشوشة الموج.. اللي اختار إنه يقضي نحبه على أنغامه.

رغم خسارته الفادحة، وآلامه الرهيبة.. بيخفي "محمد علي" خبر وفاة ابنه "طوسون" متأثرًا بجراحه.. وبيعلن أنه مات بسبب إصابة بالطاعون.. عشان مايهزش معنويات الجيش.

بيوصل خبر وفاة "طوسون" إلى "إبراهيم" فبيصاب بحزن بالغ، بيستثمره إلى غضب.. لكن غضب هاديء عاقل مش متهور مندفع. وتحت غطاء من المدفعية، بيتقدم "إبراهيم باشا" في شبه الجزيرة.. بيحاول الوهابيين يتصدوا له.. لكن "إبراهيم" باشا بينطلق بخطط عسكرية محكمة.. وبيتقدم ميمنة وقلب وميسرة.. بتشكيل المربعات الشهير العصي على الإختراق.. وبيأمن خطوط الإمداد والقوافل عشان محدش يحاصره زي ما حصل مع "طوسون".. وبيبعت له حاكم البصرة "بكر باشا"، سنة 1817، 1500 جمل، محملين بالطعام والحبوب.

رغم الشحنة دي.. بيشح الطعام مرة تانية مع "إبراهيم".. بس هو كان اتعلم من غلطات "طوسون" وكان مأمّن الملاحة وخطوطه الخلفية.. وعكس "طوسون".. الأراضي اللي دخلها مفقدش منها شيء.. ومع شح الطعام.. في فبراير سنة 1818.. بيتقدم أمير المدينة المنورة.. وبيمد "إبراهيم" بمائتي بعير وبضعة آلاف من رؤوس الغنم مع قافلة خاصة، محملة بالبارود.

وفي أول مارس، سنة 1818.. بيوصل "إبرهيم" إلى "الملقى".. على مشارف الدرعية.

وكانت الدرعية بتحتوي كل الباقين من الوهابيين.. وكانوا تحصنوا فيها وحصنوها كويس أوي.. وكان لها خمس أسوار دفعة واحدة، تزينها مجموعة من الأبراج الحصينة القوية.. بالإضافة إلي سلسلة من الخنادق، مليانة بالجنود.

وبيفاجأ "إبراهيم باشا" بسلاح جديد لدى الوهابية مكانش عندهم من قبل ومكانش في الحسبان.. سلاح المدفعية.

إنجلترا بتمدهم بمتفجرات وقذائف وعشر مدافع.. ودي كانت نصف قوة مدفعية "إبراهيم" نفسه.. اللي كان معاه 20 مدفع.

وكانت الدرعية بين جبلين.. بيحط عليهم أميرها مدافعه.. وبيحصن أسوارها.. وبيدرس "إبراهيم" الموقف.. وبيحتاج لمشورة.. فبيبعت رسالة لأبيه بالموضوع كله.. وبيختتمها بأن أمير الدرعية "قوى متاريسه تقوية جدية على وجه لا تنفذ فيها القذائف".

وكان أمير الدرعية حفر حولها خندق، عشان يعيق تقدم الجيش المصري، وبدأ يقصف قوات "إبراهيم" بالمدفعية.. فبيتراجع إبراهيم برا مدى المدفعية الوهابية.. وبيحفر خندق أمامها عشان يعيق تقدمها.

وبيعسكر "إبراهيم" على حافة مدى مدفعية الدرعية.. وبيشعل مشاعله.. وأمام عيون الجميع بيخلد "إبراهيم" ورجاله لخيامهم.

وبتسترخي الدرعية نسبيًا وهي بتراقب القوات المصرية المستسلمة للنوم.. لكن في حقيقة الأمر، القوات مكانتش خلدت للنوم على الإطلاق.

بدون سابق إنذار.. بيحصل هجوم مباغت، من "إبراهيم" باشا، اللي تظاهر بالنوم والراحة، وانسل مع جنوده.. وبعدين التف حول الدرعية، وهاجم متاريسها الجنوبية بسلاح الفرسان، وسيطر عليها.. وفي اثناء انشغال الدرعية بالدفاع عن المتاريس الجنوبية.. بتنفض الخيام المصرية بغتة، وتبرز من أسفلها قطع المدفعية، وبتتقدم للمدى المناسب وتقصف الأبراج وتدمر معظمها، مع تحرك كتائب جنود المشاة اللي زحفت للجبل تحت جنح الظلام، وهاجمت سلاح المدفعية الوهابي، وفتكت بمعظمه.

وفي "سمحة النخل" أعلى الدرعية، بيفر الوهابيين.. ويحتل "إبراهيم" مواقعهم.. وبيبدأ يحرك مدفعيته عشان يفوز بالمكان المرتفع. ويتهدد الدرعية من عل.

وبعدما بتهدأ المناوشات وبينسحب أهل الدرعية إلى قلبها.. بيستقر "إبراهيم" باشا.. ويقرر يلجأ لخطة جديدة.

خطة الحصار.

بيحاصر الدرعية ويقطع عنها الموارد.. وينتظر.

ولكن الدرعية بتصمد أمام الحصار أربع شهور.. ولا كأنها محاصرة.. وبيلاحظ إبراهيم انها مش بتعاني من نقص في أي موارد.. فبيتحرى الأمر.. وبيتضح له أن بلدة "عرقة" قرب الدرعية بتمدها سرًا بما تحتاجه.. فبيهجم عليها ويساويها بالأرض.

وفي حركة ذكية للغاية.. بيتحصل الوهابيين على بعض ملابس قوات "ابراهيم" من جثث القتلي اللي فقدهم في أحد المعارك.. وذات ليلة، بيتسلل مجموعة من الوهابية خلسة تحت عباءة الليل، مرتدين الملابس دي.. وبيباغتوا الحرس ويقتلوهم.. ويشعلوا النار في المستودع.

الواقعة دي سجلها التاريخ باسم "واقعة حريق المستودع".. بينقذ الجيش المستودع.. وبيضرب الدرعية مرة أخرى في عمليات ثأرية متتالية.. بس كان "إبراهيم باشا" فقد في الحريق بارود وذخيرة كتير.

بيبعت يطلب المدد من "محمد علي".. فبيبعت له 3000 مقاتل من الإسكندرية تحت قيادة "خليل باشا".. ومع انضمامهم للحملة.. بيهجم "إبراهيم" على الدرعية في سبتمبر 1818.. وبيقتحمها أخيرًا وبيكتسح باقي قوات الوهابيين تحت سنابك خيوله. وبيرفع أميرها الراية البيضاء، وبيطلب الأمان.

بيتسلم الجيش المصري الدرعية وبيمنح لمن يضع السلاح أو لم يحمله من أهلها الأمان.. وبيتقبض على قائد الحركة الوهابية وقتئذ؛ الأمير "عبدالله".. وبيتم إرساله إلى القاهرة أسيرًا.. ومنها بيتم إرساله للآستانة، حيث تم إعدامه سنة 1818.

ودي كانت نهاية الحركة الوهابية.. لحد ما قررت الولايات المتحدة وانجلترا يحييوها من جديد بعد الحرب العالمية، سنة 1947، لإيقاف النفوذ السوفيتي.. وصنع دولة زي "افغانستان" الحالية على مرمى حجر منه.

بيرجع "إبراهيم" إلى القاهرة بعدما بسط نفوذه على شبه الجزيرة.. وبتمنحه الدولة العثمانية لقب "أمير مكة".. ودا بيرفعه فوق كل ولاة الدولة العثمانية.

وبعد عامين ونصف بيوصله خبر مقتل شقيقه "إسماعيل" في السودان، وانتقام "الدفتردار".. زي ما حكينا في حلقات سابقة.. وبيغضب لأنه مشاركش في الانتقام لشقيقه.. وبينتظر بفارغ الصبر، أول تمرد جديد في السودان سنة 1821.. وبيروح يشن حملة تأديبية رهيبة.. محصلش بعدها اي تمرد تاني هناك.

وكان حلم "محمد علي" إنه يلاقي ذهب وماس في السودان.. فلما ملقاش أو ماعرفش يوصل.. قرر يستغلها بشكل آخر.. فمهد أرضها وطورها وعمل فيها سواقي وغيرها، وزرعها كسلة غذائية، وبدأ يشحن أولادها للمدراس العسكرية في مصر، ويطلع منهم جنود.. تساعده في فتوحاته وطموحاته.

وكانت الدولة العثمانية قد أدركت قوة "محمد علي" وجيشه، فقررت تكلفه بمهمة فشل فيها الجيش العثماني.. مهمة شاقة في غاية الخطورة.

والمهمة دي نتكلم عنها لاحقًا.

ويبقى للحديث بقية.

---------

منشورات سابقة:

---------

1 - http://bit.ly/30anGpF

2 - http://bit.ly/2Q7e6zv

3 - http://bit.ly/2VVkcrX

4 - http://bit.ly/2WdncAb

5 - http://bit.ly/2HzZSo7

6 - http://bit.ly/2MeJZHO

7 - http://bit.ly/30Y8tZo

8 - http://bit.ly/2K6yBMd

9 - http://bit.ly/2FczAXt

10 - http://bit.ly/2F176PY

11 - http://bit.ly/2K8A2de

12 - http://bit.ly/2WtIu8x