العام ١٨٣٠، والعراق ييئن من الوباء، تحت الاحتلال العثماني. اللي ماهتمش مطلقًا بإعمار العراق أو تطويره، زي ما أهمل في كل الدول اللي احتلها، ورزحت في ظل التخلف العثماني لقرون.
كان العثمانيين في العراق زي ما عملوا في باقي البلدان اللي دخلوها غزاة كالجراد، مهتمين بالدعارة، بالجباية، وبالسرقة.. لكن محدش اهتم بتنظيف المساقي والطرق وبناء المشافي.. زود على دا تدهور ظروف العراقيين بسبب سرقات آل عثمان ونهبهم.. وانهيار مناعتهم بسبب الجوع والفقر والجهل اللي غاصوا فيه حتى العنق على يد آل عثمان.. ودي كانت بذرة وباء الطاعون، اللي بدأ يضرب بغداد على استحياء في العام نفسه.
عرف العثمانيين ببدء ظهور الطاعون لكن ماهتموش مطلقًا.. والي بغداد "داوود باشا" كان مشغول بيتابع في اهتمام طريقة صنع "الكفتة" اللي حتشيل اسمه لحد يومنا هذا، وكان بيعاقب الطهاة ويخوزق ويبتر أطراف ويسجن الطباخ اللي يعملها غلط.
ولما مكانش في أي اهتمام بموضوع الطاعون.. سقطت أول ضحية على قارعة الطريق، ولما مكانش في حد من رجال الدولة العثمانية مهتم.. دفن الناس الجثة بأنفسهم.. وعاد كل منهم إلى داره، وهو يحمل العدوى القاتلة.
وفي منتصف العام نفسه، ١٨٣٠، كان الطاعون بيقتل ألف عراقي يوميًا.. وبعدين وصل لأنه بيقتل ٢٠٠٠ عراقي يوميًا تقريبًا.. دا ضعف العدد اللي كان بيقتنصه الطاعون في العراق في القرون من السابع إلى العاشر!
يعني الدول اللي كانت تحت حكم آل عثمان في القرن التاسع عشر، كانت متخلفة أكثر مما كانت عليه ١٢ قرن في الماضي، سنة ٨٧٠!
مع عدم اكتراث العثمانيين، انتشرت الجثث في الطرقات ولم تجد من يرفعها، ودخل الوباء بعباءته السوداء ومنجله إلي البصرة والنجف وكركوك ووصل إلى كردستان.
أغلق "داوود باشا" قصره على نفسه وعلى رجاله وحاشيته، وسط مخزون وافر من الطعام والشرلب والكساء.. وترك الشعب العراقي يتألم.
تلوث الهواء والمياه، ومات السقاة وقل الفلاحين فأتى الجراد على الزرع، فمن نجا من الوباء مات من الجوع والعطش.
ولكن القدر كان للعثمانيين بالمرصاد.
فبسبب ما أضمره السلطان العثماني لـ"محمد علي" بعد انتصار "ابنه "إبراهيم باشا" في حرب اليونان.. أمر قوات ضخمة من الجيش العثماني بالبقاء في العراق، مسرًا في نفسه خطة للتحرك والقضاء على "محمد علي".
ولأن القوات دي كانت مرابطة علي الأرض مش في قصر الوالي، راح الطاعون يفتك بهم جندي وراء جندي ورجل وراء رجل. و"داوود" باشا بيراقبهم في برود بلا اكتراث.. مجرد جنود بلا قيمة.
وسقطت حامية بغداد العثمانية في براثن الوباء.. بينما "داوود" في قصره ورا أبوابه وأقفاله في أمان.
في قصة مخيفة لـ"إدجار آلان بو Edgar Allan Poe" استوحاها من الأحداث دي.. اسمها "قناع الموت الأحمر The Masque of the Red Death".. عن مدينة ضربها الطاعون.. كان الناس بينزفوا ويسقطوا جثث هامدة.. فجمع حاكمها الظالم، الكبراء والأثرياء في القصر وحصن نفسه وناسه.. وساب شعبه يتألم ويموت على يد المرض اللي سموه "الموت الأحمر".
وفي ليلة سوداء، عمل حفلة تنكرية، وفوجيء وسط الضيوف بضيف متنكر في زيّ كفن ملطخ بالدم، وبيحمل في يده منجل كما الموت، استاء الناس من التنكر المقزز دا، واستل الحاكم سيفه وانقض على الضيف ينزع قناعه ويعرف دخل إزاي وكل أبواب القصة متأمنة كويس.
وكانت المفاجأة الرهيبة.. الضيف الثقيل كان هو الموت الأحمر نفسه.. الوباء متجسد في صورة مروعة شبه بشرية.. وسرعان ما بدأ الأمير وسكان القصر يتساقطون والدم ينزف من أجسادهم.
دا اللي حصل بالفعل في بغداد كذلك.. الطاعون تسلل لقصر "داوود باشا" المحصن عبر مياه الشرب.. وبسرعة مدهشة راح يبيد كل من فيه.. وأصيب "داوود باشا" نفسه بالمرض.. وبدأ كل من حوله يتساقطون ويقتنصهم الموت.
والعجيب أن "داوود" استيقظ ذات صباح، وشعر أنه أفضل.. وكان بالفعل بيتماثل للشفاء.. لكن ملقاش في قصره مخلوق واحد، على قيد الحياة، سوى ثلاثة من الخدم، بدوا منهكين على مشارف العدوى بدورهم.. فترك القصر وخرج للشارع بحثًا عن أي شيء يأكله، وكان ثلث سكان بغداد بالضبط جثث هامدة في الطرقات بتمرح فوقها الحشرات وتمزقها الضواري والفئران.. وتحولت المساقي إلى برك ماء آسن.. والبحيرات ومياه الشرب إلى مستنقعات قذرة زاخرة بالجثث.
وكاد "داوود" الذي نجا من الوباء، أن يقضي حتفه من الجوع والعطش!
ولكن الأقدار أرادت لـ"داوود" أن يحيا لسبب ما، ربما ليدون لنا الأحداث دي، كدليل على حقارته وحقارة دولته وسلالة آل عثمان.. فعثرت عليه أسرة صيادين كريمة من أهل بغداد، واصطحبه أبوهم العجوز إلى داره، وأطعمه وسقاه من ماء مغلي، كان بتغليه زوجته وتتركه ليبرد، في محاولة لتجنب المرض.
انحسر الطاعون من تلقاء نفسه بعدما أخد دورته في العام ١٨٣١.. لكن التخلف لم ينحسر عن عقول آل عثمان أبدًا.. فمخدوش أي تدابير لمنع تكرار الأمر، فعاد الوباء بوحشية وشراسة يضرب البصرة في العام ١٨٣٢.
وفي مصر.. ابتدع "محمد علي" باشا، نظام جديد لاهلنا النازحين الفارين من بغداد، سماه "الكارنتينا".. أي "الحجر الصحي".. فكان يقبل لجوئهم.. لكنهم يوضعون في أبنية خاصة على الحدود، تحت إشراف أطباء مقيمين، ومن كانوا يتيقنون من خلوه من الوباء يسمح له بالدخول، ومن كان يتضح اصابته.. بيبدأوا في علاجه.
وقبيل معركة "نصيبين" أو "نزيب" بين مصر والدولة العثمانية.. وأثناء تظاهر السلطان العثماني بمهادنة "محمد علي".. أرسل السلطان إلى مصر وفدًا خاصًا من أسطنبول.. للوقوف على ذلك الإجراء الاحترازي.. وعلّمت مصر العثمانيين للمرة الأولى في تاريخهم كيفية إقامة "حجر صحي".. وظهرت "الكارنتينة" في أسطنبول للمرة الأولى في العام نفسه، ١٨٣٨.
والعجيب أن "الحجر الصحي" لم يطبقه العثمانيين إلا في أسطنبول.. حماية لأنفسهم.. فلم يطبق في العراق المصاب المنهك المريض إلا في العام ١٨٩٥.
#الخلافة_العثمانية
#awareness_against_السرسجة
---------
- كتاب: الأوبئة والأمراض التي اجتاحت العراق في العهد العثماني وكيفية الوقاية منها - د. علي كامل حمزة السرحان - المعهد التقني ببابل.
- (PDF) Epidemic History of the Late Ottoman Iraq:
https://www.academia.edu/.../Epidemic_History_of_the_Late...
- Meyers, Jeffrey (1992). Edgar Allan Poe: His Life and Legacy. Cooper Square Press.