(إيلى أمين شاؤول كوهين).. Eli Cohen

اسم يستحيل أن يجهله أى رجل مخابرات عربى أو إسرائيلى، فى هذه الأيام، وخاصة بعد أن صدرت عنه عشرات الكتب والروايات، معظمها إسرائيلى، تحيطه بإطار من القوة والبطولة، وتنسج حوله عشرات القصص الأسطورية، التى تجعله بمثابة نجم، فى هذا العالم السرى، أو هكذا حاول الإسرائيليون أن يظهروه، دون أن يشيروا إلى ما أصاب هذا النجم..

إلى سقوطه المروّع ..

وبدايات (إيلى) بسيطة وعادية للغاية، فقد كان والده (حوفى كوهين) تاجراً سورياً متواضعاً، هاجر مع أسرته إلى (مصر)، واستقر بهم المقام فى (الإسكندرية). وهناك ولد (إيلى) فى 16 ديسمبر 1924م، وهناك أيضاً التحق بمدرسة (الليسيه) الفرنسية.. وهناك أيضاً التقى بـ(بولندى جابى)، التى كانت بداية الخيط ..

و(بولندى) هذه كانت إحدى سيدات الأسر اليهودية الثرية، وعضواً نشطاً فى الوقت ذاته، فى جهاز (هاموساد اليابيت).. أو (الموساد)، الذى قرر إنشاء فرع له فى (مصر)، عن طريق حركة الشباب اليهودية المصرية، المعروفة باسم (هاشيروت)، فأرسل أحد رجاله (ليفى افراهام)، التى رشحت له عدداً من الشباب اليهودى، وعلى رأسهم (إيلى)..

وعمل (إيلى كوهين) لحساب (الموساد)، قبل أن يحصل على شهادة (البكالوريا)، أو الثانوية العامة فى ذلك الوقت، وأبدى نشاطاً ملحوظاً فى تسهيل خروج اليهود المصريين إلى (فلسطين) وفى الاتصال بالسفارات والقنصليات، وأجاد الإنجليزية والفرنسية والإيطالية، والتحق بكلية الهندسة بجامعة (فؤاد الأول) - (القاهرة) حالياً - وحصل على شهادته، على الرغم من هجرة أسرته كلها إلى (إسرائيل).. عام 1950م..

وفى عام 1953م، أرسلت المخابرات العسكرية الإسرائيلية (أمان)، أحد رجالها إلى (مصر)، وهو (إبراهام دار)، الذى وصل بجواز سفر بريطانى، يحمل اسم (جون دارلنج)، سعياً وراء تكوين خليتين صهيونيتين، فى (القاهرة) و(الإسكندرية)، وأرسل خمسة من أعضاء الخليتين إلى (تل أبيب)، عن طريق (باريس)، لتلقى تدريبات حول تفجير القنابل الزمنية، ثم أعيد هؤلاء الخمسة إلى (مصر)، حاملين مخططاً تخريبياً خاصاً... ومن بين هؤلاء الخمسة كان (إيلى كوهين)..

وفى خلال عملية عرفت باسم (عملية سوزانا)، أصدر (جون دارلنج) أوامره للخليتين، بنسف وتخريب عدد من المنشآت البريطانية والأمريكية، بهدف إفساد اتفاقية الجلاء، التى تم توقيعها بين الجانبين المصرى والبريطانى فى هذا الوقت.. ولكن أحد أفراد الخليتين ارتكب خطأً قاتلاً، أدى إلى اشتعال النيران فى جيبه، قبل تفجير هدفه، مما دفع أحد رجال الشرطة إلى إلقاء القبض عليه، واصطحابه إلى قسم شرطة محطة الرمل، حيث تم استجوابه، واعترف بالأمر كله، و.. وسقطت الخليتان.. وفى مساء الليلة نفسها، جرت حملة اعتقالات واسعة، فى (القاهرة) و(الإسكندرية)، لكل أفراد الخليتين والعناصر المشتبه فيها، ومن بين هؤلاء أيضاً كان (إيلى)..

وعلى الرغم من أن اعترافات أعضاء الخليتين شملت عدداً كبيراً من شباب اليهود، إلا أنها لم تتضمن اسم (إيلى كوهين)، مما أدى إلى الإفراج عنه وإخلاء سبيله، وإن لم يمنع هذا من فتح ملف خاص له، فى جهاز المخابرات العامة المصرية الذى كان يخطو خطواته الأولى، فى هذا العالم السرى الغامض..

وحمل الملف اسم (إيلى حوفى كوهين)، وكان هذا يحتم توقف (إيلى) عن النشاط .. ثم حدث العدوانى الثلاثى على (مصر).. وكإجراء وقائى، تم اعتقال كل أصحاب هذه الملفات، دون أدلة اتهام، حتى ديسمبر 1956م.. عندما تقرر إطلاق سراحهم، وطردهم خارج (مصر)، لدواعى الأمن..

وفى العشرين من ديسمبر 1956م غادر (إيلى) (مصر)، على باخرة تابعة للصليب الأحمر، نقلته إلى (إيطاليا)، مع عدد كبير من اليهود المصريين، حيث قضى عدة أسابيع فى (جنوة) .. وفى (بات يام)، جنوب (تل أبيب)، قضى (إيلى) أيامه الأولى فى (إسرائيل)، مع والدته وأسرته، وراح يدرس اللغة العبرية، ثم لم يلبث أن التحق فى أواخر العام نفسه بعمل فى وزارة الدفاع الإسرائيلية، يعتمد على ترجمة كل ما ينشر فى الصحف العربية إلى العبرية، وإعداد تقارير وتحليلات عنه، لصالح جهاز المخابرات العسكرية (أمان)..

ولم يلبث أن مل هذا العمل أيضاً، فتقدم بطلب للنقل إلى جهاز (الموساد)، إلا أن طلبه هذا قوبل بالرفض، مما دفعه إلى تقديم استقالته، والعمل فى شركة لتسويق المواد الغذائية، وأثناء هذا العمل التقى بـ(ناديا)، الممرضة بمستشفى (هداسا) بالقدس، وتزوجها بعد فترة تعارف قصيرة..

ولم يشعر (إيلى) بالارتياح فى عمله الجديد، ولكنه لم يشك منه هذه المرة، أو يحاول تركه...

صحيح أنه لم يسع للاستقالة، ولكن الأمر جاء بوسيلة مختلفة هذه المرة، إذ التقى بصديق قديم، كان يعمل معه فى (أمان)، ودار بينهما حديث حول استقالته، وبعدها انصرف زميله، بعد أن اتفقا على اللقاء مرة ثانية ..

وفى هذه المرة الثانية، دعاه صديقه للسير على الشاطئ، وهناك سأله فجأة إذا ماكان يرغب فى العمل فى الموساد ثم صارحه بأنه أحد ضباط (الموساد)، وطلب منه كتمان ما سيسمعه تماماً، حتى بالنسبة لأسرته وزوجته، ثم أبلغه موافقة (الموساد) على عمله فى صفوفهم ..

وفى ربيع وصيف 1960م، اجتاز (إيلى) برنامجه التدريبى، واستعد لتسلم عمله الجديد، ومهمته البالغة الأهمية، فى (سوريا)..

وعلى الرغم من أن المهمة كانت تستهدف (سوريا)، إلا أنها بدأت فى (بيونس أيرس)، عاصمة (الأرجنتين)، التى وصل إليها (إيلى) فى 21 مارس 1961م، قادماً من (زيورخ)، وحاملاً اسم (كامل أمين ثابت)، الذى يشير جواز سفره إلى جنسيته السورية..

وفور وصوله، نشط (إيلى) فى التعرف على مجتمع المغتربين فى (بيونس أيرس)، وراح يوطد صداقاتهم معهم، حاملاً قصة تم إعدادها بدقة، تقول: إنه سورى من أصل لبنانى، هاجر مع عائلته إلى (الإسكندرية)، ثم سافر عمه إلى (الأرجنتين) عام 1946م، ولحق هو به مع عائلته عام 1947م، ثم توفى والده هناك بسكتة قلبية، عام 1952م، وبعده بستة أشهر رحلت والدته، وبقى هو وحده هناك، يعمل بتجارة الأقمشة، ثم سافر إلى (أوروبا) عدة سنوات، وعاد الآن ثرياً..

ولم تمض عدة أسابيع، حتى أصبح (كامل أمين ثابت) رجلاً معروفاً، فى أوساط المهاجرين، الذين بلغ عددهم فى تلك الفترة نصف المليون مهاجر عربى، وتوطدت صلاته برئيس تحرير مجلة (العالم العربى) التى تصدر هناك (عبداللطيف الخشان)، الذى قدمه بسلامة نية إلى أصدقائه ومعارفه، من رجال السفارات العربية فى (الأرجنتين)، وبسرعة أصبح (إيلى) ضيفاً دائماً فى معظم حفلات السفارات..

والعجيب أن أحد ضباط المخابرات السورية قد شك فى الرجل، وأرسل إلى (المكتب الثانى) فى (سوريا)، يطلب التحرى عنه، ولكن الإسرائيليين كانوا قد اختاروا قصة حقيقية، لأسرة مهاجرة، تحمل اسم (ثابت)، مما جعل المخابرات السورية تؤيد قصة (إيلى)، دون أن تهتم بتمحيصها وبحثها جيداً، نظراً لأن الشكوك حوله لم تكن بالقدر الذى يكفى لهذا.. وبعد عدة أشهر، وبالتحديد فى أغسطس 1961م، أعلن (كامل أمين ثابت) عن رغبته فى العودة إلى الوطن (سوريا)، وتقدم بطلب للحصول على تأشيرة الدخول..

وفى (دمشق)، قضى (إيلى) شهراً كاملاً، دون أن يزاول نشاطه، حتى لا يثير الشبهات من حوله فى 28 سبتمبر 1961م، ثم بدأ فى تأسيس شركة للاستيراد والتصدير، تخصصت فى تصدير الأثاث العربى والمشغولات الخشبية إلى (أوروبا)، وراح يفيد شركته استفادة مزدوجة، إذ كانت الأحاديث التى يتبادلها مع الآخرين، بحكم العمل، تنقل إليه قدراً وافراً من المعلومات، عن أحوال السوق الاقتصادية، والتى كان يرسلها فور عودته إلى منزله، إلى (الموساد) مباشرة، عن طريق جهاز إرسال صغير جداً...

أما ما يلتقطه من صور ووثائق فكان يرسلها داخل تجاويف خاصة، فى قطع الأثاث والمشغولات اليدوية، التى يتم تصديرها إلى (أوروبا)، حيث يلتقطها واحد من ضباط (الموساد) فى (سويسرا)..

أما من الناحية الاجتماعية، فقد كان التطور أكثر سرعة، وأكثر خطورة..

لقد نجح (إيلى) فى عقد صداقات عديدة، مع العسكريين والإعلاميين السوريين، واستأجر منزلاً فى مواجهة مبنى القيادة العامة للقوات المسلحة السورية، حيث راح يراقب ما يحدث من تطورات هناك، مما ساعده على إرسال معلومات بالغة الأهمية والفائدة إلى الإسرائيليين، الذين اعتبروه عميلاً ممتازاً.. ثم وقع (كامل ثابت) على أهم صيد منذ بدء عمله..

لقد أقام صداقة مع ضابط شاب، هو فى الوقت ذاته ابن شقيق رئيس هيئة الأركان للقوات المسلحة، ونجح فى استدراجه للحصول على معلومات بالغة الخطورة، بحجة الاطمئنان على سلامة الوطن وأمنه...

بل واصطحبه الضابط إلى الخطوط الأمامية، حيث شاهد بنفسه تسليح وتحصينات الوحدات السورية، وتمادى فى المرة التالية، فحمل معه آلة تصوير، والتقط عدة صور للمستعمرات الإسرائيلية، الواقعة عند سفوح المرتفعات السورية، وأرسلها إلى (تل أبيب)، التى حددت منها مواقع المرتفعات السورية..

وكعضو فى حزب البعث، وطد (إيلى) علاقاته بقيادات الحزب، ووزير الإعلام (سامى الجندى)، وصار واحداً من الكوادر الحزبية التى يشار إليها بالبنان، وضيفاً شبه دائم، فى حفلات الاستقبال، التى تقيمها رئاسة الجمهورية السورية، وخاصة بعد اقتراحه بعمل زيارة حزبية إلى (الأرجنتين)، جمع خلالها تسعة آلاف دولار، كتبرعات لحزب البعث، من المهاجرين السوريين هناك، أضاف إليها ألف دولار من حسابه.

ولمع اسم (كامل أمين ثابت)، وساعده هذا على تكوين صدقات أكثر قوة وخطورة، ومنحه حرية حركة أكثر، خاصة بعد ترشيحه أو ترديد اسمه مرشح لمنصب نائب وزير الإعلام، أو نائب وزير الدفاع، حتى أنه استطاع التقاط عدة صور عن قرب، للمقاتلة الاعتراضية (ميج - 21)، التى كانت أقوى مقاتلة اعتراضية فى ذلك الحين.

ومع ارتفاع أسهمه، أصبح (إيلى) أحد أعضاء الوفد السورى المرافق للفريق الأول (على عامر)، القائد العام للقيادة العربية الموحدة، عندما زار الجمهورية العربية السورية، على رأس وفد عسكرى كبير، فى ديسمبر 1964م، لإجراء مباحثات مع القادة العسكريين هناك..

وكان (كامل أمين ثابت) هو تقريباً المدنى الوحيد،ـ الذى يرافق العسكريين رسمياً، فى تلك الجولة، باستثناء المصورين والصحفيين..

وكان هذا هو الخطأ، الذى بدأ مرحلة النهاية..

ففى أوائل يناير عام 1965م، كان أحد ضباط المخابرات المصرية يطالع بعض الصحف العربية، عندما لفتت انتباهه صورة اللواء (على عامر)، أثناء زيارته لسوريا، وحوله أعضاء الوفد السورى، المرافق له، وتركز بصره على شخص وسطهم بالتحديد وعقد حاجبيه فى شدة، وهو يعتصر ذهنه، فى محاولة لمعرفة متى رأى صاحب هذا الوجه بالتحديد..

عندما تذكّره أصابه الهلع، فاختطف الصحيفة، واندفع نحو مكتب (صلاح نصر)، مدير المخابرات العامة المصرية فى ذلك الحين، ووضع الصحيفة أمامه، ليخبره إن هذا الرجل، الذى يرافق الوفد العسكرى ليس سورياً.. إنه يهودى يدعى (إيلى حوفى كوهين)، ولقد انزعج صلاح نصر فى شدة، خاصة وأن ذلك الضابط كان زميلاً للجاسوس، فى مدرسة (الليسيه) الفرنسية، وحصلا معاً على البكالوريا عام 1946م.. وأن له ملف كامل فى المخابرات، منذ عملية التفجيرات، وهنا طلب (صلاح نصر) الملف، وطالعه ثم حمله على الفور، إلى الرئيس (جمال عبد الناصر)..

ظل الرئيس (جمال) يقرأ الملف لأكثر من خمس وأربعين دقيقة، ثم رفع سمَّاعة هاتفه، وطلب من سكرتاريته الاتصال بالرئيس السورى اللواء (أمين حافظ) على الفور، وما أن تم الاتصال حتى تبادل الرئيس (جمال) مع الرئيس السورى بعض عبارات المجاملة، ثم أخبره بأنه سيرسل إليه مبعوثاً خاصاً فى اليوم التالى، يحمل رسالة بالغة الأهمية والخطورة..

وكان هذا المبعوث هو (صلاح نصر) نفسه، الذى سافر فى الصباح التالى إلى (دمشق)، والتقى بالرئيس السورى، وقدم إليه الملف.. وكما حدث للرئيس (جمال عبد الناصر)، أصيب الرئيس السورى بدهشة عارمة، وهو يتصفح الملف، ثم لم يلبث أن طلب حضور رئيس المخابرات السورية (المكتب الثانى)، الذى وصل بعد قليل، وطالع الملف بدوره، وأصابه الذهول نفسه..

ففى تلك الفترة، كان موظفو اللاسلكى فى السفارة الهندية يشكون من حدوث شوشرة على بعض رسائلهم، المرسلة إلى (نيودلهى)، وكان رجال الأمن السوريون يشكون فى وجود جاسوس يرسل إشارات لاسلكية فى المنطقة، ولكنهم يعجزون عن تحديد موقعه، نظراً لاتساع دائرة البحث، وصعوبة تتبع الإشارات اللاسلكية فى ذلك الحين..

ومع المعلومات التى أحضرها (صلاح نصر)، أصبح الأمر واضحاً، ومحسوماً..

وبعد ساعات من هذا اللقاء، كان (إيلى) يستعد لإرسال واحدة من رسائله اللاسلكية إلى (تل أبيب)، فى ليلة من ليالى يناير الباردة، عندما فوجئ بعدد من الرجال يقتحمون منزله، ويصوبون إليه مسدساتهم، ويأمرونه بعدم الحركة، وعندما ثار عليهم، دلف أمامه المقدم (أحمد سويدانى)، رئيس قسم مكافحة التجسس بالمخابرات السورية، وهو يخاطبه باسمه الحقيقى ..

وعندئذ أدرك (إيلى كوهين) أنه قد سقط.. وجن جنون الإسرائيليين، عندما علموا بسقوط (إيلى)، وحاولوا المستحيل لإنقاذه، وعرضوا مبادلته بدستة من المتهمين بالتجسس لصالح (سوريا)، ودفع مليون دولار لإطلاق سراحه، ولكن (سوريا) رفضت هذا بإصرار.

وفى الثامن عشر من مايو، 1965م، اقتيد (إيلى حوفى كوهين) إلى حبل المشنقة، الذى أحاط بعنقه...

ثم دفع الجلاد ذراعاً معدنية، وسقط جسده فى الفراغ، معلنا سقوط جاسوس، وخسارة المخابرات الإسرائيلية للجولة ...