في حروب الجيل الأول؛ سافرنا عبر الزمن لسنة 480 قبل الميلاد، ووقفنا نتفرج علي غابة الحراب الإسبرطية الرهيبة، أو تشكيل "الفلنكس The Phalanx formation" و الدروع اللي حوافها مسنودة علي بعض زي قشور السمك، أو حراشف الثعبان، بالشكل اللي يخلي اختراقها شبه مستحيل..
و بعدين قفزنا عبر الزمن لقفزة هائلة؛ و اتفرجنا علي فرقة استطلاع "دانيال ثيرون Daniel Theron" و هي بتتلصص علي كامبات الإنجليز عبر الأدغال.. و عرفنا إيه قوام حرب الجيل الثاني...
الكلام عن الجيلين دول من الحروب في أول و ثاني مرجع للي يحب يرجع لهم...
النهاردة نقفز قفزة واسعة عبر الزمان و المكان، عشان نتعرف علي حرب الجيل الثالث.. جيل الحروب اللي التكنولوجيا فيه قفزت قفزة رهيبة مخيفة.. فبقي في آليات قوية لها دروع من الفولاذ، بتحميها و هي بتناور و تطلق النار.. أصبح في صواريخ "محمولة" مضادة للآليات دي..
القوة التدميرية زادت بعنف.. و مداها و دقتها زادوا.. بقي في حرية في الحركة و المناورة.. واتطور سلاح الطيران جدا و بقي بيقصف في العمق، و تطويره استدعى إنه تتطور الدفاعات الجوية، فظهر مع الوقت الصواريخ الحرارية؛ اللي بتطارد حرارة محرك الطائرة.. و تنطلق وراها مهما ناورت...
حرب الجيل الثالث اصبح المواجهة الفردية فيها كجندي لجندي او رجل لرجل قليلة جدا.. و مع ذلك الخسائر البشرية زادت بسبب زيادة القوة التدميرية...
في كل أجيال الحروب بيكون النصر لمن يمتلك المعلومات، و تفضل روحه المعنوية عالية.. بس في الجيل الثالث؛ أصبح في عنصر آخر.. ممكن يفرق في النصر..
ففي 6 أغسطس سنة 1945، ألقت الولايات المتحدة أول قنبلة ذرية؛ علي مدينة "هيروشيما Hiroshima" اليابانية.. بدون ما تنخرط في الحرب بشكل مؤثر و لا تدفع بقوات و لا جنود و لا غواصات و لا غيره.. بقنبلة واحدة.. انتهت الحرب فعليا.. و اعلنت ميلاد العنصر الجديد اللي بيفرق في الجيل دا من الجروب.. التكنولوجيا..
رمي القنبلة دي و القنبلة التي تليها في 9 أغسطس من نفس السنة علي نجازاكي، كان حركة من أضخم حركات الحرب النفسية في العالم؛ لأنه رسخ لفكرة "أنا السيد الجديد.. اقدر أبيد مدن كاملة بقنبلة واحدة".. و "علي فكرة عندي منها كتير.. مش واحدة بس"...
يعني في حرب الجيل الثالث، بقي ممكن دولة غشيمة عديمة الخبرة، تنتصر لمجرد إنها تمتلك تقنية عالية للغاية موصلهاش عدوها...
الآلة الإعلامية دورها إزداد بقوة و ظهر بوضوح في الحروب دي.. من أمثلة الحروب دي الحرب العالمية الثانية و العدوان الثلاثي و حرب الاستنزاف و حرب أكتوبر و حرب فيتنام...
يبدو إنه فعلا الحاجة أم الإختراع.. لأن التقنية العالية جدا دي اتطور أسلوب للرد عليها من دول لا تملكها.. و أصبح العمل الاستخباراتي الناجح، و كفاءة الافراد و حسن تدريبهم و التكتيك الذكي، ممكن يتفوق عليها...
و الغريب إللي الإعلام مش بيقولهولنا.. إن أول دولة في العالم.. ابتدعت الموضوع دا عشان تتصدي لتقنية عالية ماتملكهاش.. بنجاح.. كانت مصر...
ففي الرابع من نوفمبر 1956، رصدت البحرية المصرية؛ درّة البحرية الفرنسية و فخر الأسطول الفرنسي؛ البارجة "جان بار Jean Bart" و هي بتقترب لدك مدن القنال.. جسم "جان بار" كان مزود بصفائح قوية تقاوم الطوربيدات و القذائف؛ بالإضافة إلي 8 مدافع ثقيلة عيار 380 ملم في برجين .. و مدافع رباعية في منصتين في المقدمة.. و 9 مدافع ثقيلة عيار 152 ملم في ثلاثة أبراج ثلاثية في منصة المؤخرة.. و 24 مدفع عيار 100 ملم مضاد للطائرات أيضا في إثنى عشر منصة أبراج مدافع مزدوجة (6 على على كل جانب).. و أنابيب طوربيد عيار 21 بوصة والعديد من الغام وقنابل الأعماق المضادة للغواصات.. و كان علي سطح "جان بار" حمولة 40 ألف طن من الذخيرة.. و الأسواء.. كان الطيران الملكي البريطاني بيحلق فوقها و يحميها جواً...
باختصار كانت "جان بار" تقنية لا تملك مصر تقنية مضادة لصدها.. و الأكثر سوءاً.. إن القائمقام "جلال الدين الدسوقي" قائد الأسطول المصري في بورسعيد، مكانش عنده غير 3 زوارق فحسب، مع تعليمات من الزعيم الراحل "جمال عبد الناصر"؛ بمنع تقدم "جان بار" مهما كان الثمن...
و بتكتيك ذكي، و هجوم خاطف مباغت.. بينجح أحد ضباط "جلال الدين الدسوقي" و هو الملازم السوري "جول جمال" في نسف "جان بار" بجسم زورقه.. و بيستشهد في العملية...
و لأول مرة بيظهر مبدأ جديد في حروب الجيل الثالث...
ممكن إنك برجال مدربين جيدا، و خطة مدروسة و تكتيك ذكي، تنتصر علي خصم يفوقك تكنولوجيا...
و بتلتقط المخابرات المصرية الدرس، و بتبدأ واحدة من أعقد حروب الجيل الثالث، اللي مخدتش حقها تاريخياً، و هي حرب الإستنزاف..
و لأول مرة ايضا، بتدمج الحرب النفسية و العمليات الفعلية في نطاق واحد.. فبيتم التأثير علي نفس العدو و اضعاف روحه المعنوية بعمليات خاطفة علي الأرض.. و بيتألق الرجال أمام التكنولوجيا العالية و بيهزموها بالتخطيط و حسن التدريب.. فبرز دور الإنزال المظلي عن طريق هليكوبتر منخفضة دون مستوى الرادار خلف خطوط العدو.. و برز في شدة دور الضفادع البشرية و حسن تدريبهم و قوة تحملهم مع خطة ذكية، في عمليات "إيلات" المتتالية...
أصبح الدور الإستخباراتي غير مسبوق.. و شفنا جاسوس زي "كامل أمين ثابت".. اللي نعرفه باسم "إيلى أمين شاؤول كوهين Eli Cohen" و هو بيقترب حثيثا من إنه يبقي رئيس سوريا.. قبلما تكشفه المخابرات المصرية و تحاصره المخابرات السورية وقتها بخطة ذكية للغاية.. لدرجة إنه ماتوقعش و لا توقعت إسرائيل إن أمره ينكشف، لحد ما فوجيء في ليلة من ليالي يناير الباردة، بعدد من الرجال يقتحمون منزله، ويصوبون إليه مسدساتهم، ويأمرونه بعدم الحركة، و بالرغم من كده، ثار عليهم، باعتباره شخصية سورية عامة.. و حاول يجري اتصالاته برجال الدولة السورية عبر الهاتف، لحد ما أيقن إنه سقط و اتكشف.. لما دخل إلي مكتبه المقدم (أحمد سويدانى)، رئيس قسم مكافحة التجسس بالمخابرات السورية، وهو يخاطبه باسمه الحقيقى ..
في ملحوظة مهمة مع تزايد دور الإستخبارات في الجيل الثالث.. هو إنه الجاسوس الخائن دا حاجة "عار" و أسوأ صفة ممكن تلصقها بحد إنه "خائن" بيحاول يدمر وطنه.. سواء بالبروباجندا الإعلامية أو الحرب النفسية أو التجسس.. الفارق دا حيذوب لاحقا.. و يتغير بشكل مذهل.. حانوصل له بعدين...
و لأن الحديث عن حروب الجيل الثالث يطول شوية، بما فيها من تكنولوجيا و دور مخابراتي و حرب نفسية، فنواصل الكلام عن حروب الجيل الثالث مرة تانية، و للحديث بقية...
----------
مراجع
----------
1 - https://goo.gl/hAAtYn
2 - https://goo.gl/T5N4NS
3 - Thomas, Gordon: Gideon's Spies: The Secret History of the Mossad.
4 - "Bart, or Baert, Jean". The American cyclopedia. p. 343.
5 - Guerin, Leon (1851). Histoire Maritime de France (in French). Paris: Dufour & Mulat. p. 479.
6 - Lind, William S. (January 15, 2004), "Understanding Fourth Generation War", antiwar.com, retrieved February 7, 2010.
7 - إغراق إيلات، تأليف عبدة مباشر، دار التحرير للطبع والنشر..
8 - مذكرات (ملحمة بطولة علي أرض سيناء) ، لواء بحرى محمود فهمي، 1990.