رحلة "داروين" على السفينة "بيجل" حصل فيها مغامرات كتير و قبطانها اللي قبل "فيزروي Robert FitzRoy" كان انتحر.. فاحنا بنحاول نختصرها هنا.. بس اللي يحب يعرف تفاصيل القصص دي و يقرا المزيد عنها، يلاقيها في كتاب داروين "رحلة السفينة بيجل The voyage of HMS Beagle".. في أول مرجع...
"داروين" في جزر الجلاباجوس لقى كنز من الحيوانات و أشكال الحياة.. "جزر الجلاباجوس Galapagos Islands" عليها حيوانات مش موجودة في أي مكان آخر من العالم.. و ممكن تلاقي فيها سلف الحيوان.. و الحيوان و ابن عمه مع بعض.. يعني تلاقي الجد.. و الأحفاد اللي تطوروا بصفة جديدة.. و وولاد عمهم اللي اتطوروا بصفة مختلفة جديدة...
كان من أول الحيوانات الي شدت انتباهه.. سحلية الإيجوانا.. و دي سحلية شكلها مخيف و بتوصل أحيانا لاتنين متر.. بس مسالمة خجول.. بتعيش على الفواكه و الخضروات.. و مبتهاجمش البشر و لا الحيوانات الأخري...
السحلية دي في العالم كله بريّة.. و بتفضل بسبب نظامها الغذائي إنها تعيش في الغابات و الأحراش و الأماكن الخضرا.. و داروين لقاها في جزر الجلاباجوس.. و مفيهاش أي اختلاف عن الإيجوانا إللي في أمريكا...
بس "داورين"، على بعد عدة أمتار بس من السحلية دي.. لما قرّب من مياه البحر.. لقى لها أخت.. شبهها بالضبط.. بس "بحرية"...
بشكل ما بقت بتمتلك القدرة على حبس أنفاسها لفترات أطول.. و بقت تغوص في أعماق البحر تاكل الأعشاب البحرية و الطحالب.. مخالبها استطالت عشان تقدر تمسك في الصخور الزلقة و ماتتزحلقش.. و فكها صغر شوية و بقي أنسب عشان تعرف تسلخ الطحالب عن الصخور..
لونها كمان أتغير شوية.. و بقى أقرب للصخور و الطحالب عشان تعرف تستخبى من الأعداء.. بينما لون أختها على البر.. فضل مزيج من الأصفر و الأخضر.. عشان تعرف تختفي وسط الغابات و الحشائش...
نقطة الخلاف الوحيدة بين العاقلين من الفريقين.. بين أنصار التطور الغير مؤمنين بوجود خالق.. و أنصار التطور المؤمنين بالخالق.. هو إن "دا حصل بالصدفة و فرضته الطبيعة و للا بتدخل رباني غير شفرة المخلوقات دي و ساعدها تتغير و تستمر".. و دا حنوصل له بعدين و نعرض آراء الإتنين وسط السياق..
طيب بما إن الجلاباجوس جزر خضراء و صخرية و رملية.. و فيها زرع وبحر و أرض.. فدا يعني إن النوعين من الإيجوانا.. البرية و البحرية.. كانوا صالحين للبقاء..
البحرية طفرت و اكتسبت صفات جديدة.. بينما البرية فضلت زي ما هي و برضه تكاثرت.. لأن الأصلح زي ما قلنا قبل كده هو "الأقدر على التكاثر".. و الاتنين كانوا أصلح.. اللي طفرت و فضلت إنها تاكل من حشائش البحر.. و البرية..
و السحليتين ليهم "جد" واحد.. هو "الإيجوانا العملاقة" اللي حفظ لنا السجل الحفري بقاياها و هيكلها..
تخيل لو خرجنا للدنيا مالقيناش الإيجوانا البرية.. و مالقيناش جدها في السجل الحفري.. كان صعب جدا تقنع ناس كتير النهاردة إن اليجوانا البحرية الموجودة دي لها أخت.. و إنها انقرضت..
من الأمثلة التانية اللي لاحظها "داروين" و سجلها، كانت عصافير جزر الجلاباجوس.. اللي الدكتور "بيرسي لوي Percy Lowe" سماها سنة 1936 "عصافير داروين Darwin's finches".. و فضل الاسم الجديد لازق فيها لحد النهاردة...
عصافير داروين دي مجموعة عصافير.. حوالي 15 نوع.. كلهم واحد.. زي بعض بالضبط.. حتى أحجامهم متقاربة جدا.. بس فيهم اختلاف جوهري حصل عبر الوقت.. وورثته الأجيال اللي جت من نسلها..
الإختلاف دا كان في "المنقار".. و ملحوظ بالعين المجردة.. فتلاقي العصفور اللي فضل يتغذى على الفواكه.. منقاره اتحول لما يشبه الببغاء.. و اللي بيتغذى على قمم نباتات الصبار.. منقاره بقى أطول.. عشان يساعده على انه يبعد قدر الإمكان عن أشواك الصبار.. و اللي بيتغذي على جذع الصبار منقاره بقى أقصر و أقوى.. لأن جذع الصبار أكثر سمكاً.. نقار الخشب بقي منقاره مدبب و قوي.. و آكل الحشرات بقى منقاره قصير ميخليش الحشرات تفلت منه.. و اللي بياكل أوراق الشجر بقى منقاره قصير و حوافه قاطعة زي شفرة الحلاقة..
أعداء التطور لما اتعرضت عليهم "عصافير داروين".. قالوا دا مش "تطور Evolution".. دا "تكيّف Adaptation".. زي ما انت تسافر لدولة خليجية.. و تبقي حران و مش مستحمل الجو.. و عبر الوقت تتكيف و يبقى الحر بالنسبة لك عادي..
بس لو الحر زاد عن المعتاد بتحس بيه و تضايق.. و بعدين تتكيف..
و لو زاد تاني بتحس بيه...
يعني قدرتك على التكيف نفسها بتتطور..
يعني "التكيف" جزء من التطور.. مش عكسه و لا بينفيه..
خلينا نكتفي بالمثالين دول من رحلة "البيجل".. و نرجع مع داروين.. اللي بدأ يكتب كتابه و سماه:
"حول أصل الأنواع عن طريق الانتقاء الطبيعي - أو بقاء الأعراق المفضلة في أثناء الكفاح من أجل الحياة On the Origin of Species by Means of Natural Selection, or the Preservation of Favoured Races in the Struggle for Life"
اللي احنا بنسميه "حول أصل الأنواع On the Origin of Species"..
"داروين" قعد يكتب في الكتاب دا و ينقح في النظرية حوالي عشرين سنة.. من 1838 لحد ما نشره في 1858.. علي مضض.. و هو حاسس إن النظرية لسه ماكتملتش.. و مش مستعد ينشرها...
طبعا عشان احنا بنتكلم عن قرنين فاتوا.. القرن التاسع عشر.. و الناس كانت في معظمها جاهلة مابتقراش و لا تفكر.. الكتاب وقع في إيد المؤمنين و الملحدين.. اللي شافوه وسيلة يكيدوا بيها بعض.. ووقع في إيد القلة الموجودة من العلماء...
حصل اللي قلناه في الأول.. و الصحافة لبست "داروين" إنه قال "الإنسان أصله قرد" و "بينكر وجود الإله".. مع إن "داروين" ماتعرضش للمواضيع دي أصلا...
و بدأت المأساة...
في علماء للأسف وقعوا في الفخ.. و خدوا كلام العامة.. لأن الأهواء الشخصية و التعصبات المسبقة سيطرت عليهم.. لدرجة إنه حصلت مناظرة اسمها "مناظرة 1860 بجامعة أسكفورد حول التطور 1860 Oxford evolution debate".. و فيها وقف رجل الدين الكبير القس "صموئيل ويلبيرفورس Samuel Wilberforce" يخاطب عالم البيولوجي العظيم "توماس هكسلي Thomas Henry Huxley".. و يقول له:
- "يعني أنت تقبل أن جدك يبقي قرد؟"
و العالم البيولوجي يرد عليه:
- "أيوه اقبل إنه يبقي قرد.. أحسن ما يبقي جدي راجل كذاب بيستغل الدين عشان ينصب على الناس!"
رجل دين وقور و عالم كبير بيردحوا لبعض عشان واحد ينفي وواحد يدافع عن شيء ماحصلش أصلا و ماتقالش..
مناظرة حول شيء مش موجود على الإطلاق...
و الأظرف أن اللي بيتهاجم و يتدافع عنه.. صاحب النظرية.. مش حاضر المناظرة أساساً و محدش دعاه يتكلم...!
كل اللي قاله "تشارلز داروين" كان ببساطة.. إن سلسلة الأحياء على الأرض كلها تقرب لبعض في التكوين البيولوجي.. و دا حقيقي فعلا و شفناه قبل كده في كف الإنسان.. و كف الدولفين الي بقى زعنف.. و العصفور اللي الكف عنده بقى جناح.. و كف الأسد و النمر و الذئب و الكلب.. خمس صوابع و نفس الجهاز الهضمي و نفس الجهاز التناسلي و الدورة الدموية و غيرهم...
و إن الأنواع دي ليهم "مجموعة أجداد".. و الأجداد دي ليها علاقة ما ببعض.. بعضهم له جد مشترك مباشر.. زي الدب الاسمر و الدب القطبي.. و زي الإيجوانا البحرية و البرية.. و زي عصافير داروين.. و جدهم شفناه و قابلناه في السجل الحفري..
و ساعات بيبقي الجد لسه موجود و عايش.. زي أقرب جد للتماسيح.. و هو تمساح النيل.. اللي موجود و عايش وسط أحفاده من تماسيح البحر و تماسيح الكايمان القزمة و تمساح كوبا و خلافه..
و بعضهم في بينهم صلة قرابة بس غير مباشرة.. يعني قرايب.. بس من بعيد.. زي القط و الكلب..
و في النهاية.. كل الأجداد دول ليهم جد مشترك..
شكله إيه الجد المشترك ده؟؟
هل كان كائن وحيد الخلية.. زي الخلايا المنوية.. انطلق بالملايين في رحلة الحياة و التقي بخلايا أخرى و بدأ يتكاثر في كذا اتجاه لعديد الخلية.. يبقي جد للبشر.. و عديد الخلية يبقي جد للقرد.. و زيه للكلب و زيه للضبع.. و هكذا؟
و للا ايه اللي حصل؟ كان ايه شكل الجد دا...
هنا تكمن مفاجأة.. و مش كتير برضه للأسف يعرفوها..
داروين ماوصفش الجد دا و لا اتكلم عنه بالتفصيل أبدا.. و تحاشى النقطة دي بالكامل في كتابه و دراساته...
أحنا و الأحياء اتطورنا؟ أيوه.. و في علاقة بين أجدادنا و بعضها؟ أيوه.. شكلها إيه الأجداد دي و الجد المشترك دا كان شكله إيه و عامل إزاي؟ ما قالش داروين أي شيء..
و بدأ الصراع حول "الجد" دا..
خرج وقتها الجماعة اللي مش مؤمنين بإله و مؤمنين بالتطور فقط و اسمهم "التطوريون Evolutionists" و قالك: "لأ.. الإنسان ماهو إلا شوية عناصر و أملاح و معادن.. اتجمعت بالصدفة و عملت خلية أولية.. انقسمت مع الوقت و تكاثرت.. و عملت الإنسان الأول.. اللي فضل يتطور مع الوقت.. فيفقد معظم الشعر عن جسمه.. و فقد التحكم في عضلات الأذنين.. ووصل للانسان المتحضر الحالي..."
وخرج الجماعة المؤمنين "بقى اسمهم لاحقاً: الخلقيون أو أصحاب نظرية الخلق Creationists" يقولك "لأ.. الإنسان اتخلق من طين فجأة.. على نفس شكله و هيئته دي...
و ظهرت جماعة تالتة.. حاولت توفق بين النظريتين.. و ناظروا الجماعة اصحاب التطور الصرف.. و قالولهم.. "الإنسان اتعمل من مجموعة من العناصر.. مواد و أحماض و املاح و معادن.. اندمجت في ظروف معينة..و عملت خلية حية بدأت تنقسم و اتسوت و كونت شكل بشري"
قالوا: أيوه حصل عبر ملايين السنين..
قالولهم "طيب هو ايه تعريف الطين؟ مش هو مجموعة عناصر و أملاح و معادن برضه؟ يعني النظريتين مش متناقضتين.. في قوة معينة جمع العناصر دي و خلقت خلية و خلاها انقسمت لعدة خلايا.. و سواها و بقت جدنا الكبير آدم"
الجماعة دول اسمهم "أنصار تطور الخلق Creative evolution".. و دول بيجمعوا بين البيولوجي و الفلسفة مع بعض..
الصراع كله بقى حول "دا حصل بالصدفة"؟ و للا "حصل عن طريق قوة عاقلة بتتحكم في الكون"..
الجماعة دي خرج منها لاحقاً واحد اسمه "هنري بيرجسون Henri-Louis Bergson".. صقل النظرية دي.. و صاغها بشكل علمي فلسفي.. و قال لنا "لازم يكون في قوة في الكون.. دفعت عجلة التطور و اتحكمت فيه"..
و سمى القوة دي "قوة الخلق أو دافعة الحياة".. و قال زي ما قال إخناتون في مصر القديمة "إن القوة دي.. هي اللي بتتحكم في قرص الشمس.. و بترسل دفقات قدراتها عبره"..
الكلام دا قابله التطوريين باستخفاف.. و قالوا إنه كلام فلسفي ساذج..
بس نظرية "بيرجسون" الفلسفية دي خدت نوبل في 1927...
ولكن التطوريين اصروا على وجهة نظرهم.. إن كل دا حصل بالصدفة.. ودخلوا بينا في فرضية القرد و الآلة و الكاتبة...
و فرضية "القرد و الآلة الكاتبة Infinite monkey theorem".. بتقول باختصار إنك لو أديت قرد آلة كاتبة.. لوقت غير محدود.. و سبته يخبط عليها أي كلام.. حتلاقيه كتبلك أعمال شكسبير كلها عبر قانون الصدفة بس.. و دي الفرضية اللي طرحها "هكسلي" في مناظرة أكسفورد...
يعني الخلية ممكن تكون بالصدفة...
طبعاً الكلام دا مفاتش كده محبّة.. و علماء الرياضيات بالذات مابيفوتوش أي حاجة.. و لا بتفوت عليهم حاجة..
فجه علماء الرياضيات في العصر الحديث التقطوا الفرضية دي.. و جابوا بالفعل مجموعة قرود.. حوالي 6.. و حبسوها شهر.. مع أجهزة كمبيوتر.. بعدما علموها انها تطرق علي لوحة المفاتيح و تحاول تكتب كلمات..
بعد الشهر.. اتضح إن القرود كتبت 53 صفحة.. بس مفيش و لا صفحة فيها حرف واحد مفهوم.. فعلماء الرياضيات قاموا بحسبة معقدة للغاية - أنا مش فاهمها كويس الحقيقة - و ضربوا الشهر في عدد القردة في الصفحات في مليارات السنين و قسموهم و شقلبوهم..
و خلصوا من حساباتهم إن عشان دا يحصل بالصدفة.. فاحتماليته إنه يحصل مرة واحدة بس هي 1 علي 10 "دوسنتليون Ducentillion" و الدوسنتليون دا رقم 1 و جنبه 603 أصفار..
باختصار و بحسبة تانية.. دا يفوق عمر الأرض كلها ..
فعلماء الرياضيات قالوا للإخوة التطوريين و الإخوة بتوع الخلق.. إن موضوع القرد و الآلة الكاتبة و الصدفة دا في الكنافة.. قولوا اللي انتوا عايزينه و اطحنوا بعض زي ما تحبوا بس بعيد عن الرياضيات من فضلكم..
و لأن محدش من الأطراف معظم الوقت بيفكر بشكل علمي.. و عمال يكيد في بعضه في سبيل الدين أو الإلحاد و بس.. رجعوا في كلامهم و قالوا لأ ماقلناش كده.. و"هكسلي" مطرحش الفرضية دي.. و الآلة الكاتبة مكانتش لسه أخترعت أصلا سنة 1860 لما اتعملت المناظرة..
بس الآلة الكاتبة اخترعها الإيطالي "رامبزيتو Francesco Rampazzetto" سنة 1575.. و طورها الإنجليزي "هنري ميل" في 1714....
دا بقى كان "المناخ العلمي" لمناقشة التطور من القرن الـ19 و اللي مستمر لحد النهاردة للأسف.. جو من السباب و الكيد و الخطأ و عدم الإعتذار عنه و الإصرار عليه.. عشان فرق بتحاول تثبت أو تنفي الغيب.. بنظرية علمية.. ووسطهم علماء حقيقيين صوتهم مش مسموع بتقول لهم "و الله العظيم داروين ما قالش كده أصلا"...
الجماعة التطوريين قالوا: لأ حتي و لو.. دا "داروين" نفسه فقد إيمانه و ألحد بعد ما أكتشف و حط أسس نظريته.. اللي مفيهاش و لا في كتابه "حول أصل الأنواع" حرف واحد خطأ.. و دا دليل على صحة كلامنا..
بس "داروين" كان محضر للجميع مفاجأة مذهلة أثبتلهم بيها إنهم شغالين شغل أطفال بيكيدوا بعض.. و إن محدش دقق كتابه صح.. نتكلم عنها لاحقاً إن شاء الله و يبقى للحديث ختام...
-----------
مراجع:
-----------
1 - http://www.gasl.org/refbib/Darwin__Beagle.pdf
2 - Lack, David. 1947. Darwin's Finches. Cambridge University Press (reissued in 1961 by Harper, New York..
3 - B. Rosemary Grant and Peter R. Grant 1989. Evolutionary dynamics of a natural population: the large cactus finch of the Galápagos. ..
4 - Grant, Peter R. 1999. Ecology and evolution of Darwin's finches. Princeton NJ.
5 - "Huxley, Wilberforce and the Oxford Museum" - American Scientist...
6 - Jensen, J. Vernon (1991). ""Debate" with Bishop Wilberforce, 1860" - https://goo.gl/bHq088
7 - المنشورات السابقة:
I - https://goo.gl/oUPAOO
II - https://goo.gl/WHw9rZ
III - https://goo.gl/P2O1jj