النهاردة نبدأ في نظرية "داروين" للتطور البيولوجي.. اللي اسمها "الداروينية Darwinism".. اللي عاملة قلق بين مؤيديها و معارضيها عبر العصور.. و مش عارف ليه حاسس إن كل اللي بيتكلم فيها ماقراش حرف واحد عنها.

هو الصراع منطقي الحقيقة بين الطرفين.. واحد رافض تماما إنه يكون كتلة طين اتحولت لبشري، و التاني رافض تماما فكرة إن جدّه كان سحلية.. أنا متفهم الموضوع...

مرة شفت بوست لواحد "جاب التايهة" كاتب: "لو البشر اتطوروا من القرود ليه ماشفناش قرد اتحول لبشر؟"

و رد عليه واحد أكثر ذكاء و جاب التايهة أكتر: "وليه ماشفناش طين بيتحول لبني آدم"...!

طبعا الموضوع كده اتحول لضرب من ضروب الهبل.. الموضوع في حقيقته أبسط من كده بكتير..

من الحاجات المضحكة إن الإنجليزي "داروين" عمره ما قال: "الإنسان كان أصله قرد" و لا "الإنسان تطور عن القرود"..

كانت شائعة من أعداء داروين.. و الأغرب إنها بعد كده.. اتحولت لشائعة في يد مؤيديه اللي مش فاهمين.. أنصار الداروينية اللي حاولوا ينسبوا الكلام دا لداروين بالعافية كسبيل للطعن في الأديان (مع إن الموضوع مالوش علاقة بالأديان).. و استندوا لحقيقة علمية..

إننا كبشر.. بنشترك في 96% الجينوم البشري أو الحمض النووي مع القرود...

بس احنا كبشر بنشارك 90% من الحمض النووي مع القطط...

بنشارك 85% مع الفئران.. اللي بيتجرب عليها الأدوية في المعمل قبل ما حضرتك تتعاطاها...

و بنشارك 71% من الجينوم بتاعنا مع ذبابة الفاكهة.. و 60% مع الفراخ.. و 80% مع البقر.. و 60% مع الموز.. و 57% مع الكرنب..

دا أكيد لا يعني إن الإنسان كان اصله "كرنب".. و الموضوع مش بالسطحية دي.. هو بسيط.. بس مش مسطح كده..

بالعكس.. "تشارلز داروين" اتكلم بكل وضوح و صراحة عن نقطة بتحيره في شدة.. و هي "حلقة مفقودة Missing Link" بين القرود و البشر.. و الحلقة دي حيرته و هو بيعمل أبحاثه.. و استقر على أن "الحفرية الإنتقالية Transitional fossil" دي مش موجودة...

دا أكتر من كده.. العلماء قالولنا إن "السجل الحفري Fossil record" لسه مش مكتمل.. بالتالي مانقدرش نقطع بقرابة جنس لجنس إلا في حالات ضيقة..

و عامة عدم اكتمال السجل الحفري، مايعيبش الداروينية في شيء و لا يصمها بالفشل..

و الحقيقة إن نظرية أو فكرة "الإنسان بدأ بكتيريا اتطورت لحيوان متعدد الخلايا اتحول لحشرة ثم إلي زاحف ثم إلي كائن ثديي زي الكلاب أو القطط ثم إلي قرد ثم إلي إنسان".. هي نظرية عتيقة.. جت الداروينية و ضحدتها و ردت عليها و اثبتت فشلها التام..!

الحقيقة إن "داروين".. لما وصل 22 سنه بس.. كان عالم بيولوجي محترم و معروف و له حيثية في الأوساط العلمية..

العلماء بعتواله دعوة مرة يتفرج على هيكل عظمي لحيوان برمائي منقرض.. له جسم زي فرس النهر.. و رأس شبيهة برأس القوارض.. و قالوله "دا جد فرس النهر بقي.. فرس نهر برأس قارض".. اتطور و بقى فرس النهر الحالي...

داروين قعد بحث و فحص الهيكل.. و بعدين رفض الهبل دا.. و قالهم الكائن الأول في حقيقته هو قارض بالفعل.. و مش جد فرس النهر، لأن التطور مش بيحصل بالطريقة دي و مفيش اي دليل على دا.. و سمى الحيوان الأول "توكسودون Toxodon".. و قال إنه على الأرجح.. جد حيوان قارض برمائي بجد.. و رجّح إنه "الكابيبارا Capybara"...

كلام داروين كان مثير للاهتمام.. و هو كان عالم مرموق زي ما قلنا، فالعلماء قروا ابحاثه و فهموا كلامه.. و بعدين اختاروه عشان يمثلهم في استكمال الأبحاث في الاتجاه دا.. عن طريق رحلة علمية حتقوم بيها الباخرة "بيجل HMS Beagle".. تحت قيادة الربان "روبرت فيزروي Robert FitzRoy".. يفحص ساحل أمريكا الجنوبية و يكمل أبحاثه و أطروحاته...

و الغريب إن والد داروين رفض الرحلة دي.. لأنه شافها تضييع وقت.. بس خال داروين.. أقنعه يسيبه يروح و يتعلم و يطور من نفسه أكتر و أكتر..

و راح داروين، و ركب السفينة "بيجل" سنة 1831.. كان مقدر للرحلة دي تستمر سنة و نصف.. بس طالت لمدة خمس سنين...

في الخمس سنين دول.. داروين جمع عينات و حفريات محدش يحلم بيها.. و شرّح جثث آلاف الحيوانات.. من الحشرات والطيور للزواحف للثدييات.. و زار الغابات الاسوائية في البرازيل.. و كتب بعيد عن البيولوجي يعلن استيائه من "العبودية" اللي شافها هناك...

و الحقيقة إن اللي عمله داروين و أعلنه بعد رحلته.. اثار حنق بعض رجال الدين.. فسلطوا عليه اتنين صحفيين كلجيـّـة، عملوا معاه لقاء.. و هو جاوب عليهم بصدر رحب.. عشان يفاجأ في اليوم التالي بمانشيت.. هو ما قالهوش و لا صرح بيه:

"داورين يعلن: الإنسان أصله قرد"..

و بالرغم من إن داروين حاول كتير يرد الكلام دا و ينكره مع غيره من العلماء زملاؤه دافعوا عنه كتير جدا.. بس طرافة المانشيت خلته انتشر بين العامة.. و بقى من الأخطاء اللي نفيها صعب جدا.. و بدأ الأغبياء من كل مكان يسخروا منه.. و اترسم على هيئة قرد في الكاريكاتير اللي في الصورة دا سنة 1871...

و الحقيقة إن رجال الدين اتصوروا ان "داروين" بنظريته بيدعوا للإلحاد.. و رد هو عليهم قائلا: "إن النظرية مابتشيرش بالضرورة لصحة الإلحاد أو الإيمان"...

دي نظرية علمية!

و الأصل إن اللي بدأ الحديث عنها كان جده العالم "إراسموس داروين Erasmus Darwin"، و دا كان رجل متدين.. تحترمه الكنيسة للغاية، و إن "جريجور مندل Gregor Mendel" ابو علم الوراثة و اللي التقط طرف الخيط من جده، كان أصلا واحد من الرهبان...!

فالموضوع مالوش علاقة بإيمان و لا إلحاد.. دا مش "غيب".. دا علم.. بيثبت.. و يتطور و يتعدل عليه كل يوم...

و مع ذلك فضلوا برضه زي ما هم..يسخروا منه.. و ماهتمش بكلامه إلا العلماء الحقيقيين...

طيب عمل ايه داروين في رحلته و رجع منها كتب ايه بالضبط؟ دا نكمله مع بعض لاحقاً و يكون لحديثنا بقية...

---------

مراجع:

--------

1 - https://goo.gl/qXkz0M

2 - https://goo.gl/LyDoIX

3 - Keynes 2001, pp. 41–42

4 - Browne 2002, pp. 103–104, 379

5 - Keynes 2000, pp. ix–xi

6 - Johnson, Phillip E. (31 August 1996). "What is Darwinism?". Access Research Network. Colorado Springs

7 - Heilbron, John L. (2003). The Oxford Companion to the History of Modern Science. OUP USA. p. 203.