لسه مع "داروين" و نظريته المفترى عليها، و مع ناس ظهرت فجأة.. بتقول إنها نظرية مالهاش أي لازمة و لا فائدة...
معرفة كيفية التطور و بيحصل ازاي و بيحصل و للا لأ.. تخليك قادر على تلافي العديد من الأمراض اللي بيورثها الأبوين للأطفال.. تخليك تعرف تتعامل مع سلالات جديدة من البكتريا، بتتطور فجأة.. و ممكن تسبب لك أوبئة و تبيد الحياة من على الأرض كما نعرفها..
مفتاح التصدي للمشاكل دي هي "نظرية التطور".. النشوء و الإرتقاء...
قبل "داروين" كان في نظرية؛ جت أصلا من الصين القديمة و الحضارة الإغريقية و "هيرا" و "ميدوسا" و "لاميا"، أيام السحر و الاعتقاد بأن في تنانين خارقة بتصارع نمور غير أرضية للسيطرة على الكون.. النظرية دي اسمها "نظرية الإستحالة أو نظرية التحويل Transmutation"...
و بموجب النظرية دي.. فالقطط عبر الوقت و عبر مئات الملايين من السنين.. ممكن تتطور تبقى نمور.. و السحلية بتتطور إلي تمساح.. و الفئران بتتطور إلي أرانب.. و الغوريللا بتتطور إلي إنسان...
طبقاً لنظرية التحول.. فالقطة محتاجة بس مليار سنة عشان تتحول لنمر.. دا مش كائن منفصل مستقل.. لأ هم واحد.. مش عندهم مخالب و أنياب و فراء و شنبات و شبه بعض بالضبط؟؟ يبقوا هم واحد.. و بكرة القطط تكبر و تتحول و تبقي أسود و نمور..
فلو حضرتك معتقد إن "داروين" قال إن القطط بتبقي أسود.. و الأسماك بتبقي زواحف.. و القرد بيبقي بني آدم (بس محتاجين كام مليار سنة).. اسمح لي اقولك.. إن الكلام دا "عكّ"...
كلامك دا هو بالضبط النظرية اللي رفضها "داروين" و عدّلها.. و مع ذلك.. نصف المقتنعين بالداروينية النهاردة.. مؤمنين فعليا بنظرية "التحول Transmutation".. و بالتالي بيضربوا الداروينية في مقتل.. و بيتكلموا عن حاجة تانية خالص...
نظرية التحوّل لقت طريقها للقرن الـ19 زي ما قلنا.. و إن كانت طبعا اتعدلت و اتنقحت كتير عما كانت عليه مما قبل الميلاد.. و اتفرعت منها عدة نظريات.. منها التخليق الذاتي و اللاماركية...
و التخليق الذاتي دي حتلاقي لها اثر لحد النهاردة.. في ثقافات كل الشعوب.. و حتسمع من شخص مثقف جملة مفادها إن "نشارة الخشب المبلولة بتعمل صراصير"...
مش بتبقى مأوى للصراصير.. لأ "بتعمل" صراصير.. قشر الموز "بيعمل حشرات وهاموش Midges "...
طبعا دي خزعبلات صرفة.. أنكرها العلم من زمان.. مفيش حاجة "بتعمل" حاجة لوحدها.. لازم النشارة أو قشر الموز، يحوي بعض من بيض الحشرات دي.. عشان تظهر فيه لاحقاً، و نشارة الخشب المعقمة المحبوسة في علبة في المعمل.. معملتش أي حاجة و لا حاتعمل اي حاجة و لو اتسابت مليار سنة...
أما نظرية "جان لامارك Jean-Baptiste Lamarck" اللي اسمها "اللاماركية Lamarckism" فهي كانت أكتر تطوراً شوية.. قال فيها "لامارك" إن الكائن، بيطور صفات معينة عن طريق الاستخدام.. و بيورث الصفات دي لذريته، و بالتالي بتاخدها الأجيال القادمة كصفة سائدة..
و كان مثال "لامارك" الشهير هو الزراف.. فقال لنا إن الزرافة دي كانت كائن عادي.. رقبته قصيرة و أشبه بالماعز.. و بعدين جه وقت مبقاش في حشائش، و الغذاء الوحيد كان على أفرع الاشجار، فحاول الكائن دا يمد عنقه جيل بعد جيل.. لحد ما طالت رقبته و بقى يقدر ياكل من على الأشجار...
النظرية دي قابلتها ثغرة هنا.. و مافسرتلناش ليه لما مكانش في حشائش الأرانب مانقرضتش أو طالت رقبتها.. و لا فسرت الكائن دا لامؤاخذة كان بياكل ايه خلال كام مليون سنة بيمد فيهم رقبته عشان ياكل من على أغصان الشجر و عاش ازاي الفترة دي؟
النظرية دي بتصب في مصب واحد "العضو اللي بتستخدمه بينمو و يكبر.. و العضو الي بتهمله بيضمر و يتلاشى"..
قالت لنا النظرية دي برضه إن الثعابين كان لها أطراف.. و بعدين عشان بتزحف كتير و مبتستخدمش اطرافها، الأطراف دي ضمرت.. و تلاشت.. و برضه مافسرتلناش ليه في زواحف كتير زي سحالي "السقنقور skink" اللي منها "حية الرمل sandfish "، اطرافها ماختفتش مع إنها مابتستعملهاش كتير و حياتها اقرب للثعابين...
العلم جاب نظرية لامارك و أجري آلاف التجارب، اثبتت جميعا فشلها.. و جه عالم اسمه "أوجوست ويزمان August Weismann".. جاب الفئران في المعمل و قطع ذيولها.. قطعها لست اجيال متتالية.. و مع ذلك الأجيال الجديدة فضلت تتولد بذيول..
خرجوا علماء و اعترضوا و قالوا لأ.. تجارب "ويزمان" في قطع الذيل مش مثال على "عدم الاستخدام disuse" للعضو.. لازم العضو يبقى موجود و الكائن يهمله بمزاجه...! طبعا الكلام دا مالقاش صدى و لا إجماع من العلماء..
مفيش حاجة كده.. و رافع الاثقال، ابنه مبيطلعش بدراعات و أكتاف قوية.. عشان أبوه استعمل الأعضاء دي في حياته.. و مبتور الساقين ممكن يخلف بطل عدو.. حتى لو الصفات بتاعت استخدام أو عدم استخدام العضو.. تواترت 100 جيل ورا بعض...
و حالة "كثرة الاصابع polydactyly" اللي في صورة الاشعة اللي مع البوست دي.. مبتظهرش لأن الشخص حاول يكون له اصابع زيادة.. و لا الأصبع دا بينمو و يتورث بالاستخدام و يتلاشى في الأجيال القادمة لو أهملته.. دا عيب خلقي...
و جيل من العلماء ممكن يبقى لهم حفيد عبيط.. عادي جدا...
يعني الموضوع مالوش علاقة بالضمور و الاستخدام...
بس نظرية لامارك ممكن يكون لها معنى لو بصينا لها في نطاق آخر..
في نطاق الجينوم و الحمض النووي..
في كائنات وحيدة الخلية فعلا بتنقل صفات جديدة لذريتها.. بدليل البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية.. و الفطريات المقاومة للحرارة..
بس دا بيبقي في نطاق الحمض النووي.. و من غير ما تتغير صفات الكائن الأصلية ككل.. يعني مش بيتحول من بكتريا إلي فايروس.. بيفضل بكتيريا.. بس بيبقي له خصائص جديدة..
و في دراسات على جينات مختلفة بتوجد لدى الأطفال المولودين من الأم اللي بتتعرض لضغط عصبي اثناء الحمل.. أو من الأب المدخن...
يعني نظرية لامارك العتيقة ممكن تطويرها و النظر لفكرتها باهتمام بس بشكل مختلف...
و دا نوع من التطور..
و قريب جدا من التطور اللي قصده داروين...
و العلم بيبحث دا النهاردة بالفعل...
لحد دلوقتي إحنا متفقين إن التطور بين السلالات الموجودة من كائن إلي آخر مش موجود.. صحيح إنك ممكن تلاقي "تعدد الأشكال Polymorphism" في الكائن الواحد.. فتلاقي الفهد الصحراوي و الجبلي و الأسود و المرقط .. و تخرج سلالة من سلالة.. و تتطور عبر ملايين السنين و تختلف في صفات كتير عن أجداداها.. بس في النهاية هم فهود.. لازالوا فهود..
حتلاقي النسناس و القرد الجبلي و الاورانجوتان و الغوريللا و الماندرين.. و في أنواع منهم أكثر تطورا من الأخرى.. و اختلفوا عن سلالات أجدادهم و اتطوروا و اتغيروا.. بس كلهم قرود.. نفس السلالة...
وداروين في رحلته على السفينة "بيجل" توصل للحقيقة دي، و أشار كذلك إلي أهمية الوراثة بس بشكل مختلف عن لامارك..
داروين شرّح عشرات الكائنات الحية، و فكر في الموضوع بشكل مختلف...
و ملاحظات داروين و هو بيشرح الحيوانات على سطح "بيجل" سجلت شيء غريب للغاية لفت اننتباهه.. نتكلم عنه في وقت لاحق، و يكون للحديث بقية...
----------
مراجع
----------
1 - البوست السابق: https://goo.gl/oUPAOO
2 - Secord, James A. 2000. Victorian sensation: the extraordinary publication, reception, and secret authorship of the Vestiges of the Natural History of Creation..
3 - Desmond & Moore 1994..
4 - Gould, Stephen Jay (1980). The Panda's Thumb: More Reflections in Natural History (1st ed.)..
5 - Ghiselin, Michael T. (September–October 1994). "The Imaginary Lamarck: A Look at Bogus..
6 - Weismann 1889, "The Supposed Transmission of Mutilations" (1888), p. 432 - ملف بي دي إف: https://goo.gl/NplXrJ
7 - Jablonka, Eva; Lamb, Marion J. (2008). "Soft inheritance: Challenging the modern synthesis" (PDF). Genetics and Molecular Biology. Ribeirão Preto, Brazil: Sociedade Brasileira de Genética. 31 (2): 389–395.