زي ما عرفنا إن "داروين" مقالش أبداً إن القرود اتطورت إلي بشر، ولا "الإنسان كان أصله قرد".. و إنه قصد بـ"البقاء الأصلح".. الأكثر قدرة علي التكاثر...

كان المفروض النهاردة نتكلم عن عصافير داروين.. و حيوانات جزر الجلاباجوس.. بس النهاردة حنقطع سياق كلامنا عن التطور و نبقى نكمل السلسلة لاحقاً، عشان نتكلم عن شيء آخر.. بس في نفس النطاق..

نظريات زي النسبية و التطور و الكوانطم.. هي اللي بتطور العالم الذي نعرفه.. بنعرف أكتر عن الزمن و علاقة الحركة بالزمان.. و علاقة الزمان بالمكان..

بنطور في الآليات و المعدات اللي بنستخدمها.. نظرية التطور تخلينا نعرف نحمي نفسنا من طفرات قاتلة.. تخلي الصراصير حجمها يتضاعف 200 مرة أو تبقى في حجم القطط المنزلية مثلا.. و بنعرف نكافح الآفات اللي بتقتل الزرع.. و بنفهم أكتر عن السرطانات و طفرات البكتيريا و نسخ الفيروسات...

كلمة "نظرية" في اللغة الدارجة معناها "فرضية غير مؤكدة".. و في العلم، معناها مختلف تماما.. بتعني "مجموعة من الأسباب و التجارب و الملاحظات إللي وصلت بينا لنتيجة معينة.. و طول الوقت قابلة للتطوير و التعديل إذا ظهرت مستجدات"...

نظريات زي التطور و النسبية بيدرسها المعمل و مركز الأبحاث في العالم كله طول الوقت و في فرق علماء مابتنامش بتحاول تنفذها و تطبقها و تستفيد منها في كل المجالات.. و فريق آخر بيدور حولها و يحاول يلاقي فيها ثغرات عشان يطورها أو يخرج بشيء أفضل..

دا في العالم كله...

أما في عالمنا العربي السعيد.. فالمسألة تحولت بشكل ما أنا مش فاهمه.. و بقدرة قادر.. إلي مسألة فقهية و شرعية...

فلما كتبت عن النسبية، راح البعض بحسن نية.. يحاول إثبات انتقال الملائكة بسرعة الضوء.. و إنتقال الشياطين عبر المكان بالسفر عبر الزمكان.. في ضوء نظرية آينشتاين..

طيب لو طلع عالم و قلب موازين الفيزيا و أثبت إن النسبية اخطأت (و دا وارد علي فكرة).. حاتعملوا ايه؟؟ حيبقي الكتب السماوية غلط؟

و لما اتكلمت عن الداروينية.. و جاتلي رسائل تكفير؛ أكتر من سكان قطر، على اعتبار إن السادة أصحاب الرسائل، حضروا خلق أبوهم آدم.. و شافوا عملية الخلق و هي بتتم و عرفوا هي تمت على مراحل و للا لأ..

و بالرغم من إن رب العالمين قال في كتابه العزيز "ما لكم لا ترجون لله وقارا وقد خلقكم أطواراً" (نوح 13، 14).. إلا أن هم شايفين إن الكلام دا مش صحيح.. و إن مفيش أطوار في عملية الخلق.. و إنها تمت مرة واحدة...

بعضهم قال لي: "الأطوار" هنا بتعني عملية تكوين الجنين في الرحم.. حسبما قال المفسرين.. و أي كلام بخلاف ذلك كفر..

و دي نتيجة مذهلة.. هو خلاص مش مستند للنص القرآني على الإطلاق..

هو مستند للي "قاله المفسرين في تفسيرهم للنص".. باعتبار إن هؤلاء المفسرين آلهة.. لا تخطيء.. و إن تفسيرهم البشري "نص مقدس" في ذاته.. و باعتبار إن التفسير جامد متخشب.. مفيهوش تنوع و لا اجتهاد.. و الأئمة الكبار ماختلفوش فيه.. و باعتبار إن الآية الكريمة "وما يعلم تأويله إلا الله" - اللي بتؤكد إن كل تفسيراتنا لحد القيامة مجرد اجتهادات.. قد تخطيء و قد تصيب - ماتهمهوش في شيء...

و الحقيقة إني لو جئت لك من قرن واحد من الزمن.. و قلت لك "أستطيع أن اسمع دعاء من يدعو في أقصى الأرض".. كنت اتهمتني بالكفر.. بينما النهاردة في وسائل اتصال تخليني أسمع اللي بيدعو من على سطح المريخ...

و حانروح بعيد ليه؟ من أقل من ستين سنة.. لو جيت و قلتلك إني قادر على "معرفة ما في الأرحام".. كنت اتهمتني بالكفر و الجنون...

كانت الناس رافضة تماما فكرة إن الطبيب يقدر يعرف نوع الجنين في رحم أمه.. و قالوا إن دا من الغيبيات اللي اختص الله بها نفسه "و يعلم ما في الأرحام".. و مع الوقت أصبح الأمر حقيقة علمية واقعة.. لا تقبل الجدل.. و بكشف رخيص.. في اي عيادة أمراض نساء صغيرة.. يقدر الطبيب يستعمل جهاز السونار و يقولك نوع الجنين في أي رحم..

هنا اتطور التفسير.. و بدأ المفسرين يقولوا "لأ.. يبقى المقصود بالآية الكريمة هو مصير و مستقبل حياة من في الأرحام و ليس النوع فقط"..

اتطور التفسير وواكب العصر.. يا تواكب العصر.. يا تقف في مكانك و تروح تعيش مع قبائل البوشمن.. مالهاش تالت.. في ناس على فكرة.. لسه شايفين إن الأرض مسطحة و مابتلفش و لا كروية و لانيلة.. عشان تفسير "إبن باز"...

دي ناس عايشة برا الزمن...

و الحقيقة ممكن أتخيل المنظر و أنا شايف النهاردة في 2017.. دولة بتسلح نفسها عن طريق إنها تشتري خيول و سروج.. لأن الله سبحانه و تعالى قال "ومن رباط الخيل".. و لم يذكر الدبابات و لا سلاح الجو.. و كان سبحانه قادراً على ذلك...

لكن مرة أخرى التفسير اتطور.. و "رباط الخيل" بقى تفسيرها هو أي آلة حربية تستعمل في الحروب للنقل و الركوب و الانتقال السريع.. مثلما كانت تستعمل الخيول في العصور البائدة...

أما الرسائل الأخرى.. فدي كانت رافضة التطور بالكلية لأنها "نظرية من واحد غير مسلم.. يعني كافر".. باعتبار إن "داروين" كافر.. بالتالي يجب رفض نظريته من بابها.. و عدم مناقشتها أو تعلمها أو الاستفادة منها إطلاقا...

و الغريب إن صاحب الرسالة اتطعم و هو صغير ضد شلل الأطفال بتطعيم عمله "جوناس سالك" اليهودي.. و اتطعم ضد الجدري بتطعيم عمله "إدوارد جنر" المسيحي.. و بيستعمل المضادت الحيوية اللي اكتشفها ألكسندر فليمنج الكاثوليكي.. و بياكل الخضار صيف شتاء بسبب تجارب الراهب "جريجور مندل".. و قاعد على جهاز كمبيوتر عملوه الملحدين في شركة إنتل.. على ضوء مصباح صنعه البوذيين في الصين.. و بعدين رافض نظرية التطور لأن صاحبها غير مسلم...!

قياس العلم على الدين و محاولة استخدام أحدهما لنفي أو اثبات الآخر هو فشل ما بعده فشل..

و المسيحيين مشافوش المسيح ﷺ بيحيي الموتى.. و لا اليهود شافوا موسى ﷺ بيشق البحر.. و مع ذلك آمنوا به..

و لا احنا كمسلمين حضرنا المعجزات دي.. و لا شفنا الملائكة بتحارب مع الرسول ﷺ .. و مع ذلك آمنا بكل دا.. آمنا بإن عيسى أحيا الموتى و شفا العميان و مرضى الجذام و موسى شق البحر.. و إن في إسراء و معراج...

آمنا بيه و هو "غيب".. عشان كده ربنا قال عن المؤمنين "الذين يؤمنون ((بالغيب)) ويقيمون الصلاة" (البقرة 3).. يعني آمنا بشيء غيبي ماشفناهوش و مش حنشوفه.. ومش محتاج إثبات و لا بندور له على إثبات...

أنا راجل مؤمن "بالغيب".. و إيماني قوي.. مابيهتزش.. شايف نفسك العكس.. و خايف العلم يهز إيمانك.. دي مشكلتك مش مشكلتي..

الإيمان غيب مطلق.. و العلم بيتطلب إثبات.. و الاتنين مش ضد بعض.. و لا واحد منهم موجود عشان ينفي الآخر..

و مزج العلم بالدين.. و محاولة استخدام أحدهما لإثبات أو نفي الآخر.. هو بالضبط اللي عملوه أعداء داروين في القرن الـ19... يعني حضراتكم عايشين بعقلية القرن الـ19.. يعني ماشاء الله فاضل لكم قرنين تلاتة و ترجعونا القرون الوسطي...

و تفكيركم العجيب بيقابله زيه من المعسكر الآخر.. فخرج ريتشارد دوكينز - و هو عالم كبير مرموق جدا - يقول لنا "طالما الكتاب المقدس ماذكرش التطور يبقى الإله مش موجود".. و دخل في حرب رهيبة مع الكنيسة.. لسه مستمرة لحد النهاردة...

و كلام "دوكينز" فيه مغالطة منطقية مذهلة.. مش مفروض تصدر من عالم بالوزن دا.. بس أهوائه و قناعاته الشخصية اتدخلت في مساره العلمي.. و فتح المجال لحمار من المعسكر المضاد إنه يجزم لنا يقيناً.. إن مفيش حاجة اسمها سفر عبر الزمكان "لأن ماشفناش دا" و مفيش تطور لأن "مفيش كائن اتحول لكائن تاني" و مفيش حياة حتى لو أولية بكتيرية في أي مكان في الكون لأنه "العلم مأثبتش دا"...

و دخل نفسه و دخلنا في مهاترات حمضانة مالهاش أول و لا آخر.. مع إن الموضوع مالوش أي علاقة بالكتاب المقدس و لا غيره من الكتب السماوية...

بالمناسبة عند المعسكر المضاد.. اللي هو متصور إنه بيفكر بأسلوب علمي.. أنت ممكن تتشكك في أي شيء.. و تنتقد أي شخص و أي نظرية.. لأن دا سبيل التقدم العلمي.. (و دي حقيقة فعلا).. لكن مش ممكن تنتقد "دوكينز"..

الموضوع شبيه بموقف حصل لي في الحقيقة لصديق "استاذ جامعة".. قرر فجأة يتوقف عن العلاج.. و يلجأ للطب البديل و دخل في دوامة من الخزعبلات و الدجل.. لأن "الطب فشل.. دول مش عارفين يعالجوا السرطان لحد دلوقتي"..

اللي بيعمله المعسكرين مغالطة منطقية شهيرة اسمها "مغالطة التوسل بالمجهول أو مغالطة عبء الإثبات argumentum ad ignorantiam"...

التطور و النسبية موضوعات علمية.. علم يعني آلة حاسبة وكمبيوتر و حفريات و طبقات أرض و مسطرة و برجل و ميكروسكوب و سبكتروسكوب و أطباق بتري و موقد بنزن و أنبوبة اختبار..

ايه علاقة دا بالضبط بالإيمان و الكفر و تفسيرات لنصوص مقدسة كتبها ناس من أكتر من 14 قرن؟

و الحقيقة إن تصرفات المعسكرين.. هي اللي نفرت غير المؤمنين من الدين.. و نفرت بعض المتدينين من العلم.....

لأن مش منطقي أبقى شايف حاجة بعيني و تقولي "لأ دا غلط أصل ابن تيمية قال العكس من سبعميت سنة".. و لا منطقي إنك تقولي في تشف "كتابك المقدس ماذكرش الصواريخ.. يبقي دا كتاب متألف"...

راسلني مرة صديق بيقولي إن الجاذبية الأرضية وهم.. لأن ربنا قال "الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن الا الله".. بالتالي هو التفسير مش إن ربنا بيمسكهن عن طريق تحكمه في المخلوقات و الطبيعة.. لأ هو بيمسكهن عشان مفيش جاذبية ارضية من الأصل...!

مع إن ربنا صغّر نموذج الكرة الأرضية ووراله الجاذبية عاملة ازاي و حطهاله في إيده على شكل كرة المغناطيس اللي ممكن تشتريها من أي مكتبة أو محل لعب أطفال بتلاتة تعريفة...!

هل ابن تيمية و القرطبي و التفاسير اللي عمرها عشر قرون.. هم الحكام على داروين وآينشتاين و المضادات الحيوية ؟؟

و الحقيقة هي كانت فرصة ليا كرجل مؤمن بالله و ملائكته و كتبه و رسله جميعاً.. إني أفرض علي اللي بيقرا آرائي في الحياة و عقيدتي فرضاً و أنا بابحث في التطور.. و أقوله "لأ الإله موجود و لازم تؤمن زيي"..

بس الحقيقة إن دا علم.. و البحث العلمي لو فقد التجرّد.. و امتزج بالأهواء الشخصية.. و أنا "ححاول اثبت كذا عشان أثبت إن في إله زي ما أنا مؤمن".. و "لأ ححاول أثبت كذا عشان أنفي وجود الإله حسبما مانا معتقد".. يبقي البحث العلمي راح في الكنافة.. و مبقاش بحث علمي.. بقى "هطل" و تخلف و تضييع وقت...

تؤمن.. تكفر.. تبقى مسلم أو مسيحي أو يهودي.. تأسس جماعة لعبادة الضفادع أو قواقع الحلزون.. أنت حر..أنا مالي؟

دي حاجة شخصية.. ماتهمنيش في شيء.. بس إيه علاقة دا بالعلم تحديدا؟؟

يعني إيماني أو عدم إيمانك.. قدموا إيه في سبيل تطور علوم الليزر مثلا؟؟!

فياريت نفوق بقى من القصص دي.. لأنها فعلا خلتنا في ذيل الأمم على سطح الكوكب المسكين دا.. و مش فاضل غير إننا نلبس ريش و نرقص بالرماح حوالين النار بالليل..

إحنا بقينا واقعين بين "الحويني" المتشدد.. و "حويني" آخر بس ملحد.. و لازم حياتنا تمشي علي مزاج واحد من الاتنين.. و يا إما نثبت أو ننفي العلم بالدين.. أو نثبته أو ننفيه بالإلحاد..

و الفريقين "العلماء" دول ما شاء الله.. جلّ مشاغلهم في الحياة "الست تلبس ايه".. و الفريق الآخر "لأ الست المفروض تقلع"...

معسكر معاتيه التشدد الديني.. دفع الناس دفعاً للإنصراف عن الدين و الإنحلال "باعتبار إن دا إلحاد و حرية كده".. و معسكر معاتيه الإلحاد المتشددين.. دفع الناس للتطرف والإرهاب...

ايه بقى الخدمة الجليلة اللي بتقدموها للعلم و لمنفعة الناس بالضبط؟؟

يا أخواننا بتوع الأزهر و الكنيسة.. لساننا أتدلدل عشان تجددوا الخطاب الديني.. بدل ما تقعدوا تعملولي هاشتاجات "الأزهر قادم" و "المرسي أبو العباس رايح"..

يا ريت تفهموا الناس الحاجات دي.. و تعلموهم معنى التجديد و القفز مع العلم.. و تمسحوا خرافات "زغلول النجار" من العقول.. و تكتبوا سلاسل دورية و تعملوا برامج تثقيفية...

إلا لو الوضع الحالي و طريقة التفكير دي عاجبين حضراتكم...

139 comments

189 shares

Like

Comment