مع الفتنة الكبرى للأسف حنضطر النهاردة نقف ونكتب منشور اعتراضي، زي الجملة الاعتراضية.. أو "نقطة نظام".. قبل ما نكمل الأحداث.. أو ربما ما نكملهاش.. حسبما نشوف تفاعل الأصدقاء ورأيهم في الأمر ده.
الحقيقة كنت مدخر الكلام دا لنهاية حقبة ما يسمى بالخلافة الراشدة.. قبلما نقتحم حقب كل من أطلق على نفسه لقب "خليفة" فيما بعد.. لكن للأسف مضطر أكتبه النهاردة.
1 - أنا مش بسعى لإدانة عصر بعينه.. ولا عهد أي صحابي من الصحابة.. الموضوع تذكرة لحقبة انغلقت علينا ومنعوها عنا واتحولت لتابوو.. وماعرفناش نتعلم من حسناتها ولا أخطائها.
2 - في آلاف الشباب اتلعب في عقله وأقنعوه أن فترة الخلافة دي كانت وردية ساحرة، الناس فيها بترفل في الحرير، وتفطر لبن وعسل، وتقابل الخليفة تشتمه وتقول له "اتق الله"، وتروح تقعد في بيوتها حولها الجواري والحريم، تتلاقح وتاكل زي الثيران من غير شغل، فيفيض عليها بيت المال بالعملة الذهبية.. وحبينا نوضح مع بعض بالمنشورات والمناقشة، أن كل دا كلام فارغ.
3 - في شباب أفتتنوا وضحكوا عليه الإرهابيين.. كانت فكرة كويسة أنه يفهم أن محدش كبير على الغلط ولا على الفتنة، وعشان كده كانت الإشارة للنبي سليمان ﷺ في معرض الحديث عن الخوارج.. لأنه هو نفسه افتتن "ولقد فتنا سليمان".. ومن قبله أبيه "وظن داود أنما فتناه".. يعني دخلوا في دائرة الامتحان والاختبار.. وفي الكتاب المقدس نفس الشيء، أنبياء أفتتنوا الحديث عنهم يطول.. ربنا أراد بدا أننا نتعلم من تجاربهم.
"إبليس" بكل علومه وذكائه وورعه وتقواه، اتحاور مع الله نفسه، وافتتن وهوى إلى قاع المهانة.. أبونا "آدم" ﷺ نفسه افتتن.. دي خاصية من خواص الكيانات الحرة العاقلة.. أنها بتخطيء في الاختيار.. لأن الحرية، بالضرورة بتقتضي الخطأ.
وكانت الفكرة هنا أن دا يظهر ويكون واضح.. واللي شايف أنه افتتن واخطأ من الشباب دول أو أمره بيتنازعه عقله وضميره.. ورفع السلاح على الدولة.. أنه يقدر يرجع للصواب.. ويلقي سلاحه.. ويتعاون مع السلطات.. ويحقن دم ناس كتير.. حتى لو اتعاقب.. بس مايخسرش دنياه وآخرته.
لكن تعليقات على طراز "الصحابي الفلاني دا كان بهيم هههه".. "دا صحابي ابن ستين كذا هههه".. ما بتحققش الهدف دا إطلاقًا.. بالعكس.. بتخلي الشاب دا لما يقراها يتشدد أكتر لأن "المعسكر الآخر"، بقى متطاول متجاوز في نظره.. وبيتأكد له وجهة نظر قادته من حقراء الإرهاب.. إننا كفار.
إحنا كده في عينيه بنتطاول على كتبة الوحي، ونشكك فيهم.. يعني بنشكك في كتاب ربنا نفسه بطريق غير مباشر.. وبنشكك له في شخصية الرسول ﷺ.. أنه مكانش عارف يختار صحابه!
فبينغلق على نفسه أكتر وأكتر.. وبيرتمي في حضن الإرهاب أكتر.. ونبقى احنا في نظره العدو.. زي ما هو.
دا اسمه "التطرف المضاد".. لما تروح لشاب متشدد وتوريله أن المعسكر الآخر هو إننا نقنن غرز الحشيش ونقعد فيها على أبخرة الدخان وسط زجاجات البيرة نتطاول على الأنبياء ونشتم له رموزه اللي بيعتز بها دينيًا.. كده مش حييجي لنا ولا يسمعنا.
4 - من الخطأ أننا نحكم على عقول رجال من القرن السابع بعقولنا في القرن الحادي والعشرين.. ولا نقيس عليها.. في الوقت دا من تاريخ العالم كان كل حكومات الأرض ماشية بنظامين لا ثالث لهما.. السلطة الدينية.. حكم الملك الإله أو البابا أو كاهن المعبد أو غيره.. أو التوريث.. أسرة قوية بتخضع باقي العشائر بالسيف وتورث حكمها.. ويقعدوا يعجنوا في بعض بالسلاح طوال الوقت، سعيًا للحكم.
طبعًا ممكن ترد وتقول لي.. "ما هي مصر القديمة مكانتش كده".. مصر القديمة لا يقاس عليها لأنها حضارة سبقت بآلاف السنين.. بالتالي المراحل دي لما مرت بيها وقفلتها ونستها وحطت قواعد وأسس آدمية محترمة.. كان باقي العالم في العصر الحجري الثاني.. كنا بنألف مقطوعات موسيقية ونصهر معادن.. ونشتغل كيمياء ونصمم أطراف صناعية ونعمل عمليات جراحية معقدة.. وباقي العالم بيقتل بعضه على حتة فرخة و للا قرن موز أو أنثى منكوشة مقملة عابرة.
يعني مصر استثناء تاريخي في كل شيء.. والاستثناء لا يقاس عليه.. العبرة بالشائع الغالب مش بالنادر.
5 - دي الفكرة اللي لازم توصل لعقول الشباب المغرر به.. أن المرحلة دي من تاريخ العالم غير قابلة للانطباق على غيرها.. يعني ماينفعش اطبق انظمة حكم من القرن السابع الميلادي بعد 15 قرن باعتبار إني كده ناجح! الأنظمة دي قد يكون بعضها كان ناجح في وقته.. فاشل في وقته.. في جميع الأحوال هو "وقته" و"عصره" وانتهى وانقرض واندثر.
6 - "عثمان بن عفان" كان له سياسة غير سياسة "عمر" اللي هي غير سياسة "أبي بكر" اللي هي اختلفت عن سياسة "علي بن أبي طالب" اللي هم كلهم اختلفوا كتير وفي عدة مواقف مسجلة تاريخيًا عن سياسة النبي ﷺ نفسه.. بعضهم كان بيفضل أهل الثقة.. وبعضهم أهل الكفاءة.. بعضهم غليظ شديد مع موظفيه.. وبعضهم متسامح سلس.. دا حصل ليه؟
لأن ربنا أراد أنه يورينا أن مائدة السياسة مش موحدة ومش ثابتة ومش بتقدم صنف واحد.. عليها أطباق مختلفة.. وبتدور صحفها مع تغير الزمان والمكان والأشخاص.. وممكن تتغير من ساعة إلى ساعة.. وكل واحد يختار من المائدة السياسية ما يصلح لظروفه وظروف مجتمعه.
وسيدنا "عمر بن الخطاب" أضاف في تشريعات الميراث. وعطل حدّ السرقة في وقت معين.. و"عثمان بن عفان" استبدل حق الدم بالدية، والإمام "علي" أرجأ القصاص.. وكل واحد حكم بنظام وسن تشريعات واتخذ قرارات وكان له طريقة غير الآخر.
ربنا أراد أنه يورينا أن فكرة "الخلافة اللي حنجيبها من 1400 سنة ونطبقها النهاردة" دي، تخلف.. حتى فترة الخلافة نفسها مكانتش متناغمة ثابتة في نظام الحكم السياسي ولا التشريع.
فلما حضرتك تيجي تصرّ، على أن لأ.. كان لازم يحصل كذا.. أنت كده بتأكد له أن نظام الحكم السياسي له نموذج ثابت.. ومش متغير بتغيرات العصر.. مع أنه بين الصحابة دول كلهم رضي الله عنهم.. طرق الحكم السياسية بتتغير بفروق أيام.. نظام "عثمان" غيره "علي" بعد أيام.
7 - فكرة أنك تدخل لي في الإنبوكس وتقولي "بس محمد بن أبي بكر ربنا غفر له".. و "لأ خلي بالك قبل ما توصل لمعاوية.. معاوية حلو ومن أهل الجنة".. دا مايشغلنيش ومابكتبش من المنطلق دا ومبدخلش حد الجنة ولا بلقي بحد في قرار الجحيم.. أنا بقدم لك تاريخ خام.. بيوضح لك فكرة "تنوع نظم السياسة".. وفكرة "دي اخطاء تعال نتعلم منها سوا".
نفس الفكرة في اللي بيدخل يراسلني "على فكرة أنت ماقلتش أن عثمان لما خطب في الناس كانت الساعة تلاتة ونص وخمسة بتوقيت جرينيتش.. وفي تمام الساعة تلاتة وسبعة وتلاتين دقيقة.. انصرفوا إلي ماعرفش فين".. طبعا دا غير معقول ومضيعة للوقت.. وبيهدر الفكرة الاساسية في فرعيات.
8 - اللي مصر يصطحبني إلى أماكن مارحتهاش ويقول على لساني كلام ماقلتهوش فيدخل يقولي "أه يعني الصحابة دول كانوا منافقين مفتريين غزاة".. ويكرر لي نفس التعليق بين كل حلقة وأخرى.. لو بتدور على حد يؤكد لك فكرة معينة كونتها في أعماقك.. فدا مش أنا ومش غرضي من اللي بكتبه.. وقلت مرارًا.. وقتها كان كل الكوكب كده.. القادر يقتحم بلاد ويخضعها له بيغزوها.. وفي نفس الوقت.. كل دولة وقتئذ سمت دا "فتح".
9 - فكرة "الغزاة العرب جم أساؤوا لينا ودمروا حضارتنا" فكرة جميلة وحلوة نتناولها مع إزازتين بيرة مشبرين في قهوة "حرام عليك" في وسط البلد.. بس الواقع بيقول أننا قبل غزو العرب كنا دخلنا في عصور الاضمحلال حضرتك.. وكنا محتلين أصلًا.. واتهدم من معابدنا كتير أوي واتمسح من عليها نقوش كتير أوي.. أسباب دخولنا في عصور الاضمحلال بعد تقدمنا الهائل اللي نوّر العالم كتير، ولنا فيها سوا بإذن الله مقال.. لكن من أهمها كان "احتكار العلم".. وصلنا لمرحلة أن طائفة الكهنة الأطباء علمت التحنيط لأولادها فقط.. طائفة الحدادين قصرت علوم المعادن على أولادها فقط.. وهكذا.. فلما بيموت آخر واحد من كل طائفة بلا نسل.. بنرجع مئات السنين لورا.
من أهم مسببات تخلف المنطقة كلها، في القرن العشرين.. كانت الحركة الوهابية.. اللي استيقظت من مرقدها بعد الحرب العالمية الثانية بإيعاز من الحلفاء لضرب التمدد السوفيتي.. وحوّلت دول كبرى إلى خرابة.
لكن عن العرب أنفسهم؟ المصريين في الحقيقة هم أصل العرب! السيدة "هاجر" رضي الله عنها أم "إسماعيل" ﷺ أبو العرب جميعًا.. كانت مصرية.. قبيلة "بنو عبد مناف" معظمها من مهاجري "منف" في مصر القديمة وهم اللي أسسوها.. الرسول ﷺ خرج من نسل القبيلة دي.. في دراسات علمية رصينة للغاية بتؤكد دا.
10 - الشاب الإرهابي أو اللي مش إرهابي بس مفتون مخدوع.. وبتحاول تنور له عقله.. مش حتنوره له بأنه تدخل تسب له الدين وتشتم له الأنبياء والصحابة! حتنور له عقله بأنك تفهمه أنهم مكانوش على جمود ولا ثبات وحتى تفسير الكتاب اختلفوا فيه.. وإن الأجدر من تطبيق نظم السياسة والحكم كما طبقها رجال من القرنت السابع لهم ما لهم وعليهم ما عليهم.. هو تطبيق "ما ينفع الناس" في كل عصر، حسب مفردات العصر.
مش عار ف الحقيقة بعد اللي شفته فيما سبق، حكمل السلسلة أصلًا أو لا.. الأمر راجع لكم.. الفقهاء عبر الزمن خبوا الفتنة عننا ورفضوا يعلمونا اللي حصل.. الحقيقة دلوقتي بالأفعال دي أنا تفهمت موقفهم تمامًا بعدما كنت رافضه ومستنكره.
نكمل سوا على القواعد السابقة وللا نتوقف وندخل في زمرة فقهاء التابوو؟ بالفعل مش عارف.. لكن من غير مراعاة ما سبق.. سلسلة الحلقات دي حتفقد مغزاها والهدف منها ومايبقاش لها أي معنى.
القرار لكم.. وربما كان للحديث عن الفتنة الكبرى.. بقية.
ربما....
-------------
منشورات سابقة:
-------------
1 - http://bit.ly/2Rm5tBs
2 - http://bit.ly/2RACrOV
3 - http://bit.ly/2NeseJs
4 - http://bit.ly/2XoDruI
5 - http://bit.ly/2IAYulr
6 - http://bit.ly/2IYrjHm
7 - http://bit.ly/2IKnM0s