بيموت "الوليد بن عبد الملك" . وكانت فترته فترة استقرار زي سابقه.. خلاص انتهت الفتن والثورات التي قامت في الدولة.. فتوسع في جنوب روسيا وزحف على الهند وتركيا وإيران ووصل لحدود الصين.. وبعدين احتل المغرب.. ومن المغرب.. انطلق شمالًا إلى إسبانيا والبرتغال.. وبيغزو الأندلس.. الحروب دي طويلة ولها وقت نتكلم عنها تفصيلًا بإذن الله.. لكن اللي يهمنا دلوقتي أنه كان عصر استقرار وقوة للدولة الأموية.. اتسمت فيه باسم "الدولة الأموية الثانية".. ومن بعده بيمسك الحكم شقيقه "سليمان بن عبد الملك".

الراجل الأخراني دا سمع حديث من أحد العلماء عن فتح القسطنطينية، بينبيء فيه النبي ﷺ بفتحها بأمير على رأس جيش.. والأمير دا من أفضل أمراء العالم.. والجيش دا من أفضل جيوش الدنيا.. وبيردف ﷺ في الحديث بأنه: "فلنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش".

للأسف محدش من المؤرخين بياخد باله إن "إبراهيم باشا" فتحها بالفعل على رأس القوات المصرية.. وتهاوت دفاعاتها قدامه وأصبحت بلا جيش ولا مدفعية ولا أبراج.. هو فقط مدخلهاش بعد الفتح.. والحديث النبوي تكلم عن "فتحها" بالفعل.

بينسبوا النبوءة في الحديث دا إلى العثماني "محمد الفاتح".. اللي دخل القسطنطينية على رأس جيش من السكاري، أعملوا فيها المذابح ونشروا فيها الرعب وحرقوا الكنائس واغتصبوا النساء.. وحولوا دور العبادة المسيحية لمساجد بالسلاح.. زي "آيا صوفيا".. ومصممين أنه "ونعم الجيش ذلك الجيش".. جزء من شغل الأتراك لتزييف التاريخ. حنتكلم عن الموضوع دا في يوم ما بالتفصيل بإذن الله.

المهم أن أخينا "سليمان بن عبد الملك" قال لك "بس.. أنا حابقى الأمير ده".. فخد أسطوله وراح حاصر القسطنطينية.. وهو كانت صحته مش ولابد لأنه كان شره في الأكل جدًا.. لدرجة أنهم بيرووا أنه أكل في مرة خروف مشوي لوحده.. والإمام الذهبي حكى إنه أكل 40 دجاجة في جلسة.. فطبعًا لك أن تتخيل منظر شرايينه التاجية من جوا.. فأثناء حصار القسطنطينية المرهق.. صحته مش بتستحمل.. وبيموت.

من مميزاته أن ولى أحد ابناء عمومته على الحجاز.. والناس حبته جدًا.. لأنه كان رجل عادل، فبدأ يفكر بشكل مختلف.. فشاله من ولاية الحجاز وبدأ يحطه في ولايات أخرى.. لفترات قصيرة.. عشان طريقة ولايته كانت بتحبب الناس في الحكم الأموي.. وقبل ما يموت "سليمان".. بيوصي أن الراجل دا يبقى خليفة من بعده.. وبعد الراجل دا.. يجيبوا "يزيد بن عبد الملك".. والناس بالفعل بترحب بالراجل اللي رشحه لأنهم كانوا بيحبوه.

والراجل دا هو الإمام "عمر بن عبد العزيز".

بمجرد ما بيبياعه الناس على الخلافة.. بيصعد للمنبر.. وبيعمل حركة من أخطر الحركات اللي بيرصدها كبراء بني أمية.. وبيهتف في الناس أنه تولى البلاء - الحكم - ده من غير سعي منه.. وعليه.. فهو بينزع البيعة.. ويرد الأمر للخلافة الراشدة.. وبيعلن لهم أنهم الآن بدون خليفة.. وعليهم يرجعوا لعصر الراشدين ويختاروا بطريقته.

الشورى.

بينزل من على المنبر.. فالناس بتهجم عليه.. وتشيله وترجعه تاني.. ويقولوله لأ احنا عايزينك أنت وبايعناك. مفيش فايدة.

بعدى مناوشات وجدل بيقبل أخيرًا.. وبيخطب فيهم خطبته الأولى.. وبيحط فيها عدة شروط عشان يحكمهم.. منهم شرطين للناس وخمسة لأتباعه وموظفيه..

فأما الشرطين بتوع الناس فبيقولهم: 1 - لا كتاب بعد كتاب الله، 2 - ليس لأحد أن يُطاع في معصية الله.

والشروط الخمسة اللي بيشترطها للي عايز يشتغل معاه ويبقى من بطانته هي: 1 - انهم يرفعوا إليه حاجات ومظالم الناس اللي مش عارفة توصل له.. 2 - وانهم يجتهدوا في إعانته على الخير.. 3 - وأنهم يدلوه على الخير.. 4 - وإن محدش يغتاب حد من الرعية عنده بسوء.. 5 - وأن كل واحد منهم يخليه في شغله ومايتحشرش في اللي مالوش فيه.

لو الشروط الخمسة دي مش متوافرة فيك.. ماتقربش منه ولا تحاول تشتغل معاه. دا شرطه.

وبعدين بيأمر الناس أنها تنطلق للبلاد حولها وتبلغهم ببيعته وشروطه.. فلو قبلوا.. فهو حاكمهم.. ولو رفضوا.. فهو حينزل.. مش حيبقى الخليفة. وبالفعل الناس بتقبله كحاكم وبينزل من على المنبر عشان يبدأ عصر جديد.

العصر دا كان أسود على المنتفعين والشلل والسبوبجية والأوغاد والحرامية.. لأن أول حاجة عملها "عمر" هو أنه عزل كل اللي اتعين لقرابة أو معرفة بدون كفاءة.. وبعدين عزل كل الولاة والعمال والقضاة الظالمين.. من بطانة الحاكم الفاسدة.

وبعدين بدأ لهم في مصيبة جديدة.

الأوامر اللي أصدرها كانت هي أن كل واحد حصل على مليم كهدية أو عطية من بيت المال يرده إليه بالذوق.. ولو مرضيش يترد قسرًا.

ولما اعترض الولاة واتباع من سبقوه.. بدأ بنفسه.. ودرس اللي تحت إيده من أرض وثروة.. وبقى يشوف وصل لهم منين.. وبدأ يردهم مرة أخرى إلى أصحابهم.. فلو كان من سبقه مثلا اغتنم أرض من حد وأهداها له.. يرجعها لصاحبها.. واللي يتعذر عليه أنه يلاقي صاحبه، باعه.. وحط فلوسه في بيت المال.. لدرجة أن كان له سيف مطعّم بالفضة، أعطاه له "سليمان" قبل وفاته.. فسلمه للحداد، فانتزع منه الفضة وردها لبيت المال.. وركب له مكانها في السيف قطع حديدية.. وكان "سليمان" أهداه برضه خاتم قيم من خواتم أمراء بلاد المغرب المهزومين.. لما زحف إليها.. فأمر أن الخاتم يرجع تاني لصاحبه.

وكان القرار الثالث أكثر خطورة.

بيأمر "عمر بن عبد العزيز" بوقف الزحف على البلاد في أطراف الدولة.. وسحب القوات من هناك.. وبعت لكل قائد جيش من رجاله "لا تغزُ بالمسلمين، فحسبهم الذي فتح الله عليهم".. مفيش غزو تاني خلاص.. كفاية البلاد اللي دخلناها.. ومفيش بقى سبي وغنائم.. القصص دي أنتهت.. حنشتغل ونزرع وننمي الدولة القائمة.

وكل الإصلاحات دي طبعًا كانت خراب بيوت على بني أمية.. اللي فعلا لقوا نفسهم مفلسين.. وكل الحاجات اللي سرقوها أو خدوها مجاملة أو غيره.. اتصادرت ورجعت لأصحابها.. ولقوا نفسهم بغتة، وفي يوم وليلة.. ناس عادية.. مش أثرياء ولا أصحاب سلطة.. فلموا بعضهم وراحوا إلى "عمر بن عبد العزيز".. فطردهم جميعًا بلطف.. وقال لهم أنه مفيش رجوع للوراء خلاص. الميغة خلصت والقصة انتهت.. زيهم زي باقي مواطني الدولة.. يكسبوا بجهدهم.

لما بيلاقوا مفيش فايدة منه.. بيروحوا لعمته "فاطمة بنت مروان" ويكلموها تكلمه.. وبيهددوها أنهم حينقلبوا عليه.. فلما بتبلغه.. بيقولها إنه مش خايف إلا من شيء واحد.. وقوفه بين يدي الله ساعة الحساب.. فرجعت قالتلهم "أنتم فعلتم هذا بأنفسكم، تزوجتم بأولاد عمر بن الخطاب فجاء يشبه جده".. فسكتوا وهم على وشك الانفجار من الغيظ.

وكان له قريب وصديق عزيز اسمه "روح بن الوليد بن عبد الملك".. اغتصب ايام "الوليد" محلات مش بتاعته.. و"الوليد" أقره على فعلته.. فراح أصحاب المحلات لـ"عمر بن عبد العزيز".. فطلب سجلات الدولة يشوف المحلات دي بتاعت مين.

فبيجيله كاتب السجل.. وبيقول له أن المحلات بتاعت "روح" فعلًا.. فبيسأل "روح" عن مصدرها.. فلما ما مابيعرفش يجاوب.. بيعترف وبيقول له أنها هبة من "الوليد".. فبيرجعها لأصحابها.. وبيخرج من عنده "روح" غاضبًا وبيقول لهم "اللي يقرب من المحلات حقتله".. فبتبلغ عبارته "عمر بن عبد العزيز".. فبيأمر الجند يروحوا معاه لحد ما يرجع للناس محلاتها.. وإذا رفض.. يضربوا عنقه.. فبيخاف "روح" ويذعن للأمر.

بيسقط الجزية عن مواطني الدولة.. وكانت الدولة الأموية بتجبيها حتى على اللي بيدخلوا الإسلام منهم.. وشايفين أنها مصدر دخل عظيم.. لكن "عمر" بيرفض دا.. وبيسقطها رغم عن أنف الأمويين.

العصر دا فقهاء كتير شايفين أنه ينبغي إضافته لعصر الخلافة الراشدة، عشان كده سموا "عمر بن عبد العزيز" خامس الخلفاء الراشدين.. الشيعة في معظمهم بيكرهوا "عمر بن عبد العزيز" لأنهم شايفين أن قبول تولي الخلافة أصلًا طالما أنت مش من آل البيت "ذنب عظيم" وكبيرة.. بس لازال منهم فقهاء كتير بيعترفوا بعدله وأفضاله مع ذلك.

لكن طبعا بني أمية.. اللي لقوا نفسهم فجأة من غير امتيازات ولا سلطة ولا فلوس والبيزنس وقف والسبوبة اتقطعت.. مابيسكتوش.

ففي يوم حار من أول أيام رجب، سنة 101هـجرية؛ الموافق 720 ميلادية.. بيطلب من أحد خدمه أنه يناوله مشروب يرطب به حلقه.. وبمجرد ما بيشرب المشروب بيتوقف للحظات وبعدين بيقول للولد:

- ما حملك على أن تضع لي السم؟

فالخادم بيتفاجيء للحظات.. وبيطرق.. وبعدين بيشرح له أنه بعض بني أمية أمروه يحط له السم دا في شرابه.. وأنه رفض في البداية.. فهددوه بالقتل لو لم يفعل.. ومنحوه ألف دينار ووعدوه بالعتق والحرية لو نفذ الأمر.

فالإمام "عمر" بيقول له "هات الألف دينار".. فبيديهاله.. فبيرميها لبعض أصحابه ويأمر بإيداعها بيت المال.. وبعدين بيعتق القاتل ويقول له "اذهب إلى حيث لا يراك أحد".

بيكافح السم لمدة عشرين يوم تقريبًا.. وفي أواخر رجب من العام نفسه، بيلفظ أنفاسه الأخيرة عن عمر 39 سنة.. وبيسيب وراه 11 ابن.. وتركة ماتزيدش عن 17 دينار.. اتكفن واتدفن بسبعة منها.. وفضل 10 دنانير.. اتقسموا على أولاده.. كل واحد خد 19 درهم.

وبعد "عمر بن عبد العزيز" بييجي حسب وصية سليمان "يزيد بن عبد الملك" أو "يزيد الثاني".. وهو مكانش حاكم وحش.. لكن عشان يتقي القتل زي سلفه.. بيبدأ يرجّع الميغة تدريجيًا.. وبيرضى عنه بني أمية.

ولكن في أواخر عهده، وتحديدًا في العام 104 هجرية، الموافق 721 ميلادية؛ بيتولد طفل من سلالة "العباس" عم النبي ﷺ.. الطفل دا حفيد "عبد الله بن العباس" رضي الله عنهم اللي اتكلمنا عنه من قبل.. وكان الطفل دا اسمه "أبو العباس عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المُطَّلِب الهاشمي القرشي".

الطفل دا حيلقب لاحقًا باسم "أبو العباس عبد الله السفاح".. وحترسم الأقدار له طريق خاص.. وتقدّر له أنه ينشيء دولة جديدة وخلافة جديدة.. تبدأ تتناطح مع الخلافة الأموية رأس برأس.. وتحاول إسقطاها.. وتنعطف بينا في منعطف جديد من التاريخ.

الدولة اللي حيأسسها دي حتتسمى على اسم جده.. وحتحمل اسم "الدولة العباسية".

والموضوع دا الحديث عنه يطول.

فيبقى للحديث.. بقية.

-------

المنشورات السابقة أول تعليق.

-----