قرر "عبد الله بن الزبير" هدم الكعبة وإعادة بناءها.. الحقيقة أنها تضررت كتير جدًَا من الحريق.. بيشاور أصحابه.. فبيشور عليه "جابر بن عبد الله" و"عبيد بن عمير" بالهدم.. بينما بيرفض "ابن العباس" رضي الله عنه ويقول له.. أن تكرار هدم الكعبة المشرفة وبنائها، حيخلق في قلوب الناس استهانة بها وبحرمتها.

لكن "ابن الزبير" بيتخذ قراره سنة 64 هجرية.. وبيهدم الكعبة لحد ما بيتوقف عند قواعدها.. وبيبنيها من جديد.. وبيعمل لها بابين.. وبيزود أبعادها.. وبيرمم الحجر الأسود بالفضة لأنه كان بدأ يتشق.. وبيحطه بإيده.. وبيدهن جدرانها من برا بالمسك وبعدين يسدل عليها حرير.

وفي الوقت نفسه، كان "عبد الملك بن مروان" ظفر بمقعد الخلافة بعد أبيه "مروان بن الحكم".. وسط فتن وانقسامات واضطرابات وثورات.. أولها كان رجل اسمه "المختار بن أبي عبيد الثقفي".. ودا كان رجل عسكري، سيطر على الكوفة واستقل بها تقريبًا.. ورفع شعارات "دم الحسين" و"دم علي" معًا.. وكان بيخطط لبناء دولة يكون مركزها العراق.. تسقط الدولة الأموية.. وسما مشروعه "الدولة العلوية".

وكان "المختار الثقفي" بايع "عبد الله بن الزبير" خلاص. وقرر يبدأ مشروعه بقتال قتلة الحسين.. وبالفعل بيزحف للبصرة ويقتل "شمر بن ذي الجوشن".. وبعده " خولي بن يزيد الأصبحي" وبعدهم "عمر بن سعد" وبعدهم بيتفرغ لـ"عبيد الله بن زياد".. اللي أدا الأوامر بقتل الحسين، وسبى آل البيت.

بيبعت له جيش بقيادة "إبراهيم بن الأشتر النخعي" وبيخرج له "بن زياد" بجيش مماثل.. وبيلتقوا في العام 66 هجرية عند نهر "خازر" بين أربيل والموصل.. وهناك.. بينتصر جيش الكوفة.. وبيقطع "إبراهيم بن الاشتر" رأس "عبيد الله بن زياد" أخيرًا.. ويبعته لـ"مختار الثقفي" في الكوفة.

الحقيقة أن "مختار الثقفي" أباد معظم قتلة الإمام الحسين إلا قليلًا قدروا يهربوا منه.. وفضل يطاردهم لسنة 67 هـجرية.. لما استشعر "عبد الله بن الزبير" خطر "المختار".. اللي بدأ يتصرف وكأنه خليفة ثالث مستقل، ويتخذ قرارات من تلقاء نفسه ويعارض "بن الزبير" ويرفض أوامره، رغم أنه بايعه.. فبعت أخوه " مصعب بن الزبير" وطلب منه يقضي على "المختار" ورجاله حتى آخر رجل.

بالفعل بينجح جيش "مصعب" في هزيمة "المختار الثقفي".. وبينسحب إلى قصره، ويستتر به.. فبيحاصروه لمدة أربع شهور.. لحد ما بينفد مخزونه من التموين.. فبيطلب من أصحابه الخروج للقتال فبيرفضوا ماعدا 19 رجل...

وبيدرك "المختار" أنها النهاية.. فبيغتسل ويتعطر.. ويدهن لحيته بالمسك.. وبيفتح أبواب القصر ويخرج للقتال مع أصحابه التسعة عشر.. لحد ما بيموتوا جميعًا.. ودا كان خطأ قاتل من "عبد الله بن الزبير" لأن "المختار الثقفي" كان حليف قوي.. بوفاته.. بيرتاح "عبد الملك بن مروان" جدًا.. خاصة أن جيش "مصعب" في العراق دلوقتي.. وبيبدأ "عبد الله بن مروان" بيناوشهم طول الوقت ويفقدهم قوتهم بطريقة اشبه بحروب العصابات.

وكان "الخوارج" في الفترة دي.. قسموا شغلهم على جبهتين.. جبهة بتدعم "بن الزبير" وفي نفس الوقت بتحاربه وتبعث بمعلوماته وأسراره لـ"عبد الملك بن مروان".. وجبهة بتقاتل "عبد الملك" نفسه.. بيحث يقعوا الاتنين وينهاروا.. ويخلو الطريق للخوارج يفوزوا بالكرسي.

وبتتقسم الخوارج لفرق جديدة بيتقسموا بدورهم أكثر وأكتر.. كل فرقة بتقول "مالناش دعوة بالتانيين".. والحقيقة كلهم واحد وكلهم زفت وكلهم خونة دمويين مجانين وكلهم إرهابيين زي بعض. فبتنشا فرق زي "الأزارقة" و"الصفرية" و"النجدات". ووقت ما كان كان فيه الخوارج الأزارقة بيهددوا البصرة، كان الخوارج الصفرية بيهددوا الكوفة، وإلخ.

في الآخر وفي العام نفسه، بيبرز في الصورة رجل اسمه "الحجاج بن يوسف الثقفي" بيتقرب من "عبد الملك بن مروان" لأنه بينجح في قمع كل ثورات معارضيه في العراق والمدن المحيطة.. فبيبعته يقاتل الخوارج.. وكان "الحجاج" شرس لا يعرف الرحمة.. فبيسحق الخوارج ويمزق قواتهم ويشتتهم.

وعلى الجانب الأخر في حرب "عبد الملك" و"ابن الزبير".. بيراسل "عبد الملك" خصمه "مصعب".. أخو "الزبير".. وكان صديق قديم له.. وبيطلب منه ينسحب ويسيب الموضوع بينه وبين "عبد الله".. بس "مصعب" بفروسية وشهامة، بيرفض يتخلى عن أخوه قط.

وهنا.. بتلتقي جيوش "عبد الملك" و"مصعب" في معركة حفظها لنا التاريخ باسم "معركة دير الجاثليق".. بيتقتل فيها "مصعب بن الزبير".. وبترجع العراق تخضع للدولة الأموية.. وبيعين عليها "عبد الملك" أخوه "بشر بن مروان".

وكان نجاح الحجاج مبهر.. بيرضي "عبد الملك" .. فبيبعته على رأس جيش للحجاز للتخلص من "عبد الله بن الزبير".

ولأن جيش "بن الزبير" كان ضعف جدًا.. بينتصر "الحجاج" مرة تلو الأخرى.. لحد ما بنوصل للطائف.. وهناك بيعسكر "الحجاج" وبينتظر كل معارضي "بن الزبير" ينضموا له.. وبينتظر المدد من الخليفة "عبد الملك بن مروان".. بالفعل بتوصله الإمدادات ويكبر جيشه.. وبيزحف إلى مكة وبيحاصرها.

ومع طول الحصار.. بيدخل أهل مكة في مجاعة شديدة عنيفة، لدرجة أن "بن الزبير" بيضطر يذبح الخيول عشان يطعم العجائز والأطفال.. ومع اشتداد الحصار والإرهاق والجوع.. بينسحب من حوله معظم قواته ورجاله.. ويستسلموا "للحجاج بن يوسف".. وبيستتر "بن الزبير" مع رجاله الباقين في الحرم.. وبينصب "الحجاج" الرماة والمجانيق على جبل أبي قبيس وجبل وجبل قعيقعان.. "الأخشبين" اللي اتذكروا من قبل في حديث شريف على لسان "جبريل" عليه السلام.

روايات كتير بتقول إن "الحجاج" بدأ بالفعل يقصف الكعبة بالمنجنيق.. كرات الصخر والأحجار المشتعلة، بتهوي من حالق عشان تقتل "بن الزبير" وأتباعه وتحطم أجزاء من البناء الشريف.. من القلائل اللي دفعوا الروايات دي كان "بن تيمية".. فقال أن "الحجاج" مكانش في مبرر يحاصر المكان شهور.. لأنه مكان سهل الاقتحام.. و"الحجاج" كان "محبًا للكعبة المشرفة معظمًا لها ولا يمكن أن يرميها بالمنجنيق". يعني "بن تيمية" ماقدحش في السند.. استخدم العقل والمنطق في الرواية دي بالذات.. الحاجتين اللي هو كان بيرفضهم في كل شيء تقريبًا وبيفضل عليهم النقل.

ومش عارف ليه انفرد فقهاء بالدفاع عن "الحجاج" هنا من باب "العقل والمنطق" اللي بيرفضوهم دايمًا.. الحجاج مكانش صحابي أصلا ولا له قداسة خاصة من أي نوع.. مجرد رجل من بني أمية.

بتهوي الصواعق من السماء وتضرب كتائب "الحجاج" وتحطم وتحرق بضعة من آليات المنجنيق.. فبيضطرب رجاله ويتصوروا انه غضب من الله.. لكن الصواعق بتهوي برضه حول الكعبة وبتضرب رجال "بن الزبير" في اللحظة ذاتها.. فبيعلن لرجاله أن دا حدث طبيعي عادي.. ومتوقع من مناخ الحجاز في الوقت دا من السنة.. لكن الموقف وتّر رجاله جدًا.. وقبل ما تحيق بهم هزيمة نفسية.. بيقرر ينهي الموضوع.. وبيمنح الأمان "لابن الزبير" لو استسلم.

لكن "عبد الله بن الزبير" بيرفض أمان "الحجاج".. فبيضطر يتقدم نحوه، ويقاتله ويقتله.. وكانت أوامر "عبد الملك" أنهم يقتلوه ولو اختبأ في قلب الكعبة.

"ويل للناس منك وويل لك من الناس".. يبدو أن النبوءة وقعت بحذافيرها.. بيقتل "الحجاج" أخيرًا "عبد الله بن الزبير" ويصلبه.. وينتصر وبيخضع الحجاز لسلطان الدولة الأموية.

بيبعت "الحجاج" يستدعي أم "الزبير".. السيدة "أسماء" بنت "أبي بكر الصديق" رضي الله عنهما.. وكانت عجوز كبيرة جدا.. وقيل أنها كانت فاقدة للبصر.. بينما قال البعض "فضلت ببصرها سليم لآخر عمرها".. فلما بعت لها "الحجاج" تمثل بين يديه.. رفضت تروح له.

فبعت لها تاني "لتأتين أو لأبعثن من يسحبك بقرونك".. يعني "لو مجيتيش حبعت حد يجرك من شعرك".. القرون هنا هي ضفاير الشعر.

فبترد عليه " والله لا آتيك حتى تبعث إلي من يسحبني بقروني".. "مش جاية.. ووريني حتبعت حد يسحبني من شعري إزاي".. فبيروح لها هو.. وبيقول لها في تشف "إيه رأيك في اللي عملته في ابنك".. فبتقول له "أفسدت عليه دنياه وأفسد عليك آخرتك".

بيقطعوا رأس "بن الزبير" ويبعتوه لـ"عبد الملك".. وساعتها.. بتجتمع الكلمة عليه.. وبيدين له حكم "الدولة الإسلامية" بلا معارضين.. وبيفضل جسد "بن الزبير" مصلوب لأيام.. لحد ما بيروح "عبد الله بن عمر" للحجاج وبيقول له أن كده مايصحش والمفروض ينزل الجثمان.. فبينزله ويتدفن في مكة.. وبتحزن عليه أمه "أسماء" في شدة.. وبتلحق به بعدها بشهرين تقريبًا.

وفي سنة 86 هجرية.. الموافق 705 ميلادية، بيتوفى "عبد الملك بن مروان" عن عمر يناهز ستين سنة.. وبيتولى بعده "الوليد بن عبد الملك".

وبعد شغل "عبد الملك" و"الحجاج".. بيتولى "الوليد" دولة مستقرة للغاية.. قوية.. محدش عارف يتهددها.. وبيحكمها عشر سنين في هدوء نسبي.. لحد ما بيموت في دير مروان بغوطة دمشق ويتدفن هناك.

ولأن أخوه "سليمان" كان في فلسطين وقتها.. فمبيلاقوش حد يصلي عليه من أقاربه من الدم.. عدا رجل وحيد من أبناء عمومته.. من نسل "عمر بن الخطاب" رضي الله عنه.. بيصلي عليه ويدفنه.. وبيقدر له أنه يبقى الخليفة القادم اللي رغم أنه مش من الخلفاء الراشدين.. إلا أنه اصطلح على تسميته بـ"عمر الثاني".. أو "خامس الخلفاء الراشدين".

"عمر بن عبد العزيز".. اللي الحديث عنه وعن حكمه وسيرته القيمة يطول.

فيفضل للحديث.. بقية.

---------------------------------

المنشورات السابقة أول تعليق.

(الصورة من تبوك)

--------------------------------