"معاوية بن أبي سفيان" طمح في الخلافة بس مقدرش يطلبها أو يعلن دا صراحة.. فقرر أنه "ولي الدم" بالنسبة للإمام "عثمان" رحمه الله ورضي عنه.. وكان الإمام "علي" متوجس من "معاوية" وبيشك في تصرفاته.. خصوصًا مع موضوع "قميص عثمان" اللي نشره على المنبر جنب كف زوجة هذا الأخير، "نائلة بنت الفرافصة".. وتحريضه لأهل الشام.. فبيبعت له مبعوث خاص، هو "جرير بن عبد الله البجلي".. يدعوه لمبايعته كخليفة.
وكان حركة ذكية جدًا من سيدنا "علي".. يا تبايعني.. يا يبقى عداء سافر بقى ونشوف حنتصرف ازاي.. بالفعل "معاوية" بيرتبك.. وبيلجأ إلى صديقه المقرب.. الرجل الملقب بـ"داهية العرب".. "عمرو بن العاص".. يطلب منه المشورة.
فـ"عمرو بن العاص" بيقول له بوضوح وصراحة.. أنه فاهم أنه مش حيقاتل "علي" بسبب "دم عثمان" ولا حاجة.. ولا هدفه من الموضوع دا تطبيق الشرع ورضا الله والجنة.. وإنه - "عمرو بن العاص" - فاهم كويس أوي أن القتال دا "دنيوي" بحت.. وبيردف في لهجة قاطعة: "فأطعمنا مما تأكل لكي نناضل عنك نضال من يريد الأكل"...
بيفهم "معاوية" كلام "عمرو" كويس أوي.. فبيرفض بيعة "علي" وبيبدأ يجمع جيشه.. وبيدرك أن قوتي الجيش متقاربتين.. فبتتجه عينه إلى الجيش المصري في لهفة.. وبيبعت لـ"قيس بن سعد" حاكم مصر.. يطلب منه الانضمام له.. وبيقول له:
"تب إلى الله يا قيس.. فإذا استطعت أن تكون ممن يطالبون بدم عثمان فافعل، وتابعنا على أمرنا، ولك سلطان العراقين إذا ظهرت ما بقيت، ولمن أحببت من أهلك الحجاز مادام لي سلطان، وسلني ما شئت فإني أعطيك، واكتب لي برأيك".
انضم لي.. ولك ولاية مصر والعراق والسلطة والنفوذ اللي أنت عايزهم طول ما أنا خليفة.
لو القوات المصرية انضمت لمعاوية.. الجيش يبقى أقوى من جيش "علي" رضي الله عنه بما لا يقاس.. الحقيقة أن "قيس" كان متردد متوتر.. هو فعلًا مؤمن بوجوب المطالبة بدم "عثمان".. لكن في نفس الوقت.. مش قادر يهاجم "علي" رضي الله عنهما.. فمابيردش علي "معاوية".. وبيبدأ ينزل بنفسه وسط الناس.. والشعب والجنود في مصر.. يستقصي الأمر.. ويلمح بموضوع الانضمام إلى "معاوية" دا ويشوف رد الفعل.. عشان يتصرف على أساسه.
ومن أول جولة.. أدرك "قيس بن سعد" الجواب...
المصريين كشروا له عن أنيابهم لأول مرة في شراسة.. ولمحوا له هم كمان أنه لو دفعهم لقتال "علي بن أبي طالب".. فمش حيبقى آمن على ملكه ولا حياته. دا بيريح "قيس" لأنه مكانش ميال للخروج ضد الخليفة من الأصل.
ولما تأخر "قيس" على "معاوية" في الرد.. بيبعتله مرة أخرى.. بس المرة دي بلهجة تهديد ووعيد.. فـ"قيس"بيرد عليه بصراحة ووضوح.. الجيش المصري في صف الإمام "علي".
وبيغتاظ "معاوية" في شدة.. لكن "عمرو بن العاص" بيشير عليه بخطة في غاية الدهاء.. فبيبدأ يشيع في الأمصار ومع القبائل وبين الناس.. أن "قيس" انضم لـ"معاوية".. فلما بيوصل النبأ للإمام "علي"، بيعزل "قيس" من ولاية مصر.
وبيدرك الإمام "علي" أنها الأمر استحال إلى تمرد.. ومحاولة انقلاب على السلطة.. واصبح "معاوية" وجيشه دولة داخل الدولة.. فبيحشد قواته.. وفي المقابل بيحشد "معاوية" قواته.
وفي الوقت نفسه، بيوصل "قيس بن سعد" إلى الإمام "علي".. وبيعلن له الولاء.. وبيقتنع "علي" بأنها كانت لعبة من "معاوية".. وبيسلم "قيس" قيادة الجيش مع "الأشتر النخعي" و"هاشم بن عتبة" و"عمار بن ياسر" و"محمد بن الحنفية" و"عبد الله بن عباس" رضي الله عنهم.
وفي الجانب الآخر بيحتشد جيش "معاوية بن أبي سفيان".. بقيادة "حبيب بن مسلمة" و "أبو الأعور السلمي"...
حد فاكره؟ اللي كان حمل رسالة مزيفة منسوبة لـ"عثمان" إلى "السرح" والي مصر.. عشان يقتل ثوار مصر.. وأخذ يضايق الناس عمدًا لحد ما مسكوه والرسالة معه واتقتل "عثمان بن عفان" بسببها.. وجود "الأعور" وسط قادة "معاوية".. خلا مؤرخين كتير، تقول أن "معاوية" كان له يد في فتنة مقتل "عثمان" من البداية.. بعضهم قال "كان يتمنى عزله وأنه يمسك الحكم مكانه.. ومأرادش الأمر يوصل لقتله".. لكن الواقعة دي أكدت لكتير برضه.. أن طموح "معاوية" في الحكم مش من فترة الإمام "علي".. بل من قبلها.. فترة الإمام "عثمان" رضي الله عنهم.
المهم أنه كان من قادة "معاوية" كذلك.. "عمرو بن العاص" و "الوليد بن عقبة".. و"عبيد الله بن عمر"، و "الوليد بن عقبة".. و "ذو الكلاع الحميري".
وكان معاهم قائد عسكري فذ.. ومقاتل لا يشق له غبار، ويمكن أقوى من "عمرو بن العاص" نفسه.. هو "عبد الله بن عمرو بن العاص"... عايزين نفتكر اسمه لأن له قصة حنعرفها حالًا.
وبيتحرك جيش "معاوية" الرهيب من الشام.. وبيتحرك له جيش الإمام "علي" من العراق، بالتحديد في 1 صفر سنة 37 هجرية.
وفي "صفين" عند الحدود العراقية السورية، بيبدأ غبار سنابك خيول الجيشين يبدو في الأفق.. وبتبدأ عمليات الاستطلاع.. وبتوصل أخبار الفريقين لبعض.. وكل فريق بيتعرف على عتاد الآخر وسلاحه وقيادته.
وفجأة بيعرف "عبد الله ابن عمرو بن العاص" أن "عمار بن ياسر" من قادة جيش "علي بن أبي طالب" رضي الله عنهم.. وبيكاد يغشى عليه.. وبيصيبه رعب هائل وهلع بالغ.. وأصحابه بيندهشوا لأن "عمار" كان شيخ كبير.. وبيحارب وهو واقف.. مش مقاتل رهيب يعني يخشاه للدرجة دي.. لكن القائد الشاب بيخبرهم.. أنه سمع الرسول ﷺ بنفسه بيقول ذات مرة:
"ويح (عمار) تقتله الفئة الباغية - أي الظالمة المعتدية - يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار".. وأنه مش حيرفع السلاح أبدًا على جيش فيه "عمار بن ياسر".. وقيل أنه انتزع سيفه.. وحطمه على جذع شجرة.. فاحتد عليه "معاوية" وقال له في حنق: "فما بالك معنا"...؟
قاعد معانا ليه طيب.. ما تمشي وتفارقنا؟ فبيرد عليه "عبد الله".. "إن أبي - عمرو بن العاص يعني - شكاني إلى رسول الله ﷺ ذات مرة، فقال لي: أطع أباك مادام حيًا ولا تعصه".
وبيختتم كلامه في حسم قاطع: "فأنا معكم.. ولست أقاتل". وفي طبقات بن سعد، ذكر أنه قال لاحقًا:
"مالي ولصفِّين، مالي ولقتال المسلمين؟ لوددت أني مت قبله بعشر سنين.. أما والله ـ على ذلك ـ ما ضربت بسيف، ولا طعنت برمح، ولا رميت بسهم"...
وفي يوم الأربعاء الموافق 1 صفر سنة 37 هجرية، الموافق 18 يونيو، سنة 657 ميلادية، بيتمركز الجيشين أمام بعضهما البعض.. جيش "علي" رضي الله عنه، وقوامه 135 ألف، وجيش معاوية وقوامه 133 ألف.. قريبين من بعض في كل شيء.. في القوة والعدد والعتاد.
وبعدين بيتقدم "الأشتر النخعي" على رأس كتيبة فرسان، وبيتقدم له من جيش "معاوية" على رأس كتيبة مماثلة " حبيب بن مسلمة"...
وبيبدأ القتال ويتوقف التاريخ عشان يرسم لنا الملامح الأولى لأول حرب أهلية حقيقية.. تحصل من بعد وفاة الرسول.. واللي حتستمر لتسع أيام متواصلة.. وصف اللي حصل فيهم يطول.. فنكمل كلامنا عنه لاحقًا.
ويبقى لقصتنا عن معركة صفين.. بقية.
-------------
منشورات سابقة:
-------------
1 - http://bit.ly/2Rm5tBs
2 - http://bit.ly/2RACrOV
3 - http://bit.ly/2NeseJs
4 - http://bit.ly/2XoDruI
5 - http://bit.ly/2IAYulr
6 - http://bit.ly/2IYrjHm
7 - http://bit.ly/2IKnM0s
8 - http://bit.ly/2FBavFz
9 - http://bit.ly/2YkwqIt
10 - http://bit.ly/2JbJqdh