يبدو إن "هنتر" قضى ليلة تلو الأخرى ساهرًا مع العشرات من أقداح القهوة ودخان التبغ الرمادي، وهو بيحاول يحط إيده على الخيوط اللي يمسك بيها موضوع "غسيل المخ Brainwashing"..

"المخابرات المركزية الأمريكية Central Intelligence Agency" بتهتم بالموضوع وتديله صلاحيات كتير أوي.. و بتبدأ برنامج اسمه "إم كيه ألترا Project MKUltra"..

البرنامج دا بيهدف لتطوير تقنيات تقدر بيها المخابرات الأمريكية تسيطر على العقول..

أي عقول..

بيبدأ البرنامج مع شعبة المخابرات العلمية الأمريكية وبيستعينوا فيه بسلاح الحرب البيولوجية بالجيش الأمريكي.. و بيبدأوا حفلات تعذيب و تجارب على أسراهم و سجنائهم من البشر.. من حقن مخدرات لتعذيب لزن وإلحاح لاعتداء جنسي..

البرنامج دا شمل الأطفال من 5 إلي 10 سنوات.. و كان بيعرضهم للمخدرات وعقاقير الهلوسة والإلحاح والإهانات والتعذيب والكهرباء والاعتداء الجنسي بمنتهى الأريحية، زي ما انت شايف في الصورة اللي مع البوست دا..

من الناس الل انخرطت في المشروع دا بروفسيور اسمه "دونالد كاميرون Donald Ewen Cameron".. اللي في الصورة دا.. كان بيكهرب المرضى بدون مخدر، و يركب لهم سماعات مايقدروش يخلعوها، تسمع لهم جملة واحدة طول النهار والليل.. ويعذبهم بالعقاقير، لدرجة إنه اتسبب في جنون دائم لما يقرب من 3000 مواطن كندي، بعض التقديرات بتقول إنهم 10000، أثناء أبحاثه اللي مولتها المخابرات المركزية عن بعد..

إزاي نعدم الإرادة، و نقتل المنطق، ونزرع في الأدمغة اللي احنا عايزينه..؟ دا السؤال اللي كان يساوي كنوز الدنيا وقتها بالنسبة للمخابرات الأمريكية..

"باتي هيرست" و قضيتها مكانوش لسه ظهروا على الساحة، لأن البرنامج ظهر مع تداعيات الحرب الكورية، سنة 1953.. بينما كانت "باتريشيا" في 16 مايو سنة 1974، بتتعرض لصدفة غريبة، وصلت السلطات لأول الخيوط اللي تخليهم يوصلوا ليها..

في التاريخ دا كان اتنين من أعضاء جيش التحرير التكافلي، وهم "ويليام هاريس William Harris" وزوجته "إيميلي هاريس Emily Harris" بيتفرجوا على البضاعة في محل ملابس وأدوات رياضية.. لما ويليام سرق بعض البضائع الخفيفة وحشرها في جيبه لسبب مش مفهوم.. لكن يبدو إنه كان معتاد للسرقة و بتحسسه نفسيًا إنه أفضل..

وهم خارجين من المحل بيخرج وراهم مدير المحل و موظفة، و بيتهمه إنه سرق بعض الأشياء، بتنشب مشاجرة، و بيفاجأ مدير المحل بباتريشيا مستنياهم قدام المحل في عربية.. و بتلتقط مسدس و تفرغ خزنته بالكامل حوالين المدير والموظفة، و بتضطرهم للاختباء لحد ما بيركب ويليام ومراته.. و بيهربوا..

بس المرة دي في منطقة ممكن تتمشط.. ورقم ومواصفات سيارة..

بالتالي، تاني يوم، 17 مايو 1974، بيوصل البوليس للقاعدة اللي مستخبي فيها أفراد جيش التحرير التكافلي.. وبيهجموا عليها، بس بيفاجئوا بمقاومة شرسة عنيفة للغاية، بيموت فيه ستة من المجرمين و بيهرب الباقين..

أما "باتريشيا".. فمكانش لها أي أثر..

بيخرج والدها على الملأ و بيعلن إنه خايف تكون الشرطة قتلتها كنوع من الانتقام.. بس "باتي" بتبعت لهم شريط مسجل آخر إنها هربت مع "أصدقائها"...

بتتطور "باتريشيا" جدا.. و بتبدأ تستغل انها متعلمة و بتقرا كتب و بتبدأ تعمل لهم مفرقعات، بتنفجر في عدة أماكن.. وتقتل و تؤذي رجال شرطة ومدنيين..

لاحقًا بعد القبض عليها "باتريشيا" أهلها مابيصدقوش إنها صنعت متفجرات.. بس البوليس كان عنده بصماتها على متفجر مانفجرش.. قدروا يفككوه.. وبالتالي مفيش أي داعي للإنكار..

بيفضلوا يطاردوها ويضيقوا الخناق حول الجيش التكافلي، لحد ما بيتم القبض عليها في 18 سبتمبر 1975.. ووقتها بتقرر لهم باتريشيا إنها "بطلة حروب عصابات المدن".. و بتهاجم النظام الأمريكي و بتمجد في اليسار.. كانت تقريبا مبتاكلش لأن الأكل دا "من المتع الرأسمالية البرجوازية" و كان وزنها تقريبا 40 كيلو..

نظراتها الجامدة الخالية من التعبير وكلامها الخشبي المتكرر اللامنطقي، بيقلق المحققين، فبيجيبولها الطبيبة النفسية "د. مارجريت سنجر Dr. Margaret Singer".. اللي بتقعد معاها كذا مرة.. و بتعلن لهم حقيقة غريبة..

إن معدل ذكاء "باتريشيا" اتدهور لدرجة مروعة عن المعتاد والمعروف و اللي حملته ملفاتها الدراسية والطبية طول عمرها.

اتدهور لدرجة عجيبة، وصفته د. مارجريت بأنه أقرب لذكاء الحشرات.. اللي ماتعرفش التفكير ولا العقل، و بتحركها بس شوية غرائز..

لكن حتى غرائز باتريشيا كانت بعيدة عن الغرائز البشرية العادية، فمكانتش بتهتم بالأكل أو غيره..

بس بقضية الجيش التكافلي..

اللي اتزرع في عقلها خلاها.. طبقًا لدكتورة مارجريت.. أشبه بالزومبي..

بيعلن دفاعها إنها اتعرضت لغسيل مخ عنيف، من قبل أعضاء الجيش التكافلي.. أفقدها القدرة على التمييز.. بس لحسن الحظ إن مفيش محاكم بتقبل أعذار قانونية من طراز "الذكاء المنخفض وعقلية الزومبي وغسيل المخ".. فتم اعتبار "باتريشيا" لائقة للمحاكمة واتقدمت للعدالة..

هنا حصل شيء غريب..

طبعا أهلها كانوا من كبار رجال الإعلام.. زي ما قلنا.. ففوجيء الجميع إن وسائل الإعلام بتشير إلي الواقعة بـ "انقاذ باتي هيرست".. مش "القبض علي باتريشيا هيرست.."

كأنها، بعدما سرقت وقتلت وزرعت متفجرات؛ هي الضحية.. مش المجرم..

الأسوأ إنه بتخرج مظاهرات - من نفس الناس اللي كانت باتي بتزرع متفجرات عشان تقتلهم - يطالبوا بحريتها...!

الرأي العام بيتأثر بشدة، و دا بيثير قلق وتوتر بالغين لدى السلطات..

كده بقى أي مجرم.. يطلع يقول أنا مخي كان مغسول.. بدعم الإعلام.. يقدر يضم الشارع لصفه.. و يخليهم يتبنوا قضيته..

ودي كارثة مرعبة بالفعل..

القاضي "أوليفر كارتر Oliver Jesse Carter" بيستقبل المظاهرات خارج المحكمة في برود.. و بيحكم علي "باتي" بأقصى عقوبة ممكنة.. 35 سنة سجن.. لكن مع وفاة القاضي دا، بيخفضوا الحكم لسبع سنين..

وفي النهاية، بيستجيب الرئيس الأمريكي كارتر للرأي العام، و بيخفض الحكم إلي 22 شهر..

"باتي" خضعت لجلسات علاج نفسي نكثفة في السجن، ابتدت تسترجع معها طبيعتها، وقالت انها اتعرضت للتعذيب والإلحاح بشكل مستمر..

قصة "باتي" خلت الخبراء يدرسوا بالفعل فكرة "غسيل الدماغ" كدفاع قانوني محتمل.. بس دا مانفعش بسبب رجل الدين المسيحي الأب "فرانسيس لوكا Fr. Francis Luca"..

و دا نتكلم عنه لاحقًا، ويبقى للحديث بقية..

----------

مراجع:

----------

1 - منشورات سابقة:

https://www.facebook.com/hammouda.m.hammouda/posts/2006299959382753

-

https://www.facebook.com/hammouda.m.hammouda/posts/2006698239342925

-https://www.facebook.com/hammouda.m.hammouda/posts/2007754199237329

2 - Commire, Anne; Klezmer, Deborah (2000). Women in World History. 7. Yorkin Publications.

3 - Brainwashing: The Science of Thought Control

Book - Kathleen Taylor.

4 - Collins, Anne (1998) [1988]. In the Sleep Room: The Story of CIA Brainwashing Experiments in Canada. Toronto: Key Porter Books. pp. 39, 42–43, 133.

5 - McCoy, Alfred (2006). A Question of Torture: CIA Interrogation from the Cold War to the War on Terror.