لما نتكلم عن غسيل الدماغ لازم نذكر حالتين لاثنين من رجال الدين المسيحي.. الأب "سيمون" والأب "لوكا"..
كلا من الأب "سيمون" و "لوكا" كانوا في الصين.. وقضوا في الصين فترة طويلة.. وحبوا المجتمع الصيني واتأثروا بيه في نمط حياتهم وأسلوبهم.. لحد ما اتقبض عليهم مع آخرين بتهمة محاربة المباديء الشيوعية..
الأب سيمون بيتحط في زنزانة مع مجموعة أفراد.. السلطات الصينية قالتلهم إنهم لو ساعدوهم في غسيل دماغه، حيتم إطلاق سراحهم.. واتعلموا الطريقة وبدأت اللعبة..
في البداية حرموا الأب "سيمون" من النوم.. وبدأوا يضربوه ويهينوه.. وبعدين بدأ كل ما يتكلم يتهكموا على كلامه، ويسفهوا منه، عن طريق السخرية والنكتة والألشة..
مع مرور الوقت، و مع طوفان من المشاعر السلبية دي.. الأب سيمون بيبقى شيوعي بالفعل.. لدرجة إنه لما بيتحرر ويرجع وطنه، بيفضل معتنق للشيوعية.. و ينتقد آباء الكنيسة، بسبب آراءهم المضادة للشيوعية.. الأب "سيمون" بيفضل كده على طول.. مابيتغيرش تاني.. ودا بيحزن كل اللي حواليه.. بس للأسف خلاص.. وصل لنقطة اللارجعة..
بالضبط زي الشاب العادي.. اللي بيروح معاك الجامعة و الجيم وفجأة يتحول داعشي.. وبيفضل مصمم على دا.. مهما حاولت تقنعه بالعكس..
نقطة اللارجعة.. وذكاء حشري.. وتصرفات أشبه بالزومبي.. وفقدان تام للمنطق..
لكن الحالة اللي كانت جديرة بالدراسة كانت حالة الأب "فرانسيس لوكا"..
الأب "لوكا" من البداية ناقش الشيوعييين وجادلهم كتير، طبعًا ضربوه ورموه في السجن.. وقدموه لمجموعة مساجين برضه، قالولهم إنهم لو صلحوا تفكيره، حيطلقوا سراحهم..
زي الأب "سيمون".. بدأ المساجين يرهقوا "لوكا" بأسئلة كتير حول معتقداته.. وكانوا بينتقدوا أي شيء يقوله ويسخروا منه وينكتوا عليه..
بس الأب "لوكا" متأثرش بالمعالجة دي.. فأضافوا أثقال إلي أغلاله، وبقى بيزحف تحت ثقلها طول الوقت.. أجبروه على الوقوف لأيام لدرجة إن قدميه أصابتهم قرح وبدأت تتعفن..
حرموه من النوم لأيام وحطوه في حبس أرضيته مليانة مياه مجاري.. بس "لوكا" فضل علي موقفه.. واستحمل المعاملة دي لشهر كمان.. وبعدين رمى للصينيين اعتراف مزيف مفبرك.. إنه بيكره النظم الأمريكية ويفضل النظام الشيوعي..
لأن كلامه كان معظمه مرتجل.. ماعرفش يعيد اعترافه مرة تانية قدام القاضي الصيني.. فضربوه لحد ما تحطم ظهره، والطبيب الي فحصه قال إن عموده الفقري اصيب بكسور.. بس حبله الشوكي سليم.. لكن مش حيقدر يمشي قبل سنة..
خلال السنة دي كان راقد في زنزانته.. بيخضع برضه للسخرية والتسفيه و الألش من المساجين اللي معاه..
بعدها قرر لهم انه حيصور لهم فيديو وهو بيرفض المباديء المسيحية وبيمجد المباديء الشيوعية..
بيعمل كده بالفعل.. فبيطلقوا سراحه ويطردوه من الصين..
بيرجع الأب لوكا، وبيكتشف زمايله و السلطات الكنسية إنه مخه ماتغسلش..
"لوكا" زي ماهو محافظ على مبادئه.. وقدر يتحدى الشيوعين، ويصمد أمام طرقهم لغسيل المخ لأكتر من عام ونصف.. وبعدها خدعهم.. لحد ما أطلقوا سراحه..
وهنا ظهر سؤال حيوي..
إشمعني "لوكا" اتحمل الف مرة أد اللي تعرض له "سيمون".. ومع ذلك.. فشل "سيمون" واتحول.. و"لوكا" لا؟
إزاي الأب "لوكا" صمد قصاد حفلات التعذيب الرهيبة.. والسخرية والتسفيه طول الوقت.. و الضرب و التعذيب والألم؟
وخضع الرجلين للدراسة والفحص.. وبعدين أعلن العلماء الحقيقة..
إن عقلية الأب "فرانسيس لوكا" في الواقع كانت أكثر تطورًا بمراحل من الأب "سيمون"..
صحيح إن كلاهما كان شديد التدين. طيب القلب.. وبيحب الصين وأهلها.. بس "لوكا" كان أكثر ذكاء وثقافة.. وكان واسع الإطلاع.. ثقافته عالية للغاية.. بيقرا في كل شيء تقريبًا.. ويعرف شيء عن كل شيء..
ودا انعكس على شخصيته..
كانت شخصية مرنة، ذكية، عملية في موضع العمل.. وعاطفية في موضع العاطفة.. بيفكر قبل ما يتكلم.. مشاعره بتتدفق بحساب في مكانها الصحيح.. ومحدش بيشوفه في أي وقت إلا وفي كتاب في يده..
ودا جعله غير قابل لغسيل دماغه..
عقله كان قوي.. محاط بأسوار من تراث وثقافة، قدروا يحموه..
أما الأب "سيمون" فكان على النقيض.. مبيقراش أي شيء تقريبا الا الكتب المقدسة.. عاطفي جدا وشخصيته غير مرنة.. وتفكيره متعصب أحادي من طراز "الكل أو لا شيء"..
بالتالي كان عقل "سيمون" بلا أي تراث ثقافي.. فوقع فريسة سهلة لغسيل المخ..
الطبيب النفسي الشرعي "ديك أنطوني Dick Anthony" بيقول: "إن محدش يقدر ينكر إن معالجات زي دي - السخرية طول الوقت والرفض و الإهانة والتعذيب - ممكن تؤثر على بعض الأشخاص.. لكن في أشخاص آخرين أقوى من المعالجات دي.."
لاحظ دايما في قلب محاولات الاستقطاب، النكتة والسخرية سلاح مهم.. فلو سخرت مثلا من وزير معين طول الوقت.. ولو قدرت تستقطب الأغلبية تشاركك السخرية دي.. .. ممكن يستقيل..
ولو فضلت تسخر من كاتب طول الوقت ممكن يتوقف عن الكتابة..
علشان كده معظم الوقت بتلاقي موضوعات عملية وعلمية بتطرح.. وفي موظفين قاعدين على الإنترنت.. بيشغلهم شخص أو جهة ذات مصلحة.. هدفهم يسخروا منها وحسب..
ودا بيقع فيه كثير من ضعاف العقول.. لأن مش كل الناس زي الأب "لوكا"..
علشان كده الأطفال هدف سهل.. لأن الطفل مبيبقاش عنده تراث عقلي يحميه..
ولأن الطفل بيلجأ لأبويه للسؤال، فمن الأفضل انهم يبقوا مش فاضيين له.. ميحاوبوش تساؤلاته.. بيدوروا في ساقية عشان يوفروا له سبل الحياة.. معندهمش وقت لأسئلته الوجودية..
او تبقى أمخاخهم مغسولة أصلا هم كمان..
دا يطلع لنا جيل من الزومبي.. نقدر نحارب بيه المجتمع اللي هم اتولدوا فيه و نفككه و نحطمه عند الضرورة..
بالطريقة دي نشأ جيل في غفلة من الزمن.. قرر يرفع السلاح على بلاده عشان شايف دي حرية..
ومين بيرفع السلاح على دولة معينة إلا عدوها؟
هو بالفعل بقى عدوها.. أو بمعنى أدق.. زي ما قال "هنتر" جيش من الزومبي.. كل واحد مزروع في مخه "خائن"..
خائن له هو نفسه.. بيدفعه للهلاك.. خائن لبلده.. خائن لأهله ولكل القيم الجميلة.. شايف القتل معارضة وحرية..
علشان كده بتلاقي عن الجماعات الإرهابية السمع والطاعة واجبين.. و التفكير حرام..
متسألش ولا تفكر.. وإلا تخرج من السيطرة دي..
طيب لو فكرت وبدأت تفوق؟
النهاردة أصبح التعذيب غير مجدي ومش متاح.. لكن السخرية سلاح كويس..
السخرية و الاستهزاء أسلحة كويسة.. قابلة للاستخدام، مع طريقة أخرى لاستقطاب ضعاف العقول..
الإلحاح..
ودا بيتم عن طريق سبل كتير.. من بينها الإعلام.. اللي بيعتبر من أهم طرق غسيل المخ..
ودا نكمل كلام عنه المرة القادمة...
ويبقى للحديث بقية..
----------
مراجع:
----------
1 - منشورات سابقة:
https://www.facebook.com/hammouda.m.hammouda/posts/2006299959382753
-
https://www.facebook.com/hammouda.m.hammouda/posts/2006698239342925
-https://www.facebook.com/hammouda.m.hammouda/posts/2007754199237329
- https://www.facebook.com/hammouda.m.hammouda/posts/2010312918981457
2 - Commire, Anne; Klezmer, Deborah (2000). Women in World History. 7. Yorkin Publications.
3 - Brainwashing: The Science of Thought Control
Book - Kathleen Taylor.