في رجل مخابرات أمريكي اسمه "إدوارد هنتر Edward Hunter"، خرج علينا بمصطلح جديد صكه للمرة الأولى سنة 1953، اسمه "غسيل الدماغ Brainwashing"..

اللي ألهم "هنتر" بالمصطلح دا كانت الحرب..

الحرب دي مكانتش الحرب العالمية الثانية زي ما ممكن تتصور.. لا.. دي كانت الحرب الكورية.. الناس أطلقوا التسمية دي بأثر رجعي بعدما عرفوها على بروباجندا النازي، بس هو خرج من أتون الحرب الكورية مش الحرب العالمية.. لما غزت كوريا الشمالية - بدعم من الصين - كوريا الجنوبية..

الأمم المتحدة عملت تحالف و بقت بتبعت قوات متعددة الجنسيات، القسم الأكبر منهم كان أمريكيين.. بما إن أمريكا كانت أكبر مشارك في التحالف ده، بعدما كشرت عن أنيابها كقوة جديدة منفردة على الساحة العالمية، و بقت بتحشر نفسها في أي مصيبة على ظهر الكوكب..

"هنتر" لاحظ إن الأسرى اللي بيُطلق سراحها من قبضة الكوريين الشماليين، بيرجعوا و هم متغيرين بشكل غريب..

بمعنى آخر.. اتحولوا إلي شيوعيين..

الحكومة الأمريكية أسندت للأخ "هنتر" دراسة الجنود "العائدين من الأسر" دول و استجوابهم و فحصهم..

وبدأ "هنتر" يشوف شغله..

في البداية اتصور "هنتر" إن دي ردة فعل طبيعية للأهوال اللي شافوها في الأسر الكوري.. خصوصًا إنه من الشائع إن السجين يمجد سجانيه، أو يتظاهر باعتناق افكارهم، عشان يحصل على رضاهم ومزايا أفضل في السجن، أو عشان يحصل على ثقتهم.. و يقدر يهرب لاحقا.. واتصور انها فترة حيستمروا فيها لأيام بالقصور الذاتي، و يرجعوا طبيعيين..

لما لقاهم مصرين عن الفكر الشيوعي، رجع و استعان بالطب النفسي، وقرر إنه من المحتمل إنهم بيعانوا من "إضطراب ما بعد الصدمة post traumatic stress disorder"..

استمرت المقابلات و الاستجوابات بلطف وهدوء مع محاولة استمالة الأسرى، باعتبارهم بيعانوا من الصدمة، و التودد لهم بسجائر غالية أو مشروبات تعجبهم.. لكن اللي حصل هو إن الأسرى بصوا للمجاملات دي على إنها "أشياء برجوازية رأسمالية حقيرة".. ورفضوها تماما..

الأسوأ إن بعضهم راح ينفي تماما إنه اتعرض للتعذيب أو الأسر من الأساس في السجون الكورية.. و يؤكد في صرامة، على إنه كان هناك برضاه، و بيتمنى العودة مرة أخرى للحياة وسط "رفاقه"..!

وهنا؛ اصيب "هنتر" بالهلع، فحمل أوراقه و تسجيلاته، و انطلق إلي قادته بالنتايج الجديدة..

و فوجيء الجميع إن الاسرى العائدين دول اتحولوا لشيوعيين متعصبين بالفعل..

شيوعيين على خطى أرباب الشيوعية الماوية.. وأحيانًا أشد تعصبًا من الشيوعيين الاصليين.. اللي بيعتنقوا الفكر دا طول عمرهم..

"هنتر" بيقول لاحقًا.. إنه فوجيء بكلام الأسرى دول، و كأنه، حسب وصف "هنتر" حرفيًا:

"كلام خشبي جامد عجيب.. كأنه كلام لشخص بلا مشاعر، مسجل على اسطوانة، بيعيد نفسه و يكرر أفكار مسجلة.. من غير تعديل أو توقف.. و كأن الشخص تحت إكراه هائل إنه يرددد كلام و يكرره و يسترسل فيه، حتى لو بدا غير منطقي أو سخيف للناس العادية الطبيعية"..

دا لدرجة إن في واحد منهم كان مقيد بالجنازير إلي حائط، و الجنود الكوريين بيضربوه باستمرار.. قال في برود، إنه مكانش مقيد.. و الموقف دا محصلش من الأساس..

رجع الخبراء و قعدوا مع "هنتر" و اتصوروها حالة جديدة لاضطراب ممكن نسميه "جنون الحرب".. خصوصًا إن في إشارة لذلك في الكتاب المقدس بسفر القضاة، عن جيش مهزوم اصابه الجنون والهياج.. بالإضافة لأن شكسبير أشار إلي نفس الموضوع في كتاباته..

و دا سرب فكرة وجود حالة زي دي في الواقع للوجدان الجمعي البشري.. فليه لأ؟

ليه مايكونش في حالة طبية حقيقية كده؟

بس العلماء مع "هنتر" اكتشفوا ان الموضوع مش كده إطلاقًا..

الاسرى دول كانوا طبيعيين منطقيين في كل تصرفاتهم و شؤون حياتهم، لحد ما بتيجي عند الأفكار اللي بيعتنقوها..

خصوصًا إنها افكار غبية تمامًا.. لامنطقية لدرجة رهيبة.. مش طبيعية عادية..

ورجع الخبراء يدرسوا الموضوع و يبحثوه عشرات المرات.. و في النهاية استسلموا لرأي "هنتر"..

الناس دي خضعت لعملية ما، اتسببت في مسخ هويهم و أفكارهم ووطنيتهم، ويبدو انها كانت عملية معقدة وناجحة للغاية، خصوصا مع الهوس و الرعب الأمريكي وقتها من "الفكر الشيوعي".. و اللي كان مزروع في أعماق كل الأمريكيين تقريبا.. مع القيم الأمريكية و الحلم الأمريكي بريادة الاعلم والتفوق..

إذن في معالجة ما، بارعة للغاية، مركزة رهيبة.. خلخلت كل الأفكار دي..

تخيل إن ابنك، بنتك، زوجك.. تلاقيه جاي لك ذات يوم.. و بيقولك في برود بنظرة زجاجية.. إنه مايعرفكش وأول مرة يشوفك.. و إنك مش قريبه و انه بيحتقرك.. و إن أهله هم عائلة "يلمظ" في تركيا مثلا.. و إنك عدو خائن يجب قتلك.. ولما ناقشته فضل يكرر نفس الكلام.. و يردده كأنه جهاز كاسيت.. و في الآخر رفع عليك سكينة و قرر يقتلك..

شيء مرعب..

معالجة معينة مش مفهومة.. زي ما قال عنها "هنتر" حرفيًا: "زرعت خائن جوا جمجمة الأسير"..

خلته مش معترف بوطنه، فاقد لهويته، مشوش المفاهيم.. و متجه بكل جوارحه إلي العدو، ومرتمي في احضانه.. باعتباره هو الوطن..

الوطن أصبح عدو.. و العدو أصبح هو الوطن..

إزاي دا حصل؟ و إيه المعالجة دي و طرقها و كيفية التصدي لها؟

دا نكمل كلام عنه لاحقًا.. و يبقى للحديث بقية..

-----------

مراجع:

-----------

1 - Edward Hunter: Brainwashing: The Story of Men Who Defied It.

2 - Lifton, Robert J. (1961). Thought Reform and the Psychology of Totalism: A Study of "Brainwashing" in China.

3 - Lifton, Robert J. (2000). Destroying the World to Save It: Aum Shinrikyo, Apocalyptic Violence, and the New Global Terrorism.

4 - Taylor, Kathleen (2004). Brainwashing: The Science of Thought Control.