لا زلنا مكملين مع رجل المخابرات الأمريكي "هنتر".. اللي صك لنا مصطلح "غسيل المخ Brainwashing"..

الولايات المتحدة، 1973 إلي 1975.. ومجموعة بتشن نوع من أنواع الحروب على أمريكا.. نوع كان - ولا يزال - واحد من أصعب أنواع الحروب في التاريخ، وأطولها أمدًا.. وأكثرها إنهاكًا لأي دولة، مهما بلغت قوتها..

"حرب العصابات Guerrilla warfare"..

حرب العصابات اللي مبتعرفش فيها عدوك من صديقك.. وبتشتري أصيص ورد من بائع الزهور تحت بيتك علشان تحطه في شرفة بيتك.. بيديلك الورد و يبتسم لك.. وانت مش عارف انه أحد مقاتلي التنظيم.. وإنه حيلبس قناع ويخرج بالليل يقصف شرفتك نفسها بالآر بي جي.. وفي الصباح التالي حيكون في محله في هدوء.. ويمكن يربت على كتفك كمان.. ويبكي معاك على أهلك اللي فقدتهم في الهجوم اللي هو عمله..

جماعات منفرطة بتقاتل بشكل مفاجيء.. بيعتمدوا على الأكمنة والهجوم المباغت..

الولايات المتحدة في الفترة دي قابلت مجموعة إرهابية من دول.. اسمها "جيش التحرير التكافلي Symbionese Liberation Army".. روعت الدولة الأمريكية فيما بين الأعوام 1973 و 1975..

طبعًا ممكن تتساءل.. إزاي حروب العصابات طويلة الأمد وهي حرب استمرت سنتين بس؟

نسبة وتناسب؛ حتدرك إن دي مدة طويلة جدا، لما تعرف إن "جيش التحرير" دا.. كان مكون من 12 فرد فقط لا غير.. يعني أقل من عدد لاعبي فريق كورة.. وقبل القبض عليهم كانوا وصلوا 21 فرد..

21 فرد، ضد الولايات المتحدة!

والجيش دا أعلن نفسه "كجيش طليعي ثوري".. أسسه واحد صايع اسمه "دونالد ديفريز Donald DeFreeze" كان بيقضي عقوبة في السجن عشان كان معتاد الإجرام.. يسرق قنبلة غاز من شرطي ويجري.. يضرب نار في بيت.. ومرة احتجز مربية.. إلخ..

في السجن اكتشف بغتة انه يساري.. وإن الولايات المتحدة فيها ظلم وقمع.. وإنه لازم يحرر "العبيد" اللي فيها.. فأسس الجيش دا أول ما قضى العقوبة وخرج..

ايه علاقة الراجل دا بغسيل المخ؟ الراجل دا في السجن قرا كتير جدا.. واكتشف طريقة لغسيل الدماغ ابتكرها الصينيين من زمن بعيد جدا.. يمكن قبل الميلاد..

الصينيين كانوا بيعملوا تقنية لغسيل الدماغ بالتعذيب، بس بطريقة متطورة شوية.. وانت سجين عندهم.. بيقدموالك فريقين من الحراس.. فريق بيعذبك.. ويحرمك من الأكل والنوم و يحط راسك في برميل مياه مثلا لحد ما تشرف على الغرق..

وفجأة يظهر لك واحد من الفريق التاني.. "إيه يا جماعة اللي بتعملوه دا؟ دا إنسان محترم وله علينا حق الإحترام.." يطرد اللي بيعذبوك.. و يقدملك أكل و يوفر لك راحة و يرضيك ويمشي..

لما يمشى.. بعد شوية راحة.. يرجعوا الأولانيين يعذبوك تاني.. وبعد شوية لما توشك على الإنهيار.. يظهروا فجأة المجموعة التانية.. و يطردوهم.. ويعتنوا بيك يراضوك..

مع الوقت تلقائيًا من غير ما تشعر.. أنت "بتحب" أعضاء المجموعة التانية...

بتحبهم و ترتاح لهم و تحكي لهم و بالتدريج بيبقوا صحابك.. وساعتها.. بتلاقي نفسك بدون ما تحس بتعتنق قضيتهم..

الولايات المتحدة بتعتنق الطريقة دي في التحقيقات بتاعتها وبيسموها "الشرطي الطيب و الشرطي الشرير Good cop \ bad cop".

المهم بيحقق معاك شرطي عنيف عدواني بيزعق و يهدد ويمكن يضربك.. وييجي زميله فجأة يطرده ويططب عليك و يجيبلك دونتس وقهوة و علبة سجاير.. طريقة التحقيق دي ليها أبعاد سيكولوجية تانية.. مش محل الكلام عنها هنا.. بس هي تصلح كمثال على شغل الصينين القديم، الأكثر عنفًا وتطرفًا..

المهم مرة، في 4 فبراير سنة 1974.. جيش التحرير التكافلي دا اقتحم منزل حفيدة تايكون الإعلام الأمريكي "باتريشيا هيرست Patricia Campbell Hearst".. وخطفوها..

"باتريشيا" ثرية من أسرة ثرية ودخلت الجامعة على نفقة أهلها مش بمنحة دراسية - وهو أمر في الولايات المتحدة لو تعلمون عظيم - تدرس تاريخ الفن.. وكانت هانئة مدللة.. مشافتش جوع ولا ظلم ولا تعب في حياتها..

خطفوها وطلبوا فدية ضخمة بمقاييس الوقت دا.. و منحة غذائية بملايين الدولارات.. والإفراج عن 2 من أعضاء التنظيم كان مقبوض عليهم..

الشرطة الأمريكية وقفت على رجل، بس ماعرفوش يوصلوا لمكانها و لا لخطافيها.. لحد 3 إبريل من العام نفسه، لما فوجئوا بتسجيل صوتي مرسل على شريط كاسيت من بنتهم المخطوفة.. بتعلن فيه بمنتهي الحزم.. إنها انضمت إلي "جيش التحرير التكافلي"...!

الجميع - بما فيهم الشرطة - بيعتقدوا إنها مجبرة على الكلام دا.. لحد ما بتظهر على شريط فيديو التقطته كاميرات بنك.. اقتحمه و سرقه اعضاء جيش التحرير، وكانت "باتريشيا" بتسرق معاهم، شايلة بندقية اقتحام من طراز "إم 1 كاربين M1 carbine"..

المصيبة إنه في العملية دي حصل تبادل لإطلاق النار، واتقتل خمسة من رجال الشرطة الأمريكية.. ممكن في أمريكا تمشي بلبوص وتشتم أبوك وأمك والرب و الأنبياء وتسكر لحد ما تفقد وعيك ومسموحلك بمخدرات معينة كمان تتعاطاها.. بس الإعتداء على رجل أمن هو أم الكبائر.. وحتشوف ساعتها اللي ماشفتوش في كوابيسك..

مخك بقى مغسول.. مكوي.. مايشغلهمش في حاجة.. الاعتداء على رجل أمن ضرب من الانتحار..

هنا الموضوع بالتالي خد منحنى جديد.. "باتريشيا" الرقيقة.. "باتي" بقت عصبجية بتسرق البنوك بالسلاح.. طالبة الفنون الرقيقة بقت هجامة..

اهلها احتجوا وقالوا "دي أجبرت على دا".. بس مراجعة التسجيلات أثبتت العكس..

"باتي هيرست" اقتحمت البنك بدم بارد.. وضربت نار مع المعتدين على رجال الشرطة كمان.. وأعلن النائب العام الأمريكي وقتها "ويليام ساكسبي William B. Saxbe" إنها ارتكبت جريمتها عمدًا مع سبق الإصرار والترصد..

"باتريشيا" ما بقتش هي اللي يعرفوها..

زي ما يكون في عقلها كائن آخر..

حد غسل مخها وزرع في دماغها كائن آخر شرير..

كائن مخيف.. غير مرئي.. سيطر على تصرفاتها بشكل ما..

واتحولت "باتي" اللطيفة من ضحية بتسعى العدالة لإنقاذها، لطريدة للعدالة..

"باتي" بترتكب عدة جرائم أخرى مع جيش التحرير التكافلي، وبتبدو متمرسة للغاية في الجريمة، صعب القبض عليها، لحد ما بتحصل حادثة بالصدفة البحتة في 16 مايو، سنة 1974، بتؤدي إلي تطور عنيف في قضيتها.. و بتخلي السلطات تمسك أول خيوط غسيل المخ المخيف الي اتعرضت له..

ودا نحكيه لاحقًا، ويبقي للحديث بقية..

----------

مراجع:

----------

1 - منشورات سابقة:

https://www.facebook.com/hammouda.m.hammouda/posts/2006299959382753

-

https://www.facebook.com/hammouda.m.hammouda/posts/2006698239342925

2 - Commire, Anne; Klezmer, Deborah (2000). Women in World History. 7. Yorkin Publications.

3 - Brainwashing: The Science of Thought Control

Book - Kathleen Taylor.