لسه مع عمليات المخابرات اللي غيرت مجرى الأحداث وشكلت تاريخ العالم بالشكل اللي إحنا فيه دلوقتي.. ومع رئيس وزراء انجلترا.. السير "وينستون ليونارد سبنسر تشرشل Sir Winston Leonard Spencer-Churchill".. اللي احنا نعرفه باسم "تشرشل".
مش كتير يعرفوا أن "تشرشل" كان صاحب مزاج شوية.. كان مدمن كحول.. وبيشرب صبح وضهر وعصر وليل.. حتى لما بقى رئيس وزراء، وعرضوا عليه يعالجوه من إدمان الكحول بشكل تدريجي، رفض. ساعات كان بيشرب بحيث بس يبقى متزن.. ومعظم الوقت بيشرب حتى الثمالة.
أوائل عام 1943 بعد ما نجحت قوات الحلفاء "بريطانيا وأمريكا والاتحاد السوفيتي" في هزيمة القوات النازية الألمانية في شمال إفريقية؛ وبدات تستعد لمرحلة قتال جديدة حاسمة في قلب أوروبا.
وبيقرر الأخ "تشرشل" يخطب في الناس، عشان يثير حماسهم.. فبيبلبع إزازة سبرتو.. بتخليه مش شايف قدامه.. وبعدين بيخرج يخطب في الجماهير العريضة، ويهتف فيهم إن "صقلية Sicily" هي أرض المعركة الجديدة للحلفاء اللي حتتقدم فيها ضد القوات النازية بإذن الله!
وارتجف حكام دول الحلفاء وقلوب قادة جيوشهم ذعرًا.. الحقيقة أن "تشرشل" تحت تاثير الكحول، أعلن عن خطة بالغة السرية لدول الحلفاء.. اللي كانت قررت تتوجه لاحقًا إلى صقلية بالفعل.
وانهالت الاتصالات على "تشرشل".. وانعقدت الاجتماعات واتفضت واتعقدت عشرات المرات.. وفي النهاية.. قرروا يغيروا خطة الهجوم.. ويتجهوا لليونان.
لكن "تشرشل" رفض هذا.. وقال لهم أن عنده خطة أفضل.. تحل المشكلة دي.. هو مكانش عنده خطة لسه.. بس بيلقي بالمهمة دي علي عاتق واحد من أخطر رجاله، الكاتب ورجل القانون والموسيقي وضابط المخابرات البحرية، كابتن "إيوين مونتاجيو Ewen Edward Samuel Montagu".. اللي لابس الكاب العسكري في الصورة.
وبدوره اجتمع "مونتاجيو" مع الملازم الجوي "تشارلز تشوملي Charles Cholmondeley".. اللي لابس نضارة في الصورة التانية.. و قعدوا خططوا ودرسوا.. و بعدين راحوا لتشرشل بفكرتهم...
يبدو إن اللي بيتقال عن تشرشل كان صحيح و إنه كان راجل جبلّة بارد فعلا.. لأنهم لما راحوا له كان مسترخي في السرير في منزله الريفي، بيشرب سيجار وزجاجة ويسكي.. فبدأوا يطرحوا عليه خطتهم، اللي أطلقوا عليها اسم كودي مميز. "عملية اللحم المفروم Operation Mincemeat".
وكانت الخطة معتمدة على خدعة في غاية البساطة.. هي إن الألمان مش حيصدقوا تصريح "تشرشل" في سهولة.. وحيبداوا يدرسوا احتمالية انها خدعة.. وعليه.. يجب أنهم يحركوهم في الاتجاه دا.. ويؤكدوا لهم دون أن يشعروا.. أنها خدعة.
الخطة باختصار.. جثة ميتة.. لشاب من قوات الحلفا.. تظهر علي ساحل من السواحل الخاضعة للقوات النازية، كأنها غرقت مع طيارة من طيران الحلفاء اللي بيتساقط طوال الوقت.. و مع الجثة مستندات مضللة، تخدع الألمان.. وتخليهم يقتنعوا تمامًا أن تصريح "تشرشل" كان خدعة.
وبدأ جهاز المخابرات الإنجليزي يعمل زي خلية النحل، عشان يضبط الخطة الجديدة دي. وبمساعدة طبيب علم الأمراض العبقري "برنارد سبيلزبري Sir Bernard Spilsbury".. اختاروا جثة لشاب عنده 34 سنة اسمه "جليندور ميكايل Glyndwr Michael" من ويلز.. وحيد مالوش أهل و لا معارف.. مات بعدما انتحر بسم فئران.
ابتدوا يشتغلوا في اتجاه تأكيد هوية الميت.. يعملوا له تاريخ ووجود.. فلبسوا الجثه بدلة ضابط بريطاني وسترة نجاة منفوخة مليانة هواء.. وحطوا في جيوب الجثة بطاقة عسكرية، تفيد أن صاحب الجثة هو "الرائد/ وليام مارتن Major William Bill Martin"، مع مبلغ مالي، وعلبة تبغ، وجزء من تذكرة دخول سينما في لندن.. ثم خطاب غرامي من فتاة مجهولة استخدموا لكتابته فتاة حقيقية، من المخابرات البريانية، عشان خبير الخطوط الألماني مايكشفش الفرق بين الخط الأنثوي والخط الرجولي.
وربطوا حقيبة خاصة حول معصمه بكلابشات.. ووضعوا بداخلها مستندات مزيفة.. وملأوا رئتيه بمياه البحر والطحالب.
وبعدين نقعوا جثة الشاب في مياه بحر حقيقية كذا يوم.. لحد ما دخلت في مراحل التحلل، فشالوها، وحفظوها في الثلج.
محتوى الحقيبة بقى الي ربطوها في يد جثة الشاب بكلابش.. كان عبارة عن مستندت ووثائق بالغة السرية، بتشير إن تشرشل لما قال تصريحه.. كان بينفذ جزء من خطة.. وإن الحلفاء بيخدعوا الألمان ومش حينزلوا في صقلية.. حينزلوا في اليونان أو بالتحديد ساردينيا.
وفي إبريل عام 1943 حملت غواصة بريطانية جثة ويليام محفوظة في الثلج.. و بعدين أخرجتها بالقرب من سواحل هولفا الاسبانية.. بعدما كان الخبراء الإنجليز حسبوا بدقة شديدة، التيارات البحرية حاتودي الجثة فين.
ووصلت الجثة إلي الساحل.. وتلقفها الصيادين الإسبان، اللي بلغوا السلطات، فحضرت القوات النازية فروًا.. وشافوا الحقيبة المثبتة في معصمها، فاخدوها إلى مقرهم.
كانت الشنطة لها أرقام سرية.. ودا كان نادر وقتها جدًا.. كمان كانت مزودة بنظام دفاعي خاص، يخلي فتحها عنوة يشغله، فينساب داخلها حمض قوي.. يتلف محتوياتها.
وبدأ خبراء المخابرات الألمانية يتحققوا من هوية الجثة.. فرحاوا من خلال جواسيسهم في أوروبا يتأكدوا من شخصية "ويليام".. و اتأكدوا - من تاريخه المزيف اللي عملته بريطانيا - إنه رائد في البحرية بالفعل.. ووصلوا إلي بلدته و راقبوا خطيبته "بام Pam".. اللي كانت عرفت المفروض بموت خطيبها وعاشت في حزن رهيب و بدأت تعاقر الخمر باستمرار.
و اطمّن الألمان للموضوع.. خصوصا بعد موضوع خطيبته دا.. من غير ما يعرفوا إن الخطيبة الحزينة "بام" دي كانت عميلة "المكتب الخامس البريطاني MI5" وقتها.. واسمها الحقيقي "نانسي جين ليزلي Nancy Jean Leslie".
وبيفتحوا الألمان الحقيبة، دون أن يتلفوا المستندات أو يبان أنهم فتحوها.. بيصوروا كل محتوياتها.. ويقفلوها من جديد.
وبتفضل إنجلترا تطالب إسبانيا في إلحاح بتسليم جثة ضابطها.. فبيسلم النازيون الجثة للإسبان.. بيرجعوها للإنجليز والشنطة مربوطة في معصمها وكأن محصلش حاجة.
وبتوصل الجثة إلى لندن، وعلى الفور بيفحصها "مونتاجيو" ورفيقه وإيديهم على قلوبهم.. وبعدين بيتنهدوا في ارتياح.
الألمان فتحوا الحقيبة بالفعل.. ومزقوا أثناء دا شعرة دقيقة.. زرعها "مونتاجيو" في ققل الحقيبة الرقمي.
وقرا الألمان الوثائق اللي بتقول إن الهجوم حايكون عبر اليونان.. واستعدوا بالفعل وحشدوا كل قواتهم هناك.. بينما "ويليام مارتن" بتتعمل له جنازة عسكرية مهيبة في إنجلترا ويتدفن كضابط جيش بالفعل.
وبيتأهب الألمان للهجوم في اليونان.. لكن الهجوم حصل في صقلية بالفعل.. زي ما قال تشرشل في خطابه.. ووقعت صقلية في إيد الحلفاء دون مقاومة تذكر.
بسبب العملية دي.. تجاهلت المخابرات الألمانية بعدها مستندات فائقة السرية لقوها في طائرة غارقة قرب نورماندي.. ومستندات أخرى عن أهداف مستقبلية، لقوها في جثة ضابط في هولندا.
والمشكلة أن المستندات المرة دي كانت حقيقية ومحتوياتها حقيقية.. بس لأن الحلفاء لما فقدوها.. أطلقوا شائعتين عبر جواسيسهم، انهم بصدد عمليتين خداع جديدتين زي "عملية اللحم المفروم".. الألمان وصلتهم الشائعات و تجاهلوا المستندات و الوثائق دي.. وكانت ممكن تغير مسار الحرب.
بعد تقاعده من العمل سنة 1950.. نشر "مونتاجيو" قصة "ويليام مارتن" في رواية "الرجل الذي لم يكن The Man Who Never Was".
سنة 1970 أصدر "مونتاجيو" كتابه الثاني "فوق مستوى السرية المطلقة Beyond Top Secret ULTRA".. اتكلم فيه باستفاضه عن بطولاته ودوره في العمليات السرية ومن ضمنها عملية "ويليام مارتن".
ظل "تشرشل" على إدمانه للكحول، حتى توفى بسكتة دماغية، في 24 يناير.. سنة 1965.. عن عمر يناهز 90 سنة.
العملية دي تختلف عن العملية اللي دخلت الولايات المتحدة الحرب بسببها.. اللي نبقى نتكلم عنها لاحقًا.
ويبقى للحديث بقية.
------
المنشورات السابقة أول تعليق.