لسه مع عمليات المخابرات اللي غيرت وجه العالم، والسفاح العثـماني "سليم".. بيسعى لغزو مصر، وإسقاط دولة المماليك، والسيطرة على الشرق الأوسط كله.

والحقيقة أن محاولة "سليم" مكانتش المحاولة الأولى لدولة السفاحين، القادمين من الشرق، بل حاولوا قبلها عدة مرات، وكانت القاهرة بتهزمهم وتذلّهم وتكسر أنفهم، مرة وراء مرة.

ووعى "سليم" الدرس وقرر اللجوء لسلاح جديد. سلاح الخيانة.

وبعملية مخابراتية ناجحة، قام "سليم" بتجنيد رجلين من قادة مماليك الشام، الخاضعة للدولة المصرية.

"خاير بك الشركسي" و"جان بردي الغزالي".

وحاول "سليم" شراء الأمير "سيباي" حاكم دمشق، لكن هذا الأخير، كان رجل شريف نزيه نظيف اليد، فسارع على الفور، بإبلاغ سلطان مصر، "الأشرف أبو النصر قنصوة الغوري".

ووصلت للسلطان "الغوري"، تفاصيل عملية "سليم" الاستخباراتية كاملة، وتجنيده للرجلين.. وخطته.

والعجيب أن السلطان "الغوري"، تجاهل المعلومات التي تلقاها تمامًا.

كانت المنافسة شديدة منذ البداية، بين "سيباي" و"خاير" وجان بردي"، فتصور "الغوري" أن "سيباي" يسعى فقط للوشاية بالرجلين، لإبعادهما عن الساحة.. فتجاهل الأمر برمته، في خطأ مروع قاتل، دفع فيما بعد ثمنه بالروع والدم، عندما شاهد دماء "سيباي" تسيل على تراب سوريا، ويسقط شهيدًا في ساحة القتال في "مرج دابق" في العام 1516، قبل أن يلحق به السلطان "الغوري" نفسه، على يد الغزاة العثمانيين، بعدما شاهد بعينيه "جان بردي" و"خاير" يقاتلان في صفوف الأعداء.

ثمن فادح، لم يدفعه "قنصوة" منفردًا.. دفعه الشرق الأوسط بأكمله، عندما خيمت على سمائه سحابة آل عثمان السوداء القاتمة، لما يقرب من خمسة قرون.

وتحت حكم "آل عثمان" الرشيد، غرقت مصر في ظلام دامس مخيف، وبعدما كانت تُطعم أقطار الأرض كلها، ساد فيها الجوع، وصار أهلها لا يجدون قوت يومهم، وبعدما كانت مثالًا للعدل، انتشر فيها الظلم.. وجاء الظلم معه بالجهل والعوز والألم والمرض.

وبعد أكثر من قرنين، في العام 1751.. بيبزغ نجم رجل من أقصى صعيد مصر، بيكوّن جيش صغير من الصعايدة، مسلحين بالشوم والعصي والسلاح الأبيض، وبيستقل بكامل الصعيد، عن الدولة العثمانية.. ويبدأ اسمه في الانتشار في أرجاء إمبراطورية آل عثمان، كمصدر للقلق والمشاكل والرعب.

"شيخ العرب همام بن يوسف أحمد".

ومع وعورة جبال الصعيد وأراضيه ووحدة وتجانس أهله، بتنهزم قوات الدولة العثمانية على يد "همام" مرة وراء مرة.. وبتهتز سمعتها، وتنحدر معنويات جيشها إلى الصفر، وتبدأ نيران الثورة تندلع ضدها في الجزائر والعراق ولبنان وحتى اليونان.

وبيكتشف العثمانيين أنه لا سبيل سوى اللجوء لعملية مخابراتية جديدة، يخترقوا بها صفوف محارب الصعيد القوي المخيف، فقاموا بتجنيد ابن عمه وصهره، "الشيخ اسماعيل".. في عملية ناجحة، انهزم على إثرها الشيخ "همام"، وتشتّت قوات الصعيد، وعاد إلى قبضة العثمانيين.

وفي قفزة لنصف قرن في المستقبل، للعام 1805، بيوصل عبر ميناء الإسكندرية رجل بسيط، اسمه "محمد علي".. بتخلب الإسكندرية لبه وتبهره وتسحره، وبينتقل للقاهرة، فبيزداد انبهاره وعشقه للأرض دي، وبيبدأ يكون خطة في أعماقه لحكمها، والاستقلال بها عن العثمانيين.

بيكون له ما أراد، لكنه بيعجز عن إيجاد مبرر لقتال الدولة العثمانية، والانفصال عنها، لحد العام 1831، لما بيرفض والي الشام العثماني تزويده بأخشاب طلبها لإصلاح الأسطول، ثم بيقوم والي عكا العثماني بإيواء 5000 فلاح مصري، هاربين من نظام التجنيد الإجباري.

وعلى أثر ذلك، بيصدر "محمد علي" أوامره لابنه على الفور، وفي فجر يوم 14 أكتوبر سنة 1831 ميلادية، الموافق 7 جمادى الأولى سنة 1247 هـجرية، بيتحرك الجيش المصري تحت قيادة ابن "محمد علي".. متجاوزًا الحدود المصرية؛ في حملة مكتملة القوى والأركان.. بلا أي نية في التراجع.. بدون إذن الدولة العثمانية ولا علمها.. لأول مرة منذ استشهاد البطل السلطان الأشرف "طومان باي".. منذ 314 سنة.. صوب فلسطين لاقتحام عكا وأسر واليها.

وابن "محمد علي" دا كان رجل عسكري، اتربى على القتال منذ نعومة أظفاره، وحفظ لنا التاريخ اسمه، كواحد من أبرع القادة العسكريين في العالم، منذ القرن التاسع عشر، وحتى يومنا هذا، وواحد من 44 قائد فقط، عبر تاريخ الأرض كلها، لم ينهزم في معركة قط.

"إبراهيم باشا المصري Ibrahim Pasha of Egypt".

بينطلق "إبراهيم باشا".. ويعبر الحدود، فبيتوجه له جيش عثماني ضخم هائل.. أي خروج على الدولة العثـمانية كان بيهز صورتها في باقي العالم ويعمل لها مشاكل كتير.. لكن "إبراهيم" بيهزم الجيش العثماني مرة تلو الأخرى، وبيرجع إلى عكا يحاصرها، وبعدين بيقتحم أسوارها الحصينة، اللي انسحب من أمامها "نابوليون" من قبل مهزومًا خائبًا.

وبيدوي خبر سقوط "عكا" عبر العالم، وبيثير ذهول فرنسا نفسها، اللي عجز خير قادتها عن اقتحامها.. وبيحشد السلطان العثماني قواته ويسلحها بتسليح رهيب، وعتاد لامحدود.

وقرب حمص، بيرسل قائد الجيش العثماني السرعسكر "حسين باشا".. رسالة إلى "إبراهيم باشا".. يخبره فيها، "أن جواده لم يشرب الماء منذ زمن، وقد أقسم على أن يرتوي فقط من ماء النيل".. في إشارة لأن القوات العثمانية لديها أوامر صريحة، بهزيمة "إبراهيم" وقتله، والتقدم نحو القاهرة.

لم يرد "إبراهيم باشا" على الرسالة دي مطلقًا.. تقريبًا شعر أنه مش معقول يرسل مبعوث خاص لقائد العثمانيين لمجرد أنه يقول له "معلش". وتقدم بالجيش مباشرة.. عشان يكتشف السرعسكر "حسين" أنه لا هو ولا جواده حيشربوا من النيل في القريب العاجل، وأن المكان الوحيد الصالح للشرب حاليًا هو أقرب بكابورت.. دا بيعرفه "حسين باشا" كويس.. وهو بينهزم على يد "إبراهيم باشا" هزيمة ساحقة، وبينسحب إلى الشمال الشرقي.. إلى بيلين.

و"ممر بيلين Belen Pass" دا مضيق بيصل بين سهل أنطاكية وخليج اسكندرونة على حدود "جبال طوروس Taurus Mountains".

باختصار.. دا الحد الفاصل بين بلاد الشام وحدود تركيا نفسها.

وللمرة الأولى.. بتفغر دول أوروبا أفواهها في دهشة، وبتتابع الموقف عن كثب في اهتمام بالغ.. على الرغم من أنهم التقوا بـ"محمد علي" و"إبراهيم" في حرب اليونان من قبل، لكن لحد اللحظة دي، كانوا متصورين أن اللي بيعمله "محمد علي"، لا يعدو كونه مجرد تمرد محدود، حتقمعه الدولة العثمانية بجيشها القوي.. وأسلحتها الحديثة المتطورة.

وفي "بيلين" بيعسكر القائد العثماني، وبيقرر اللجوء لعملية استخباراتية، تكفل له النصر، فبيرسل مجموعة من البدو، بيدعوا أنهم هاربين من بطش الجيش العثماني.. وبيخطروا الجيش المصري، أن العثمانيين معسكرين بعد بيلين، وإن الممر خاوي، وبعده القوات العثمانية ممزقة مشتتة جريحة منهكة.

وبينتحي إبراهيم بقائد قوات الاستطلاع جانبًا، ويكلفه بمهمة ما، بيعود بعدها ليعلن على الملأ، صحة كلام البدو الثلاثة.. فبيكافئهم "إبراهيم" ويطلق سراحهم على الفور.

وأثناء ما "إبراهيم" معسكر مع الجيش في دمشق، بيدرس كيفية عبور ممر بيلين.. بيوصله من السلطان العثماني مبعوث خاص، برسالة بالغة الأهمية والخطورة.

وكان مضمون الرسالة إن السلطان "محمود الثاني" بيدعوه للتوبة والتراجع.. والخروج عن طاعة أبيه والدخول في طاعة السلطان العثماني.. والانسحاب إلى القاهرة بدون قيد أو شرط، لأنه أعتبرهما كافرين، خارجين عن الدين، ومارقين على السلطة الشرعية للسطان العثماني.. فبيلتقط "إبراهيم" ريشته ومحبرته، وبيرد على ظهر الرسالة نفسها، برسالة مخيفة من سطر واحد:

"إنني قادم مع رجالي الشجعان لأرد عليك في الآستانة"... وأردفها بأن مس سطح قبضته بخاتمه في الحبر.. وختم الرسالة بخاتمه الخاص، وارسلها مع نفس المبعوث الذي أحضرها.

ودا كان رد في غاية الخطورة، يعني أن "إبراهيم باشا" قرر التقدم عبر الحدود العثمانية إلى قلب السلطنة، لإسقاط الدولة نفسها.

وبيرجع الجواسيس الأعراب إلى السرعسكر "حسين" بالأخبار المبهجة.. وبيبتسم "حسين" في ظفر، لما بيشوف أن "إبراهيم باشا" ابتلع الطعم اللي ارسله مع جواسيسه، وبدأ يتحرك بالجيش نحو ممر بيلين بالفعل.

نحو كمين محكم قاتل، عبر ممر وعر.. بتزين قمم جباله أكتر من 160 مدفع عثماني متخفين.. مستعدين للفتك بـ"إبراهيم ورجاله" بمجرد عبور الممر.

كمين قادر على إبادة الجيش المصري وقتئذ، حتى آخر جندي.

وفي صباح 29 يوليو، من العام 1832، بيتوجه الجيش المصري بقيادة "إبراهيم باشا" إلى "بيلين".. حيث الفخ المحكم القاتل، اللي أعده السرعسكر العثماني "حسين باشا".

لكن "كمين بيلين" دا الحديث عنه يطول.. فنكمل كلامنا عنه لاحقًا.

ويبقى للحديث.. بقية.

--------

- المنشورات السابقة في أول تعليق.

#عمليات_مخابراتية_غيرت_تاريخ_العالم6