صعب أوي تصدق أن الرجل الثاني في جهاز المخابرات، والذراع الأيمن لمديرها.. مجرد جاسوس بيخون بلده.

القصة عصية على التصديق جدًا حتى لو تصرفاته بيّنت العكس أمام القيادة.. بيفضل دايمًا هامش كبير من عدم التصديق.

دا بالضبط اللي بيخلي "كيم فيلبي" يفلت.. وتبرأه التحقيقات.. وبعدين يتحايلوا عليه يرجع الخدمة.. ويوافق بدون تردد بوطنية زائفة.. عشان يكمل مهمته الخطيرة.

مهمته كجاسوس سوفيتي، اتسبب في خسارة لندن لعشرات العمليات.. وانتصار السوفيت فيها.

حتى مع تعيين "فيلبي" في ملف إعلامي، كمراسل صحفي لصحيفتي الـ"أوبزرفر" والـ"إيكونوميست"، كان بأخباره بيخدم السوفيت ويضرب الإنجليز تحت الحزام.. رغم أن طبقًا للأوراق الرسمية، السوفيت انقطعت علاقتهم به تماما في الفترة دي.

وتنفس "فيلبي" الصعداء، وأيقن أنه نجا من بين فكي الأسد، وبيعيش "فيلبي" حياة هادئة، ويتحول إلى أصل خامل.. أو خلية نائمة.

ولكن بعد مرور ست سنوات بيحصل حدث بيقلب الأحداث رأسًا على عقب.

رائد المخابرات السوفيتية "أناتولي جوليتشاين Anatoliy Mikhaylovich Golitsyn" اللي سأم ظلم النظام الشيوعي، وعدم تفرقته بين المجتهد والمتكاسل ومعاملة الجميع سواء بسواء.. بينشق عن المخابرات السوفيتية، وبيفر مع زوجته وطفلته عبر الحدود إلى فنلندا، ومنها للسويد، ثم بيستقل الطائرة للولايات المتحدة باسمه وجواز سفره الحقيقيين.. وفي أمريكا بيتوجه مباشرة إلى مكتب المخابرات الأمريكية.. ويعرض عليهم خدماته.

وبيستقبله الأمريكيين بحذر بالغ، ومع ذلك بيحسنوا استقباله وضيافته.. وبيطلبوا منه الراحة ليومين أو ثلاثة.. في شقة نظيفة.. محاطة بحراسة مشددة.. عدوا عليه وعلى أسرته أنفاسهم خلال الايام دي.. وبعدين استدعوه لمناقشته...

وفي مكتب مكافحة التجسس بالمخابرات الأمريكية، وأمام رئيس المكتب "جيمس أنجلتون James Jesus Angleton".. بيعرض "جوليتشاين" خدماته.. فبيطلب منه محاوره بعض المعلومات كدليل على حسن النية، فبيبدأ " جوليتشاين" يقدم لهم سيل من المعلومات اللي سال لها لعابهم بحق.. وبعدين توقفوا عند معلومة معينة.. قرروا يستجوبوا الرجل بشأنها لمعرفة المزيد.

وبالتفصيل الممل، بيدون "جوليتشاين" للأمريكيين كل المعلومات عن تعاون "فيلبي"، الرجل الثاني في المخابرات البريطانية مع السوفيت.. وبعد دراسة المعلومات وشبكات أسماء المعلومات اللي كلها كانت حقيقية بدون ثغرة واحدة، بيحمل الأمريكيين المعلومات دي، إلى المكتب السادس البريطاني مباشرة.

والمرة دي بيستصدروا أمر من رئيس الحكومة، وبينطلق خلف "فليبي" في "بيروت".. واحد من أخطر رجال المخابرات البريطانية في لبنان.. الثعلب "جون إليوت John Nicholas Rede Elliot".

وكان "إليوت" صديق شخصي لـ"فيلبي".. فبيحاصره بالفعل ويواجهه بتهمة التجسس.. وبيعترف "فيلبي" لـ"إليوت".. وبيطلب منه "إليوت" يكتب اعتراف ويوقعه.. مقابل تخفيف العقوبة عنه.. لكن "فيلبي" بيغافل "إليوت" ويهرب.

بترصد المخابرات الانجليزية مكالمة من "فليبي" لزوجته اللي كنت في حفل السفارة، بيقول لها فيها أنه مش حيلحق بها في الحفل ومضطر يقصد المطار للسفر لأمر هام.. وبعد دقائق من المكالمة.. كانت المخابرات الإنجليزية محاصرة مطار بيروت بالكامل.. ومفيش ذبابة بتدخل أو تخرج دون علمها.. رغم ذلك بقوا في انتظار "فليبي" طويلًا.. ومع ذلك لم يظهر قط.

وبيقلب رجال المخابرات كل حجر في بيروت بحثًا عن "فليبي".. لدرجة أنهم بيضعوا دورية عند الحدود السورية.. في انتظار القبض عليه أثناء هروبه.

ولكن "فيلبي" بيختفي من بيروت تماما بلا أثر.

وفي ظلام الليل بتتحرك من ميناء بيروت سفينة الشحن الروسية "ذا دولماتوفا The Dolmatova"، وهي محمة بالبضائع من لبنان بعدما سلمت شحنتها...

وكان "كيم فيلبي" على متن الباخرة دي متنكرًا.. وبيحط قدميه بنجاح في موسكو في أواخر يناير، سنة 1963. وهناك.. بيصاب بالحنق لأنهم كانوا مفهمينه إن رتبته في الملفات هي "كولونيل".. وأنه حال حدوث مشكلة حيجيبوه ويجيبوا أسرته فورًا ويعيش في روسيا حياة سعيدة ينعم بالثراء.. لكن السوفيت متناقشوش معاه في مزايا التقاعد دي.. قبضوا عليه فورًا وحطوه سجين في منزل مشدد الحراسة.. مبيخرجش منه.. وأخبروه أن اسرته مش حينفع تلحق به في الوقت الحالي.

وطال حبس "فليبي".. وقضى الوقت في كتابة مذكراته.. كانت كل طلباته مجابه بس مبيخرجش.. وسمحوا له بمرتب شهري 500 روبل روسي.. وأعلن السوفيت أن دا لأجل حمايته.. لكن لاحقًا.. ضابط المخبرات السوفيتية "ميخائيل ليوبيموف Mikhail Lyubimov".. أعلن أن دا بسبب أن موسكو كانت خايفة من أن "فليبي" بكل ما يعرفه من اسرار.. ممكن يرجع لندن.

بيكتب مذكراته تحت اسم "حربي الصامتة My Silent War" وبيرشو أحد حراسه فبيرسلها بالبريد إلى لندن وبتتنشر سنة 1968.. وعلي ما فيها.. بتسحب منه انجلترا كافة الأوسمة ونياشين الشرف اللي حصل عليها. وسنة 1970، سمحوا له بالخروج من منزله للمرة الأولى، وزيارة مبنى الكي جي بي.. وهناك عرضوا عليه وظيفة لأنهم مش حيصرفوا عليه مجانا بقية حياته.. وكان "فليبي" مكتئب من سجنه الإجباري وصار مدمن على الكحول وحاول قطع شرايينه مرتين.. فقبل وظيفة غير ذات أهمية كمصحح لغوي للغة الإنجليزية في قسم البروباجاندا الإعلامية والحرب النفسية في المخابرات السوفيتية.

في سنة 1988 مات "فليبي" بفشل في قلبه اللي أنهكته سنوات المطاردة والوحدة والكحول والدخان.. وساعتها بس.. كرمه السوفيت.. وعملوله جنازة كبطل عسكري ومنحوه عدة أوسمة ونياشين.. واصدروا طابع بريد يحمل صورته في آخر أيامه.

قصة "فليبي" المأساوية بتختلف عن قصة "فلاديمير فيتروف Vladimir Vetrov"، اللي شاركت أفعاله في سقوط الاتحاد السوفيتي بالكامل.. وتفكيكه لاحقًا.

ودا نتكلم عنه المرة القادمة بإذن الله...

ويبقى وقتئذ للحديث.. ختام.

----------

المنشورات السابقة أول تعليق.