بتبدأ حلقتنا الأخيرة في عمليات الجاسوسية اللي غيرت وجه العالم المرة دي من نهايتها.. من لحظة القبض على الجاسوس.

بتبدأ اللحظة دي بالمهندس العسكري، شديد الأهمية في الاتحاد السوفيتي.. كولونيل"فلاديمير فيتروف "Vladimir Vetrov" رجل الدولة والمخابرات السوفيتية المفضل.. والمسؤول الأول عن مشروع فائق السرية.. حنعرف قصته حالًا.. وهو في سيارته الفاخرة، متوقف على جانب الطريق السريع، في ليلة باردة من ليالي فبراير من العام 1982.. بعد سهرة طويلة شرب فيها الكحول بكثافة.. وهو مع رفيقته الأثيرة، اللي بيحبها من ورا مراته.. بعدما قضوا سهرة حاول يهدي فيها محركات عقله الساخنة، اللي بتعمل في جنون وبتتصارع فيها الأفكار.

السيدة اللي معاه دي كانت حبيبته الحقيقية الوحيدة، والوحيدة اللي بيستريح للغاية معها ويبكي بين ذراعيها ويخبرها بكل همومه، عدا عمله كجاسوس بالطبع.. ومع ذلك، يبدو أن كلامهما في السيارة في نقطة ما.. تحول إلي الحوار العاطفي "مالك/ ماليش - في إيه/ مفيش".. أو "ما انت لو مهتم كنت عرفت لوحدك" والقصص دي.. ففعل "فيتروف" ما يحلم به أي رجل عادي يمر بتلك اللحظة مع امرأة.. أوقف السيارة إلى جانب الطريق، وانتزع من طيات معطفه مدية حادة، انهال بها طعنًا على جسد حبيبته.

وفي اللحظة نفسها.. بيفاجأ "فيتروف" برجل رآه كثيرًا في مبني المخابرات السوفيتية.. بيطرق زجاج سيارته.. فبيفهم "فيتروف" أنه انكشف أمره.. وبينزل من السيارة إلى جوار رجل المخابرات السوفيتي.. اللي بيتأمل رفيقة "فيتروف" النازفة داخل السيارة في هلع.. لكن "فيتروف" بيستغل دهشة الرجل، وبيعاجله بدوره بعدة طعنات.. ويرديه قتيلًا.. لأنه تصور أن أمره انكشف.. وعشان كده تتبعه رجل المخابرات السوفيتية.

والحقيقة أن الرجل كان بيتتبع "فيتروف" مع رفيق له كحراسة سرية.. لأن "فيتروف" كان من اهم رجال الاتحاد السوفيتي على الإطلاق.. وطرق نافذة سيارته لأنه اراد تحذيره أنه من الخطأ يتوقف على حافة الطريق السريع من أجل سلامته.. وبيفاجأ "فيتروف" برجل الاستخبارات الثاني رفيق القتيل، وهو بيبرز من قلب الظلام، ويصوب إليه مسدسه في صرامة، ويأمره بعدم الحركة.

وبيسقط "فيتروف".. المسؤول الأول عن مشروع فائق السرية اسمه "الخط إكس Line X".

و"الخط إكس" كان مشروع فائق الخطورة، بدأته المخابرات السوفيتية في العام 1964، لما لقت الولايات المتحدة بتقفز قفزات تقنية رهيبة، وبتستقطب العلماء والباحثين من شتى بقاع الدنيا، فرفع السوفيت الأمر إلى علمائهم.. اللي اخبروهم أن الولايات المتحدة متفوقة عليهم تقنيًا بحوالي 40 سنة.. والفجوة دي بتتسع في كل لحظة.

هنا بيبدأ مشروع "الخط إكس".. وهدفه كان سرقة كل التقنيات الممكنة من أوروبا وأمريكا في أقصر وقت ممكن.

وعن طريق تجنيد أكثر من 300 عالم وباحث وخبير، بيبدأ الاتحاد السوفيتي يستقبل سيل مدهش من القطع التقنية وبراءات الاختراع وبرامج الكمبيوتر، ويبدأ في تنفيذها وتطبيقها، في شتى المرافق ومناحي الحياة.

وبتضيق الفجوة التكنولوجية بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة بسرعة مذهلة في عدة شهور.

بتضيق أكثر وأكثر، والولايات المتحدة مش فاهمة بيحصل إيه بالضبط.. وإزاي السوفيت بيقفزوا علميًا بالطريقة المبهرة دي.

وأثناء زيارة له في فرنسا.. بينبهر "فيتروف" بجمال وأناقة فرنسا.. وبيقضي أيام سعيدة للغاية في عاصمة النور والفن والحب، وبيدهشه التحضر واتساع مدى الحريات فيها مقارنة ببلده البارد القاسي.

وفي فرنسا بتدفع الاستخبارات الفرنسية على "فيتروف" برجل مخابرات فرنسي.. بيحاول تجنيده.. باعتباره "دبلوماسي سوفيتي" كما يقول جواز سفره.. لكن "فيتروف" مابيتجندش.. وبيرجع الاتحاد السوفيتي.. لكن كان هو والضابط الفرنسي رغم ذلك، بقوا صديقين حميمين.

وذات ليلة، ولأسباب أيديولوجية بحتة تتعلق بانبهاره بفرنسا وكراهيته للنظام الشيوعي مقارنة بها.. بيتصل "فيتروف" بصديقه الفرنسي.. ويطلب لقائه.. وفي اثناء اللقاء.. بيخبره "فيتروف" بعمله الحقيقي.. وبيعرض عليه التعاون.

وبيدرك رجل المخابرات الفرنسية أنه وقع على صيد مذهل.. وبيتجند "فيتروف" بالفعل ويحمل الاسم الكودي "الوداع Farewell". الطريف هنا أن الفرنسيين اختاروا له اسم انجليزي.. عشان لو سقط في قبضة السوفيت.. يتصوروا أنه الإنجليز هم اللي جندوه!

وبيبدأ "فيتروف" عمله للمرة الأولى كجاسوس خائن.. ولأنه المسؤول الأول عن مراجعة وفحص ودراسة كافة التقنيات الي بتتسرق من الغرب وترد للاتحاد السوفيتي.. كان عارف بالتالي كل رجال الخط إكس.. وبيمد "فيتروف" المخابرات الفرنسية بأكثر من 2000 وثيقة سرية، حول الخط إكس والعملاء الذين يتبعونه.

وكإجراء تلقائي، بتشارك فرنسا مع حليفتها عضو الناتو.. الولايات المتحدة الأمريكية.. كل التفاصيل، وبيدخل الأمريكيين اللعبة.

وبتبدأ فرنسا تفصل العلماء عملاء السوفيت التابعين للخط إكس من منشآتها العلمية والبحثية والسرية، وبتلقي القبض علي معظمهم.. ووصل عدد من سقطوا من افراد شبكة الخط إكس إلى 50 عميل تقريبأ.. ممن توافرت ضدهم الأدلة الكافية.

وبيشك رجال المخابرات السوفيتية أن "فيتروف" أكثر من مجرد قاتل.. قتل رجل المخابرات تحت تأثير الخمر، وكاد يقتل حبيبته اللي أنقذوها بمعجزة.. واللي نفت تماما أنها رأت عليه ما يشين أو يجعلها تعتقد أنه جاسوس.

وفي الوقت نفسه، ولدهشة فرنسا.. الأمريكيين بدوا وكأنهم تجاهلوا الأمر برمته.. وتركوا رجال الخط إكس في مناصبهم.. يمدوا السوفيت بكل التقنيات والبرمجيات اللي بيطلبوها.

حتى بعد سجن "فيتروف" في جريمة القتل.. فضل العلماء والخبراء دول في موقعهم.. ودا ريح السوفيت شوية، وأقنعهم إلى حد كبير أن الخائن ليس "فيتروف".. وإن الخط إكس لم يسقط بالكامل.. وفضلوا يستقبلوا التقنيات الغربية دي في لهفة.. ويستخدموها في ظفر وارتياح.

وذات ليلة في سجنه.. بيحن "فيتروف" إلى حبيبته القديمة.. فبيبعت لها رسالة عاطفية، بيقول لها أنه أخطأ في حقها، لأن عقله كان مشحون منهك لأنه "تورط في أمور كبيرة".. وأشياء شديدة الخطورة... ويبدو أن حبيبته مع الرسالة بتتذكر ليلتهم الرومانسية الأخيرة، واللحظة العاطفية الزبالة التي كاد يذبحها فيها، فبتحمل رسالته على الفور إلى الرجال في مبني الكي جي بي مباشرة.

وعندئذ، بيدرك رجال المخابرات السوفيتية أن "فيتروف" لديه المزيد.. فبيجيبوه ويستجوبوه... ومع السجن والضعف والانهيار، بتنهال اعترافات "فيتروف".. ورغم أن السوفيت حاولوا يخلوا الأمر سري قدر الإمكان.. لكن خبر القبض علي "فيتروف" بتهمة التجسس انتشر، وبدأت المخابرات الأمريكية للمرة الأولى بدورها تفصل كل علماء الخط إكس.. وتقبض علي معظمهم، بيسقط في أمريكا وحدها 150 عالم وباحث من جواسيس الخط إكس.. وبيتساقط آخرين في لندن.

وبينهار المشروع إكس بغتة، ودفعة واحدة.. بعدما يقرب من ربع قرن...

وكانت صدمة مروعة للسوفيت.. لدرجة أنهم أعدموا "فيتروف" بعد اعترافه رميًا بالرصاص بلا محاكمة. ورغم ذلك قرروا أنهم حصلوا على ما يكفي من البرمجيات والتقنيات.. اللي خلتهم يكادوا يغلقوا الفجوة التقنية بينهم وبين الولايات المتحدة.. اللي بعد ما كانت 40 سنة فرق.. بقت بضع سنين فحسب.. ومن هنا يمكن أن يطوروا بأنفسهم.. ويتحركوا على مسار البحث العلمي.

ولكن دي مكانتش نهاية القصة للأسف.

السوفيت عرفوا لاحقًا بعد سنوات.. أن الأمريكيين عرفوا بالأمر في نفس الوقت تقريبًا من الفرنسيين.. وعرفوا ليه هم سابوهم يسرقوا التقنيات رغم ذلك لفترة طويلة.

الحقيقة أن الأمريكيين بدأوا في لحظة بعينها يقدموا لجواسيس الخط إكس، تقنيات معينة عن عمد.. ويسمحوا لهم بسرقتها.

فبغتة، وبدون سابق إنذار، في أحد برامج الكمبيوتر الخاصة بتشغيل أنابيب الغاز، واللي سرقها السوفيت من الأمريكيين.. وفي توقيت محدد خاص، مزروع في شفرته.. بيستيقظ "حصان طروادة" أمريكي.. في قلب الأجهزة السوفيتية...

و"حصان طروادة Trojan horse" هو برنامج صغير، ذو شفرة خاصة، بيندس في مظهر بريء وسط البرامج الرئيسية على أجهزة الكمبيوتر، لسرقة المعلومات.. أو اعطاء أوامر محددة للجهاز في لحظة بعينها.

وفي منتصف العام 1982، بيستيقظ حصان طروادة الأول، في العقل الإليكتروني المسؤول عن إدارة "أنبوب الغاز الطبيعي لغرب سيبريا Urengoy–Pomary–Uzhhorod pipeline".. وبيغلق صمامات الأمان من تلقاء نفسه.. ثم بيبدأ في ضخ الغاز بقوة مباغتة.. وبضغط شديد هائل.

وبينفجر أنبوب غاز غرب سيبريا انفجار هائل مروع.. ودا انفجار اتشاف من الفضاء، وكان أكبر انفجار غير نووي حصل في العالم أجمع وقتها...

لكن "حصان طروادة خط غرب سيبريا" مكانش الوحيد.. ولا الأخير.

ففي يونيو من العام نفسه، وأثناء تحليق " طائرة ايروفلوت الرحلة 411Aeroflot Flight " من موسكو إلى سيراليون، وبعد عامين فقط من تدشينها وتصميمها وتحديثها بالبرمجيات الأمريكية القادمة من "الخط إكس".. بينشط حصان طروادة آخر، ويعطل محركات الطائرة، فبتهوي من حالق وسط الحقول الزراعية وتنفجر، ويموت كل من كان على متنها.. في واحدة من أبشع الكوارث الجوية في التاريخ.

وفي فبراير من العام نفسه، بيقرر كمبيوتر "منشأة خليج أندريف النووية Andreev Bay" أنه يتخلص إليكترونيا من تلقاء نفسه، من شحنة قاتلة من المياه المشعة الملوثة، في المياه الروسية.. وبتنطلق من الخزانات كمية هائلة قدرت بـ700 ألف طن.. عشان تلوث البحر والأرض.

بينتهي العام 1982.. وبيجي العام 1983، على كوارث جديدة زي دي.. أعطال في محطات كهرباء وأنابيب غاز وغيرها في قلب الشتاء، الناس بتصاب بالخوف وبتبدأ تغضب.. ثم بيطل العام 1984 "بكارثة سفيرومورسك Severomorsk Disaster".. وفيها بيصدر الكمبيوتر شحنة خاصة، بتحرق دائرة كهربية، وتشعل فيها النيران، داخل مخزن من مخازن الذخيرة، وبينسف الكمبيوتر نفسه مع المخزن تمامًا، مع أكثر من 900 صاروخ وطوربيد من أسلحة الأسطول الروسي، وبيقتل 300 شخص.

في ظل القلق دا بيوصل "جورباتشوف" للحكم برعاية أمريكية.. وبيبدأ يسعى في تغيير جذري للنظام.. وحض الناس على أن من حقها تعرف ميزانيات الجيش والاستخبارات.. وأنه يجب تقليل الاعتماد العسكري، وصرف دا كله لإصلاح البنية التحتية المهترئة دي.. والشفافية وإلخ.. خطابه دا شحن الناس ضد الدولة أكثر وأكثر.

وبتستمر الكوارث دي تتلاحق عبر السنوات.. وبينتزع الموت من حوادث الطائرات وحدها أكثر من 2000 شخص.. وبتقع كارثة تشرنوبل، في العام 1986.. بعد مجيء "جورباتشوف" مباشرة، وكأنها بتؤيد ما يدعو إليه.. لما الكمبيوتر أغلق توربينات المياه المستخدمة في تبريد اليورانيوم، فارتفعت درجة الحرارة في قلب المفاعل الرابع لدرجة الانصهار، وحدثت الكارثة.

وفي العام 1989، بتحصل حادثة من أسوأ الكوارث في تاريخ الاتحاد السوفيتي في وقت السلم.. "كارثة قطار أوفا Ufa train disaster".. لما بتنغلق صمامات الأمان إليكترونيا، وبتتسرب كمية كبيرة من الغاز، من أنبوب غاز على سواحل البحر الأسود.. وبيتزامن دا مع أوامر لوحة البيانات بتحويل قطار، وأوامر أخرى للقطار اللي جاي مقابله على نفس الخط.. بأن السكة الحديدية خالية، في منطقة التسريب بالضبط.

ومع اقتراب سائق القطار السريع على القضبان اللي تصورها خالية.. بيشوف الكابوس الحديدي القادم أمامه وجها لوجه.. فبيجذب كلا السائقين فرملة الطواريء.. وبتصدر شرارات عنيفة من احتكاك العجلات المعدنية بالقضبان.. وبيشتعل حوالي 50 ألف متر مكعب من الغاز بغتة، قبلما يصطدم القطارين المتقابلين نفسهم.. ويتحولوا لكتلة من اللهب والمعدن المنصهر في انفجار رهيب.. قتل لفوره 780 شخص.. واشعل البقية الباقية من خط الغاز، البالغ طوله ما يقرب من كيلومتر كامل.. الحادث ترك 200 ناجي بس من اللي كانوا في المكان.. بحروق وإعاقات لبقية حياتهم.

وكان دا ضغط هائل على الحكومة السوفيتية.. ومصاريف بتتصرف طوال الوقت لأصلاحات وتعويضات وغيره.. مع تذمر الشارع وثورة الناس.. اللي بدأت تتساءل عما تفعله الدولة بالضبط.. وكيفية إدارتها اللي بتؤدي لكل الكوارث دي...

وكانت سلسلة الكوارث دي سبب هام من الأسباب اللي أدت لانهيار الاتحاد السوفيتي.. وضعفه.. وسقوطه لاحقًا...

كل دا بسبب الجاسوس "فلاديمير فيتروف Vladimir Vetrov" اللي كان ملفه عند الفرنسيين بيحمل اسم موحي يناسب قصته...

"ملف الوداع Farewell Dossier".

كده نبقى خلصنا الحلقات دي.. وعرفنا إزاي بيتجند الخائن.. وإزاي أنه طول حياته مابيظفرش براحة ابدًا.. حتى لو لم يتم كشفه قط.. بيفضل عايش في رعب وخوف وقلق لأن كشفه يعني إعدامه أو سجنه مدى الحياة مع معاملة حقيرة.. وحتى مش سجنه أو إعدامه كبطل.. بيساعد وطنه.. بل كخائن.. بيتبرأ منه أهله كلهم عبر العصور، ويحاولوا ينسوا سيرته بأي ثمن.

حتى المرأة مبيقدرش الجاسوس ينعم بها.. أي ست بتقابله هي عميل محتمل للإيقاع به.. وأي صديق بيلتقي به قد يكون رجل مخابرات بيسعى للقبض عليه.. كل طرقات على الباب ممكن تكون من وحدة مكافحة التجسس أو من فرقة اغتيالات.. مابيعرفش يثق في حد ولا يفضفض لحد ولا ينام.. حياة كلها قلق وتوتر وحسب.. وفي النهاية.. بيموت مكلل بالعار، ويندفن في قبر بلا شاهد.. محدش حتى بيفتكره ولا يترحم عليه.

------------------

- الصورة لـ"فلاديمير فيتروف".

- المنشورات السابقة أول تعليق.