لما بيتبدى اسم "الرجل الخامس" في حلقة خماسي كامبريدج، محدش بيصدق لأول وهلة.. من خطورة الاسم.
"هارولد أدريان راسل Harold Adrian Russell" أو "كيم فيلبي Kim Philby".
وخطورة "فيلبي" بتكمن في انه كان الرجل الثاني في المخابرات الانجليزية.
ودا يعني أن السوفيت عارفين كل شيء، يعرفه جهاز المخابرات الانجليزية تقريبًا.. ومع خطورة ورهبة الاسم، بيعيدوا التأكد مرة ومرتين وثلاثة.. وبيتضح الأمر.. هو "فيلبي" بدون شك.. خاصة مع برقية كان أرسلها "فيلبي" إلى "بيرجس" قبيل اختفاء الأخير، بيقول له فيها أنه قضي الأمر، وأنه مضطر يرسل بسيارته إلى ساحة الخردة للتخلص منها بعدما صارت بلا جدوى.
وبدا من الواضح أنها برقية شفرية بسيطة.. الشبكة اتكشفت، وقضي الأمر. "فيلبي" أرسل البرقية دي لـ"بيرجس" بالذت لأن الأخير مكانش مستقر نفسيًا وكان مدمـن كحول.. والقبض عليه كان يعني أنه تحت أبسط ضغط ممكن ينهار ويعترف بسرعة.
"فيليي" كان وقتها في واشنطن.. لكن كان عنده علم بسقوط معظم أفراد الشبكة، ومع ذلك بيرجع إلى لندن بعد انتهاء شغله في هدوء، وبينتظر لحد ما بيطبق عليه رجال الاستخبارات، ويقتادوه لمقرهم.. ويبدأوا التحقيق معه.
وكانت المفاجأة الجديدة.. "فيلبي" بيواجههم في صرامة واستنكار بالغين.. خاصة أنه كانت من مهامه الأخيرة قبلها، تأسيس شبكة كاملة ضد السوفيت مقرها اسطـنبول التـركية.
وأسس "فيلبي" الشبكة بالفعل بين الأعوام 1947 و1949 بنجاح كبير.. لكن في ذات الوقت.. كان في عثرة في حياة "فيلبي" المهنية، بدأت ترجع كشبح من الماضي وتؤكد اتهامه.
"أنور خليل خوجة".
و"أنور خوجة" دا كان الزعيم الشيوعي لألبانيا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى وفاته في العام 1985.. وكان على علاقات ممتازة مع السوفيت.. وبنوا عنده قاعدة عسكرية حرّمت على الأسطول السادس الأمريكي الاقتراب منه.
ولإسقاط "خوجة".. المخابرات الأمريكية والبريطانية جندوا مجموعة من 400 رجل من اللاجئين الألبان، الهاربين في مصر واليونان وإيطاليا والبرتغال، ودربوهم في مالطة وقبرص وألمانيا الغربية، عشان يبقوا قادرين على حمل السلاح، والانقلاب على "أنور خوجة" والسيطرة على ألبانيا، ونقل تبعيتها للمعسكر الغربي.
وبيتم تدريب العناصر دي فعلًا.. وبيتهرب لهم سلاح إلى قلب ألبانيا عبر "يوغوسلافيا" اللي رغم كونها شيوعية من المعسكر الشرقي كذلك، لكنها كانت على خلاف عنيف مع نظام "أنور خوجة".. بسبب اعلانه أن كوسوفو تابعة لألبانيا وليست لهم.. واشتبك على أثر دا كلاميًا مع الزعيم اليوغوسلافي "جوزيف تيتو".. فساءت العلاقات في شدة.
المهم.. بيرجع اللاجئين الألبان إلى ألبانيا في هدوء، باعتبارهم مواطنين عاديين.. بينما هم في حقيقتهم.. بقوا عناصر ميليشيا شديدة الخطورة، متدربة على يد المخابرات الأمريكية والانجليزية.
وبتيجي ساعة الصفر، وبينطلقوا نحو مخازن السلاح، لكن بيتقبض على معظمهم على ابوابها.. واللي قدر منهم يمسك سلاح وينطلق نحو القصر لأسقاط "خوجة".. وجد القوات الألبانية في انتظاره في الشوارع.. المجموعة دي ماتت كلها.. سواء من الصدام المباشر مع القوات المسلحة الألبانية، أو من التعذيب لاحقًا، في سجون "أنور خوجة".
وقتها بزغ سؤال خطير يساوي مليون دولار.
السوفيت عرفوا ازاي بخطة الانقلاب على "خوجة" وحذروه؟
وقتئذ محدش كان ممكن يشك في "كيم فيلبي" إطلاقًا.. لكن دلوقتي.. بدأت الخيوط تتجمع والصورة تتضح.
لكن "فيلبي" فضل على إنكاره في إصرار.. وتحول الإنكار إلى نبرة حزن.. وهو بيفكر قادته وزملائه في الجهاز.. إزاي قدم خدمات جليلة للوطن - ودا كان حقيقي بالفعل - وإزاي ضحى بدمه وأعصابه من أجل بلده.
والحقيقة أنه ببراعة شديدة، قدر يقلب الأمور لصالحه إلى حد ما، فانقسم رجال الاستخبارات لفريقين.. فريق في صفه، وفريق ضده.. ودا اللي هو كان عايزه بالضبط.. لأن في الظروف دي ومع موقعه الحساس.. طالما في احتمال أنه بريء.. حيعتبر بريء بالفعل.
وعليه.. بيعتذروا لـ"فيلبي" على مضض.. ويصرفوه وهم لازالوا بيشكوا فيه.. لكنه بكبرياء وشمم.. بيقدم لهم استقالته بعد ايام، في يوليو 1951.. لأنه على حد قوله، حس باكتئاب واسى ومبقاش قادر يؤدي دوره، بعد الاتهام الفظيع اللي اتهموه به.
مع استقالته، بيفضلوا على شكهم فيه ومراقبته.. وتوقعوا هروبه في أي وقت.. خاصة أن "بيرجس" و"ماكلين" وقتها، اتعرف مكانهم، لما ظهروا في الإعلام السوفيتي من موسكو.. وهم بيتكلموا عن الظلم والقمع والفساد في لندن.. وإزاي هربوا إلى الاتحاد السوفيتي.. بعيدًا عن الفساد دا.
لكن "فيلبي" بيحيا بعد استقالته حياة عادية للغاية، وكان رجل ثري، مكانش بيتجسس من أجل المال.. لكن لأنه مؤمن بالمباديء الشيوعية.. فكان ممكن يقضي وقته بلا عمل وينفق بس.. لكنه زي الناس الطبيعيين.. مكانش يعرف يقعد بلا عمل رغم ثروته.. وبيسعى جاهدًا يلاقي شغل في عالم الصحافة والإعلام، لحد ما بيلاقي شغل متواضع في جريدة "ذا فليت the Fleet Street Letter".
بيسعى الانجليز جاهدين أنهم يلاقو أي خيط يربط بينه وبين السوفيت.. لكنه كان ذكي محترف، فمبيلاقوش أبدا.. وهنا.. بيتراجعوا في يأس.. ويعلنوا أنه لم يثبت أنه من ضمن "خماسي كامبريدج" قط.. وأنها ربما تكون خدعة سوفيتية.. للايقاع به.. وأن "الخماسي" هم "رباعي" فقط في الحقيقة.
وهنا أيضَا.. بتعلن الحكومة البريطانية رسميًا أنه رجل بريء ومواطن صالح، خدم بلده في العديد من المواطن، وبتقوم بتكريمه في العام 1955.. بعد بضع سنين من استقالته.
وفي خجل وعلى استحياء، بتتقدم له المخابرات البريطانية، طالبة منه العودة بين صفوفها مرة أخرى.
وكأي رجل بيحب وطنه، بيوافق "فيلبي" بلا تردد.. والمرة دي.. بيطلب منهم أنه يبعد عن المناصب المكتبية، وأنهم يستغلوا عمله كمراسل صحفي.. فبيفتحوا له أبواب أكثر.. وبيسافر إلى أمريكا وتـركيا وبيروت، كمراسل صحفي لصحيفتي الـ"أوبزرفر" والـ"إيكونوميست".. وبيبدأ يحاول يجمع معلومات حول السوفيت.. اللي اتفقوا معه على قطع اتصالاتهم به تمامًا إلى حين.. وتحول إلى أصل خامل.. أو خلية نائمة.
وتنفس "فيلبي" الصعداء، وأيقن أنه نجا من بين فكي الأسد، وبيعيش "فيلبي" حياة هادئة، وبيجمع بعض المعلومات بالفعل عن السوفيت، لكن مش معلومات قيمة ذات بال.. وبيكمل شغله كمراسل، متصورًا أنه خلاص القصة انتهت.. لولا أنه بعد ست سنوات.. في العام 1961.. بيحصل حدث، بيقلب المياه الراكدة، وبيرجع اسمه للساحة كمتهم رئيسي.
والحدث المباغت دا نتكلم عنه لاحقًا.
ويبقى للحديث بقية، بعد احتفالات نصر أكتوبر بإذن الله.
-------
- المنشورات السابقة أول تعليق.
- الصورة لـ"كيم فيلبي".