بعدما فرغنا من قصص الجواسيس النووية، ندخل في منتصف الحرب الباردة، و يوم 15 إبريل، من العام 1961، وعملية عسكرية حفظها لنا التاريخ باسم "غزو خليج الخنازير Bay of Pigs Invasion".

القصة أن المخابرات الأمريكية، التقطت مجموعة من النشطاء والمعارضين للنظام الكوبي الموالي للاتحاد السوفيتي بقيادة "فيدل كاسترو".. ودربتهم وسلحتهم، وزودتهم بفرق من المرتزقة، وبعدين عملت لهم إنزال بري بأسلحتهم الخفيفة والثقيلة على سواحل كوبا، في التاريخ المذكور.

وقبيل الإنزال، انطلقت القاذفات الأمريكية، لتقصف مطارات كوبا وقواعد الجيش الكوبي في هافانا وسانتياجو.. وبعدها بدأ الإنزال على الشواطيء، وانطلقت المدرعات الأمريكية اللي بيقودها "المعارضة" الكوبية، نحو العاصمة، تتبعها ناقلات الجنود تحمل ما يقرب من 2000 مقاتل، من رجال الكوماندوز والمرتزقة.

لكن الحقيقة أن المجموعات دي بتفاجأ بوحدات الجيش الكوبي بتقصفها جوًا وتنقض عليها برًا.. السر أن الجيش الكوبي كان وصله إخبارية سوفيتية، قبل الضربة الجوية الأمريكية، فنقل طائراته لمطارات احتياطية، وغير مواقع جنوده في اللحظة الأخيرة.

بيحاول الأمريكيين تغطية العناصر دي بضربات جوية جديدة، لكن الدفاع الجوي وسلاح الطيران الكوبي بيسقطوها، وأمام ضربات كوبا القاصمة، لأيام متتالية.. بيتراجع المهاجمين مرة أخرى للساحل.. وهناك.. بتحاول السفن الأمريكية أنها تقترب وتعمل لهم إجلاء، لكن الزوراق الهجومية السوفيتية بتبرز فجأة في قلب الظلام كأسماك القرش، وبتبدأ بتحوم حول الساحل الكوبي، فبتضطر السفن الأمريكية للانسحاب، وترك رجالها، اللي بيأسرهم الجيش الكوبي جميعا، بعدما قتل منهم ما يقرب من 900 مهاجم.

وانتهت عملية "غزو خليج الخنازير" بالفشل الذريع، لكن مع سطوع نجم رجل استخبارات سوفيتي.. كان احد المهندسين اللي اتسببوا في فشل الهجمة الأمريكية، بالمعلومات اللي قدمها للكوبيين.. وأوامره بتحريك الوحدات البحرية السوفيتية في الوقت المناسب.

الكولونيل السوفيتي وضابط الاستخبارات العسكرية "أوليج فلاديميروفيتش بنكوفسكي Oleg Vladimirovich Penkovsky".. اللي في الصورة في التعليق.

و"أوليج" كان ولائه الوحيد للاتحاد السوفيتي.. حارب من أجله وحصل على أوسمة ونياشين عسكرية رفيعة.. لكن في ذات الوقت، نقم بشدة على نظام "كروتسييف".. اللي احنا مصممين نسميه "خروشوف".. وبدأ يشعر أن من صالح الاتحاد السوفيتي، تغيير النظام دا بأي ثمن.

ودي كان البداية اللي دفعت "أوليج" للخيانة.

قبل "خليج الخنازير" حاول "أوليج" التواصل مع المخابرات الأمريكية، عن طريق بعض الطلبة الأمريكيين.. ووصلت الرسالة للأمريكيين بالفعل.. لكنهم أجلوا التواصل مع "أوليج" في قلق وحذر، نظرًا لأن منصبه يجعلهم يعتقدون أن دا فخ.. بالإضافة لأن في الوقت دا كان معظم عملاء المخابرات الامريكية في موسكو، تحت مراقبة مشددة من الاستخبارات السوفيتية.

وذات ليلة، كان رجل الأعمال والجاسوس الانجليزي "جريفل واين Greville Wynne" في منزله في موسكو، بيحتسي بعض الشراب في أمسية هادئة، لما بيطرق الباب ويدلف إليه "أوليج".. وبيخفق قلبه في رعب.. لما بيخبره "أوليج" بأنه عرف أنه جاسوس إنجليزي.. ولكن هلع "جريفل" بيتبدد ويتحول لحيرة.. لما بيطلب منه "أوليج" أنه يتوسط له، عشان يلتقي بضباط من المخابرات الإنجليزية والبريطانية.. لأنه راغب في العمل لحسابهم.

وللصدفة البحتة، كان "واين" بيتم تدريبه لعدة سنوات، عشان يقدر يتواصل مع "أوليج" ويجنده أصلًا.. فهنا مع المصادفة العجيبة دي، بيعتقد الانجليز انهم خطتهم اتكشفت وأن دي مجرد خدعة.

لاحقاً مع فشل عملية خليج الخنازير وبزوغ نجم "أوليج".. بيندم الأمريكيين على تجاهله ندم شديد، لأن قبل العملية دي لو كانوا قبلوا عرضه، كانت كشفت هو مخادع وللا صادق، فبيبدأوا يتواصلوا معاه، وبيطلبوا منه كشف باسماء العملاء السوفيت في أمريكا.

لكن "أوليج" بيرفض طلبهم في هدوء، وبيقولهم أن هدفه مش تدمير الاتحاد السوفيتي.. بس ازاحة نظامه الحاكم.. وعليه بيقدم لهم معلومات قيمة جدًا حول الترسانة النووية السوفيتية، وأن حجمها وقدراتها اقل بكثير مما يعتقد الأمريكيين.. وبيقدم معلومت ثمينة.. ان السوفيت لا زالوا بيعانوا من مشاكل في أجهزة الملاحة والتوجيه في صواريخهم الجديدة.. وأن أنظمة التزود بالوقود لا زالت قيد التطوير.

مع سيل المعلومات اللي استطاع الأمريكيين والانجليز التأكد من بعضها.. بيمنحوا ثقتهم لـ"أوليج".. وبيتركوه يزودهم بالمعلومات اللي يقدر عليها وقتما شاء.

و في الوقت دا بالذات.. نشر الأمريكيين صوارخ "ثور" في بريطانيا وصواريخ "جوبيتر" في تركيا.. وبقى دا تهديد دائم للاتحاد السوفيتي.. أن أمريكا بقت بصواريخها وقواعدها دي.. تقدر تطوله في العمق.. بصواريخ ذات رؤوس نووية.

وفي الآن نفسه.. في سماء كوبا.. بتحلق طائرات التجسس الأمريكية.. "يو تو U-2".. وبتلتقط صور للأراضي الكوبية.. بعضها مشوش مش مفهوم.. لأماكن بدت أشبه بالجراجات المكشوفة، أو أراضي تخزين الغلال.

بتترمي صور "يو تو" غير المفهومة في الدرج، وبيقرروا يبعتوا رحلة ثانية، بترجع بصور شبيهة للأولى.. بدا فيها أن دي لا يمكن تكون مطارات كوبية أو معسكرات جيش.

وهنا بتوصل معلومات جديدة من "أوليج".

معلومات بتقول.. أن الاتحاد السوفيتي بيعمل قواعد لصواريخه ذات الرؤوس النووية بدوره في كوبا.. وأن القواعد تم بنائها والقطع تم شحنها بالفعل.. ومفترض أنها تتركب، وعلى ما تعرف الولايات المتحدة، يكون قد فات الأوان.

وبيحدد "أوليج" أماكن القواعد ومساحاتها بدقة بالغة.. ومع الرسالة الرهيبة، بيقف شعر راس أحد رجال الاستخبارات الأمريكيين، وبيهرع إلى خزانته وينتزع منها صور طائرات التجسس الأمريكية، وبيقف شعر رأس الباقين، والصور الباهتة دلوقتي بتبدو لهم واضحة جلية.

دي قواعد صواريخ بلا أي شك.

وواضح أنها جاهزة لاستقبال الصواريخ السوفيتية بالفعل.

ودا يعني أن الاتحاد السوفيتي يقدر من كوبا يقصف أمريكا بصواريخ ذات رؤوس نووية ويحيلها لكومة من الرماد في ساعات.

ويبو أن الوقت سرقنا النهاردة والقصة طالت، فنأجل كلامنا عن اللي حصل بعدئذ لاحقًا.

ويبقى للحديث.. بقية.

---------

- صورة حقيقية من عملية غزو خليج الخنازير.

- المنشورات السابقة اول تعليق.