لسه مع الجواسيس الذرية.. وواحد من أخطرهم في المشروع مانهاتن.. بيبرز اسمه على الساحة، مع اعترافات "هاري جولد".

"ديفيد جرينجلاس David Greenglass".. ذو الوجه الممتليء، والملامح الوديعة، والابتسامة الدائمة.. اللي في الصورة ده.

مهندس ميكانيكا، اشتغل في منشأة "كلينتون للأشغال الهندسية Clinton Engineer Works".. اللي كانت جزء من مشروع مانهاتن، ومسؤولة عن تخصيب اليورانيوم اللازم، للقنبلة الذرية الأولى.

مع نجاح عملية التخصيب، على يد "جرينجلاس" بيتنقل إلى "لوس ألاموس".. في قلب مشروع مانهاتن نفسه، عشان يبقى له دور حيوي، في تضبيط القنبلة، وتزويدها بالمعدات اللازمة وإعدادها عشان تنفجر.

يعني كان "ديفيد جرينجلاس" يقدر يخلي القنبلة تنفجر بمؤقت في الجو في سماء أمريكا نفسها، أو تنفجر في مشروع مانهاتن نفسه، وتمحي "لوس ألاموس" من على الخارطة.

وكان "جرينجلاس" هو صاحب ذلك الاسم الكودي.. اللي أفصح عنه "جولد" وتطابق مع الوثائق السوفيتية.

"كاليبر".

وكانت مفاجأة صاعقة للأمريكيين.. اللي ماتصوروش أبدًا.. أن السوفيت، اخترقوهم للدرجة دي.. خاصة مع القبض على "جرينجلاس".. اللي مبيقاومش برضه، وبيبدأ سيل الاعترافات.

فـ"جرينجلاس" كان أمريكي المولد، من أصول يهـودية نمساوية، وعملية تجنيده كانت غريبة جدًا.. إذ أن شقيقته وزوجها، "جولياس وإيثيل روزنبرج Julius and Ethel Rosenberg" كانوا من ضمن شبكة العملاء السوفيتية العالمية، وكان دورهم أنهم يبحثوا عمن يصلح كجاسوس سوفيتي.. ويقوموا بتجنيده عبر العالم.

ومع عمل شقيق "إيثيل" في "كلينتون للهندسة".. بتبدأ هي وزوجها يغمروه بالفكر الشيوعي، ويقنعوه أن الاتحاد السوفيتي هو جنة العمال في الأرض، لحد ما بيتعاطف تمامًا مع الفكر الشيوعي.. فبيدفعوا له بالفتاة الشابة "روث بريتنز Ruth Printz" كمرشحة للزواج.. فبيتزوجها فعلًا.. عشان تتجند بدورها لاحقًا.. ويظهر اسمها كعميل آخر مجهول في الوثائق السوفيتية.

"الدبور Wasp".

يعني "جرينجلاس" اللي جنده وجندوا زوجته كانوا أفراد اسرته.. وصاروا جميعًا تحت إشراف ضابط الحالة ورجل الاستخبارات السوفيتي "فيكليسوف Alexander Feklisov".

وبيقبض رجال المباحث الفيدرالية على "جولياس" و"إيثيل".. وبتنكر "إيثيل" علاقتها بموضوع التجسس تمامًا رغم اعترافها أنها بتميل للمباديء الشيوعية.. وكذلك بينكر زوجها أية دور لها.. لكن شهادة شقيقها "جرينجلاس" كانت قاطعة...

واثناء التحقيقات، بيعترف "جرينجلاس" على جاسوس جديد!

"مورتون سوبيل Morton Sobell".. مهندس زميل لـ"جرينجلاس".. ودا أول ما بيعرف أن "جرينجلاس" سقط في يد المباحث الفيدرالية، بيغير اسمه وينطلق باسم مستعار إلى نيوميكسيكو.. ولأنه كان مجرد جاسوس داخلي بالمشروع، بيسلم معلومات لـ"جرينجلاس" فحسب.. فدا كان إجادته لعمل الجواسيس والتخفي والهرب، هي نفس إجادتي للغة المسمارية بالضبط.. ففي نيوميكسيكو.. بيقبضوا عليه بعد ساعتين فحسب من وصوله.

وفي الآن ذاته بتكشف الوثائق السوفيتية المشفرة عن اسم جديد.

"تيودور هول Theodore Hall".. عالم فيزياء ورياضيات شاب، من العاملين بمشروع مانهاتن.

و"هول" دا لما قبضوا عليه كان شديد الهدوء.. هو كان شكله على طول هاديء وقرفان بدون مبرر.. واستقبل التحقيق معه ببرود حقيقي.. دون أن يمنحهم معلومة واحدة، حتى مع الضغط والصراخ والتهديد.. ظل ثابتًا بيتطلع إليهم في برود شديد، نافيًا كل ما وجه إليه.

ولأن مكانش في اي دليل على "هول" غير اسمه في وثيقة، ودا قد يكون حيلة من السوفيت للتضليل إذا ما انكشفت الشفرة، فالأمريكيين بيطلقوا سراحه في غيظ.. ولكن بيضعوه تحت المراقبة اللي مابتسفرش عن أي شيء.. وبيفضل حر، لحد ما بيعترف قبيل وفاته.. بعام واحد.. سنة 1998 في لقاء تليفزيوني للسي إن إن.. أنه بالفعل كان جاسوس سوفيتي في مشروع مانهاتن.. منحهم كل ما وقع تحت يده من أسرار.. عشان يمنع احتكار أمريكا للسلاح ده.

ومع الاعترافات من "فوكس" و"جرينجلاس" وجولياس".. و"سوبيل" بيتكشف عملاء آخرين.

وبدأت شبكة تجسس مشروع مانهاتن تسقط، بعد فوات الأوان.

وبيتم الإفراج عن "جولد" بكفالة 100 ألف دولار.. طبعًا محدش في الزمن دا وقتها كان معاه مبلغ زي دا، فمبيقدرش يدفعها، وبيتسجن سبع شهور، لحين محاكمته.. وفي المحاكمة، بيقوم بدور المتهم والشاهد معًا.. ومبيتحكمش عليه بالإعدام بالفعل حسب الصفقة.. بياخد حكم بـ30 سنة.. بيخفف لاحقًا إلى 12، نظرًا لحسن سلوكه في السجن.

"جرينجلاس" بيتحكم عليه بـ15 سنة، وبيتحكم على "فوكس" بالسجن 14 سنة.. بينما بيتم إعدام شقيقة "جرينجلاس".. "إيثيل زورنبرج" وزوجها، "جولياس" .. مع أنها ظلت لآخر لحظة تؤكد أنها بريئة.

"إيثيل" الدنيا اتقلبت عشانها لتخفيف حكم الإعدام كونها إمرأة.. لدرجة تدخل البابا نفسه.. لكن الحكومة وقتها قررت أنها لو عملت دا.. فالاتحاد السوفيتي حيجند بعد كده ستات فقط.. وهو عارف أنهن مش حيعدمن.. فبتنفذ فيها حكم الإعدام.

وبغتة بيبرز اسم شديد الأهمية والخطورة، والمرة دي.. بيكونوا عارفين صاحبه مين.

"موريس كوهين Morris Cohen" ضابط جيش أمريكي من أصول يهـودية.. مؤمن بالمباديء الشيوعية، جنده السوفيت هو وزوجته، وقدم لهم عشرات الخدمات النافعة، المرتبطة بمشروع مانهاتن.

لكن "كوهين" بمجرد ما الشبكة بدأت تقع.. أخد زوجته.. وهربوا إلى بولندا.. وهناك اقاموا لفترة، وقدموا للسوفيت خدمات جليلة.. لحد ما قبض عليهم الانجليز واتقدموا للمحاكمة.

ودول بالذات.. طلب الاتحاد السوفيتي مبادلتهم.. وبالفعل.. اتبادلوا بجاسوس انجليزي محبوس في موسكو.. ورجعوا للاتحاد السوفيتي واستقبلهم استقبال الأبطال، وأحيلوا للتقاعد وحصلوا على معاش كبير لمدى الحياة.. وبعد وفاتهم.. طبع السوفيت طوابع بريد عليها صورهم واساميهم.

وبعد قضاء نصف المدة، بيخرج "جرينجلاس".. وبيعلن للمرة الأولى، أن شقيقته كانت بريئة بالفعل.. وأنه قدمها ككبش فداء.. عشان ينقذ نفسه وزوجته.. وأيد كلامه "مورتون سوبيل".. اللي خرج من السجن وتحول لناشط من أجل السلام.. وقال أن "جولياس" حكى له تقريبًا كل اللي كان بيعمله ونسقوا كل شغلهم مع بعض.. وعمره ما أشار لأن زوجته كانت جاسوسة أو بتعمل معه.

وبيتصور الجميع أن القصة انتهت، لكن مع عمل عبقري التشفير واللغويات "ميرديث".. بتظهر بغتة أسماء كودية جديدة، في رسائل أخرى، تخص جواسيس آخرين، كانوا في قلب المشروع مانهاتن.. ويبدو أن المشروع مانهاتن السري الرهيب دا.. كان كل الكوكب بيتجسس عليه فيما عداي.

ووسط الأسماء الكودية دي.. بيقف شعر رأس الأمريكيين.. أمام اسم وحيد.. أحيطت به معلومات خطيرة بحق.

دا لأنه المرة دي.. مكانش اسم لأمريكي، جنده السوفيت، عشان يخدمهم وهو في قلب مشروع مانهاتن.

المرة دي كان الاسم مصيبة حقيقية.. لأن الاسم الكودي كان لرجل مخابرات سوفيتي أصًلا.. مارس دور الخلية النائمة، لسنين طويلة.. لحد ما جت اللحظة، اللي اتحرك فيها.. وتسلل إلى قلب مشروع مانهاتن.

رجل الاستخبارات السوفيتي.. صاحب الاسم الكودي "دلمار Delmar".. اللي الأمريكيين ماتوصلوش إليه ابدًا.. وبذلوا كل مرتخص وغال عشان يعرفوه.. وجندوا عملائهم في نص كوكب الأرض لأكثر من نصف قرن.. عشان يتوصلوا لهويته.. وماعرفوش يوصلوا إليه قط.

قصة "ديلمار" وهويته اتعرفت.. وفوجئت بها المخابرات الأمريكية زيي وزيك، في 2007.. لما الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين".. أعلن دوره، وأثني عليه.. ومنحه لقب "بطل الاتحاد الروسي Hero of the Russian Federation".. عن خدماته في تلك الفترة...!

والرجل العجيب دا قصته تطول، فنكمل حكايته هو والجاسوس صاحب الاسم الكودي "أليك Alek" لاحقًا.

ويبقى للحديث.. بقية.

-------------

- المنشورات السابقة أول تعليق.