رغم استخفاف الإنجليز بالمعلومات اللي قدمها لهم الأمريكيين حول "فوكس"، لكنهم بيبذلوا وسعهم طبقًا للقواعد، عشان يتحققوا من الموضوع.. وكان "فوكس" قد تم استدعاؤه مرة ثانية إلى لندن، للعمل في المشروع النووي الإنجليزي.

وفي انجلترا أثناء عمله، بيستدعيه "ويليام سكاردون William Skardon"، رئيس قسم مكافحة التجسس، بالاستخبارات البريطانية.. وبيحقق معه.

وبينتهي التحقيق بدون إدانة "فوكس".. لأن مفيش عليه دليل واحد.. وبيقتنع المحقق أنه قد يكون رجل برئ، لكن قبل انصرافه، بيديله ورقة فيها عدة أسماء واشخاص، ويطلب منه التحقق إذا ما كان التقى بأي منهم أو سمع أسمائهم من قبل.

وبيلقي "فوكس" نظرة واحدة على الورقة، في جزء من الثانية، وبيعيدها للمحقق نافيًا، فبيطلب منه المحقق في ضيق إنه يراجع الورقة كويس.. فـ"فوكس" في ضيق مماثل، بيعيد عليه الاسماء اللي في الورقة وبيقوله إنه تحقق كويس وميعرفهمش بالفعل.

ومع انصراف "فوكس" كان المحقق مصاب بدهشة بالغة.. خلته يدفع بأحد العملاء، عشان يستوقف "فوكس" في الشارع، ويقدم له ورقة أخرى، فيها عنوان بالغ التعقيد، ويسأله عنه كأي عابر سبيل.. وألقى "فوكس" على الورقة نظرة سريعة في ربع ثانية، ووصف العنوان المعقد للرجل.

ودا كان خطأ "فوكس" اللي جعل الشبهات ترجع تحوم حولة في قوة.

فمن ضمن الأسئلة اللي حار فيها رجال المخابرات، كانت كيفية خروج المعلومات من مقر المشروع مانهاتن، خصوصًا أن في العصر دا مفيش فلاش ميموري وموبايل والقصص دي.. فإزاي خرجت رسوم ومعلومات ومعادلات طويلة معقدة، والكل بيخضع للتفتيش؟

وبيتضح الأمر للمخابرات البريطانية بغتة.. مع خطأ "فوكس".

الأخ "فوكس" بيمتلك "ذاكرة فوتوغرافية Eidetic memory" مذهلة.. بتخليه يلقي نظرة على صفحة كاملة، فيحفظها في ذاكرته كالكاميرا، بموهبة عجيبة، مش بتتوفر غير لـ3% من سكان العالم تقريبًا.

وفي الوقت نفسه، بيفك الأمريكيين شفرة رسالتين تانيين بتاريخ قديم، بتجعل لياليهم أكثر سودًا.

الرسائل المرة دي بتتكلم عن عميل غامض مجهول.. اسمه الكودي "كاليبر calibre".. بيعمل في مشروع مانهاتن.. و"كاليبر" دا على ما يبدو طرف خيط مهم.. بيبدأ عنده وينتهي أسماء عدة جواسيس آخرين.

وكان "كاليبر" بيعمل بالتعاون مع عميل آخر اسمه الكودي "الدبور wasp".. مع إشارة لجاسوس رابع، اسمه الكودي "الأوزة Goose".. ودا المرسال اللي بياخد المعلومات من "كاليبر" وغيره.. ويوصلها للسوفيت.

وبما أن الرسالة السابقة اشارت إلى عميل آخر باسم "ريست"، فدا يعني أن مشروع مانهاتن.. أكثر مشروعات الأرض سرية وخطورة، مخترق من قبل السوفيت، بأكثر من جاسوس واحد...!

والمرة دي البحث في الملفات بيطول، وبيحصل ارتباك هائل للمخابرات الأمريكية.. ومابيعرفوش مين مع مين بالضبط.. ومين ممكن يكون محل شك.. ومين بريء.

وأثناء الموقف العصيب دا، ووسط كل هراء الأوراق والمستندات.. وبالتحديد في 29 أغسطس، سة 1949، بتحصل مصيبة أخرى.

الاتحاد السوفيتي، بيجرب بنجاح قنبلته الذرية الأولى "أر دي إس 1 - RDS-1".. في كازاخستان.

ودا يعني أن الولايات المتحدة مابقتش هي القوة النووية الوحيدة في العالم خلاص. وإن المشروع مانهاتن تم اختراقه بنجاح ساحق.

وأثناء سهر الأمريكيين لليال سوداء طالت لتستحيل أسابيع، ثم شهور، وسط العشرات من أقداح القهوة والمئات من لفائف التبغ، بتتحل القضية من تلقاء نفسها.

فأثناء وجود "فوكس" في لندن، بتلعب معاه المخابرات الإنجليزية لعبة أكثر احترافًا من اللعبة الأميريكية.. فتخليه يلاحظ أنه مراقب طيلة الوقت، وأنهم بيعدوا عليه أنفاسه.. ودا سبب له ارتباك هائل.. لأنه كان متصور أن تعاونه مع السوفيت، مايضرش الإنجليز ولا الأمريكيين في شيء، بما أنهم حلفاء.. بالعكس دا كده بيساعدهم في قهر النـازيين.

ومع ارتباكه وتوتره، بيتوجه من تلقاء نفسه للاستخبارات الإنجليزية في العام 1950، وبيلتقي مرة ثانية بالضابط "ويليام سكاردون".. وبيعترف له اعتراف كامل.

وكان الاعتراف مذهل.. حكى فيه "فوكس" كل شيء.

"فوكس" بذاكرته المدهشة، كان بيحفظ أية معلومات يقع عليها بصره، وبعدين يخرج من المشروع ويتفتش في هدوء، وفي منزله، بيكتب على الآلة الكاتبة كل شيء، زي ما بيكتب أبحاثه، ويرسم الرسوم الهندسية للقنبلة وأجهزتها، بأبعاد دقيقة، وبعدين يطوي الأوراق في كتيب أخضر صغير، ويخرج، ويتأكد إنه مش مراقب، ويتوجه لنقطة اللقاء.

وكانت "كرة التنس" هي العلامة اللي بيميزه بيها عملاء السوفيت، ويدركوا أنه معاه معلومات جديدة جاهزة، وأنه مش مراقب.. فبيتقدم منه أحدهم، في مطعم أو بار أو ما شابه، ويجلس جواره، ويبرز كتيب أخضر بدوره، نسخة طبق الأصل من الكتيب اللي مع "فوكس"، ودي العلامة اللي "فوكس" بيعرف بيها أنه عميل سوفيتي.

وبيحصل تبادل للكتيبين في هدوء وبساطة.. بدون ما يشعر أحد.

وكان العميل اللي بيقابل "فوكس".. هو صاحب الاسم الكودي "الأوزة".. "هاري جولد Harry Gold".. ومع تقديم "فوكس" لاسم "جولد" للسلطات، بتتعاون المخابرات الأنجليزية مع الأمريكية، وبيطبقوا على "جولد" في منزله.

وكان "جولد" كيميائي وجاسوس صناعي للسوفيت منذ زمن بعيد.. من أبوين روس اصلا وهاجروا لسويسرا، واشتغل هناك في وظائف تافهة.. لحد ما سافر للولايات، واشتغل في مصنع خشب، ومنه قفز إلى وظيفة مربحة في مصنع السكر.

ومع الراتب الجيد في مصنع السكر، كمل "جولد" تعليمه ودرس كيمياء جنب شغله.. وبدأ يعيش حياة جيدة، لكن الكساد العظيم وقتها كان بيفصح عن نفسه.. فبعد سنوات لقى نفسه زي الملايين، عاطل وفلوسه خلصت.. بدون أية فرصة.. فوقع بين براثن السوفيت.. اللي شغلوه لحسابهم كجاسوس صناعي.. يسرق لهم الاختراعات والرسوم الهندسية للمعدات ووثائق الآلات الخاصة بالمصانع، وهم بالهندسة العكسية يقلدوها ويطوروها.

وبينقض رجال المخابرات الأمريكية علي "جولد" في منزله، ومابيقاومش مطلقًا.. وبيرتدي ملابسه ويذهب معهم في هدوء.

وبدون أية ضغوط.. مع كوب من القهوة ولفافة تبغ، بيطلب منهم عقد صفقة، أنه يعترف عن كل شيء، ومايتمش إعدامه.

بتتم الصفقة سريعًا، وبيعترف "جولد" بهدوئه المثير، أنه جاسوس للسوفيت منذ العام 1933، آخر أعوام الكساد الاقتصادي العظيم.. وأنه كان بياخد معلومات من "فوكس" يوصلها للسوفيت.. ومكانش "فوكس" هو الوحيد.. اعترف كمان على "كاليبر" و"الدبور".. وأعلن هوياتهم الحقيقية للسلطات.

وكانت صدمة عنيفة لرجال الاستخبارات.. لما بتتكشف شخصية "كاليبر" الغامضة.. وموقعه في المشروع.. وكيفية تجنيده.

ويبدو أن الكلام سرقنا النهاردة فنكمل كلام عن القصة دي لاحقُا.

ويبقى للحديث بقية.

--------

- المنشورات السابقة أول تعليق.

39 comments

59 shares

Like

Comment