مع تتبع عالم الفيزياء "كلاوس فوكس Klaus Fuchs".. بحث رجال المخابرات في تاريخه، وأدهشهم أن حكومة إنجلترا عرضت عليه جنسيتها.. وطلبت منه تقديم طلب من أجل ذلك.

لكن الطلب لم يبت فيه طويلًا، ومع تتبع السبب بكثير من الريبة.. تنهدوا في ارتياح.. لما اكتشفوا أنه مش بسبب أية شبهة.. لكن بسبب قيام الحرب العالمية الثانية.. اللي عطلت المرافق ومعظم أجهزة الدولة.

ولكن في خضم الحرب.. بتبت إنجلترا في الطلب وبتمنحه جنسيتها بالفعل، وبيساهم في تطوير الأسلحة الإنجليزية المستخدمة في الحرب. ثم بيأتي إلى الولايات، من ضمن فريق من العلماء، اختارتهم أمريكا، للعمل في مشروع مانهاتن.

ولكن ارتياحهم لم يدم طويلًا.. لأن الطريقة اللي اختير بها "فوكس" للعمل في المشروع جعلتهم يتشككون أكثر.

فـ"فوكس" فجأة أظهر ميل للهجرة للولايات المتحدة، رغم كونه بيعامل في انجلترا معاملة الملوك، وظهرت عليه معالم ثراء مباغت، تزيد عن قدرة دخله من العمل في الجامعة.

ومع تشككهم.. وفك تشفير تلك الرسائل القديمة، بواسطة العبقري "ميرديث".. بتظهر رسالة جديدة.

رسالة أخرى قديمة من موسكو.. للسفارة السوفيتية في الولايات المتحدة، فيها تعليمات مشفرة، بمنح مبلغ 500 دولار للعميل "ريست".. كمكافأة له على جهوده عن الستة أشهر الأخيرة.. المبلغ دا كان فادح، لو عرفت أنه وقتها كان ممكن تشتري بيت في أمريكا دورين بحديقة بـ1500 دولار.

ومكانش عند الأمريكيين أي شك أن "فوكس" هو ذاته صاحب الاسم الكودي "ريست".. خصوصا مع نمط عبثه بكرة التنس.. اللي حفظوه عن ظهر قلب.. وأدركوا أنه بيبرزها في أماكن معينة.. في حضور اشخاص معينة.

ولكن لأن "فوكس" زي بقية العلماء، بيتم تفتيشه جيدًا.. قبل وبعد الخروج من مشروع مانهاتن بـ"لوس الاموس".. بيحار رجال المخابرات، عن كيفية تسريبه للأسرار.. إن كان هو الفاعل بالفعل.

وهنا بتدخل "فينونا Venona project" على الخط.. و"فينونا" دي تقدر تعتبرها معادل "المخابرات الحربية" عندنا.. وبتبدأ في مراقبة "فوكس"...

بس "فوكس" مبتظهرش شبهة واحدة في تصرفاته.. ففي العام 1949، بتخطر المخابرات البريطانية، أنها بتشك في كونه جاسوس.. وبتقدم لهم الرسالتين.

ولأن السوفيت كانوا أساتذة في فن التجسس وعالم المخابرات بالفعل، بيدركوا اللي حصل، وبيقطعوا أي اتصال بـ"فوكس".. وبترسل المخابرات البريطانية بضعة من خبرائها، لبحث الموقف.

وفي المقابل بترسل المخابرات السوفيتية، فريقها بدورها.. وبتبدأ بين الطرفين حرب بارعة.. حرب عقول.

وكان هدف الإنجليز هو التأكد، من كنه "فوكس" جاسوس سوفيتي من عدمه.. أما السوفيت.. فقد بذلوا قصاري جهدهم.. عن طريق رجالهم.. لأبعاد الشبهات عن رجلهم شديد الأهمية.

وفي الحرب الاستخباراتية دي بينتصر السوفيت.. وبتبعد الشبهات عن "فوكس تماما.. وبينظر رجال المخابرات الإنجليزية إلى الأمريكيين باستخفاف وسخرية.. بيتقبلوهم في صمت، باعتبارهم جهاز مخابرات وليد.. لسه مبيتملكش الخبرة الكافية.

وفي محاولة أخيرة متخاذلة، بيستدعي الأمريكيين "فوكس" ويبدأوا التحقيق معه، لكنه بينكر التهم الموجهة إليه تمامًا في استنكار بالغ.. وبيتركهم غارقين في الحيرة.. وبينصرف.

وبيبدأ رجال المخابرات الأمريكية يبحثوا في اتجاه آخر.

أن "ريست"، المشار إليه في برقية السوفيت، ليس هو "كلاوس فوكس" عالم الفيزياء نفسه.

أنه رجل آخر.. يحتمل أن السوفيت اشاروا إليه بالاسم الكودي "رست".

ومع استبعاد "فوكس" بدأت الشبهات تحوم حول آخر.

حول عالم آخر، من أصول ألمانية، يحمل اسم "هانز بيثي Hans Bethe".

و"هانز" أول ما وصل للولايات، مكانش ينفع يشتغل في مشاريع سرية كونه ألماني، فمنحوه الجنسية الامريكية.. وقدم لهم في المقابل في العام 1941 بعد حادثة بيرل هاربور.. اختراعه "مقسم الطاقة Bethe-hole directional coupler".. اللي قفز بتقنية الرادار قفزة هائلة.. أمنت للولايات تأمين سمائها، ضد أي هجوم مماثل.. وأتاحت لها لانتصار في الحرب.. وقدم لهم كذلك، اختراعه حول القذائف الخارقة للدروع.. واللي أدرجته أميريكا من فورها تحت بند السرية المطلقة.

وكان سر شكهم في "هانز" أنه بعد الحرب رفض مشروع القنبلة الهيدروجينية.. وأعلن أنه لا يجب السعي وراء سلاح كهذا... معارضًا فكرة "إنريكو فيرمي Enrico Fermi" ذو الأصول الإيطالية، و"إدوارد تيلر Edward Teller" ذو الأصل النمساوي، اللي جنستهم أميريكا كذلك وصاروا من رجالها، وقفزوا بها قفزة هائلة في مجال التسليح.

وبتحوم الشبهات حول "هانز" المرة دي.. لكن بيحصل خطأ قاتل، من الجاسوس الحقيقي "فوكس".. بيغير مسار الأحداث.. وبيرجع كل الشبهات حوله دون قصد.

والخطأ دا كان عجيب بالفعل، ودا يخلينا نتكلم عنه لاحقًا.

ويبقى للحديث بقية.

--------

- المنشورات السابقة أول تعليق.

- الصورة للبروفسير الجاسوس "كلاوس فوكس".