لسه مع الجواسيس اللي غيروا مجرى العالم. والنهاردة مع جاسوس من نوع جديد.. الخبراء بيسموه "الجاسوس الذري".. أو "الجاسوس النووي".
العام 1946، وخبير لغويات وشفرة أمريكي جديد، اسمه "ميرديث جاردنر Meredith Gardner".. بيجلس إلى مكتبه للمرة الأولى في عمله الجديد، وسط نسخ من آلاف الرسائل.. اللي كانت الولايات المتحدة بتعترضها من الإتحاد السوفيتي إلى سفاراته.. وتنسخها.. وتعيد إرسالها.. وتبدأ على مهل في البحث عن شفرة ما، بتخفيها الرسائل دي.
وكان "ميرديث" موظف غير مرغوب فيه، عينوه حديثًا على مضض.. نظرًا لعبقريته، رغم كونه شخصية صدامية عنيدة غير منقادة، لا تصلح إطلاقًا للعمل في المخابرات.. ولأنهم عاصرين على نفسهم طن ليمون وهم بيشغلوه.. فقد وضعوه وسط رسائل قديمة، يعود تاريخها إلى تلك الفترة.. أثناء الحرب العالمية الثانية.. بعد انتهاء الحرب بعام كامل.
وبيبدأ الرجل عمله، وبيستبعد الرسائل اللي مفيهاش أية شفرة.. ثم بيمسك "ميرديث" برسالة عادية، موجهة من موسكو، للسفارة الروسية في واشنطن، تاريخها بيرجع لستة أشهر، قبل انتهاء الحرب.. وبيبدأ دراستها في اهتمام.
وبيكتشف "ميرديث" شفرة ما في الرسالة، غابت عن أعين كل من سبقوه، وببساطة عبقرية، بينجح "ميرديث" في فك الشفرة البالغة التعقيد.
وما أن فك "ميرديث" التشفير، حتى قدم الرسالة لرؤسائه.. اللي بدا وكأنهم هوت على رؤوسهم صاعقة حقيقية، تجمدت لها عيونهم في محاجرها، في ذعر بالغ.
دا لأن الرسالة كان فيها 24 اسم.. محدش على الإطلاق يتخيل، أنهم ممكن يظهروا في وثائق سوفيتية.
ودا لأن الأسماء دي كانت أكثر الأسماء سرية على وجه البسيطة، في ذلك التاريخ.
وكان الـ24 اسم.. لعلماء فيزياء نووية، منخرطين في واحد من أكثر المشاريع سرية وخطورة في التاريخ.
"مشروع مانهاتن The Manhattan Project". المشروع اللي بدأ خلال الحرب العالمية الثانية، بهدف تصنيع أسلحة نووية للمرة الأولى في عمر الأرض، ونجح بالفعل في تقديم أول قنبلة للولايات المتحدة.. أنهت بيها الحرب، وأعلنت نفسها كقوة مخيفة منفردة على الساحة.
والأسماء دي كانت أخطر أسرار الولايات المتحدة على الإطلاق، في تلك الفترة.. والعلماء دول محدش كان يعرف عنهم أي حاجة.. لدرجة أن أسرهم وأهاليهم نفسها.. مكانتش تعرف عن شغلهم أي شيء.
حتى في غرف نومهم.. كان العلماء دول مراقبين.. وكانوا مدركين دا وعارفينه.. مراسلاتهم.. تليفواناتهم.. كل شيء.. ومستحيل يتسرب منهم حرف واحد.
حتى في عملهم مكانوش بيسموا الأسماء بمسمياتها.. مكانوش بيقولوا "يورانيوم" ولا "قنبلة" ولا غيره.. كان لكل العناصر دي أسماء شفرية كودية.
مكانش جهاز "المخابرات المركزية CIA" لسه اتأسس وقتها وبقى له ملايين العملاء حول العالم زي دلوقتي، اتأسس بعدها بشهور.. وبسبب الواقعة دي بالذات.. بس كان في الكيان الوليد "هيئة الاستخبارات الوطنية National Intelligence Authority".. اللي تأسست قبل بضعة أشهر فحسب.. من تاريخ فك تشفير الرسالة الكارثية.
وتلقف رجال الاستخبارت الرسالة.. ووقف شعر رؤوسهم هلعًا بدورهم.. وبرز على السطح سؤال مخيف.. جر في ذيله عشرات الأسئلة الأكثر إرعابًا.
إزاي السوفيت عرفوا الأسماء دي؟ مين بيعمل لصالحهم في مشروع مانهاتن؟ مين الجاسوس اللي اخترق أكثر المشروعات الأمريكية سرية ونقل أسرارها للسوفيت؟
ويا ترى السوفيت عندهم إيه تاني من الأسرار؟ يا ترى عرفوا سر القنبلة الذرية؟
الحقيقة أن السوفيت أثناء الحرب العالمية الثانية.. كانوا في سباق حثيث مع الألمان والأمريكان في البحث عن سر القنبلة، وكادت ألمانيا أنها توصل لها بالفعل قبل الجميع.. ولو حصل دا.. كانت خارطة العالم تغيرت للأبد.
لكن اللي حصل.. لأن الأنظمة القمعية والبيروقراطية بطبيعتها، طاردة للعلماء والموهوبين.. فصاحب المعادلة الأكثر خطورة اللي اتبنت عليها القنبلة الذرية، "ألبرت آينشتاين".. فر من ألمانيا النازية بسبب مضايقات الأمن وعدم التقدير الشخصي.. وفي رحلة هروبه تجنب الاتحاد السوفيتي.. اللي كان قمعي بدوره ومكانش حيختلف كتير عن ألمانيا، وتوجه للولايات.. أرض الحرية الموعودة. وهناك.. بتفتح له الولايات المتحدة ذراعيها.. وبتعامله كعالم مرموق.. فبيرسل خطاب للرئيس الأمريكي "روزفلت" بيشجعه فيه على بدء مشروع لصناعة قنبلة ذرية.. الخطاب اللي مع البوست ده.
وبيوافق الرئيس الأمريكي، وبيمنح اعتماد لامحدود للمشروع اللي سموه "مشروع مانهاتن".. وبالفعل بيتلقف فريق العلماء الأمريكيين المعادلة اللي كانت تنقصهم.. وبيتمخض المشروع عن السلاح المرهوب.. القنبلة الذرية.
السوفيت كان عندهم عادة، أخرتهم لسنين.. لحد ما بطلوها في عهد "خروشوف".. كانوا مبيصرفوش كويس على البحث العلمي، بس بيسرقوا أبحاث الآخرين، لأنهم كانوا سادة العالم واساتذته في فن التجسس. ودا خلا السؤال يدور في عقول الأمريكيين.. يا ترى السوفيت وصلوا لإيه؟
وراحت المخابرات الأمريكية تراجع تاريخ كل من اشتركوا في مشروع مانهاتن، بداية بالعلماء، وانتهاء برجال الأمن والحرس، الذين كانوا يحرسون البوابات في المنطقة المحرمة.. بلدة "لوس ألاموس Los Alamos".. حيث مقر المشروع.
وشددت الرقابة اللصيقة على الجميع، دون ان يشعر أحد، وماتوصلتش المخابرات الأمريكية لأي شيء ذو قيمة.. حتى رصد أحد رجال الاستخبارات الأمريكية، حركة غريبة.. لأحد العلماء، وهو أنه كان بيسير عابثًا بكرة تنس صغيرة معظم الوقت.
ورغم سذاجة التفصيلة، إلا أنها استرعت انتباه رجال الأمن، فأحضروا ملف الرجل وراجعوه في اهتمام.
وبدأ الشك يحوم حول الرجل.
اسمه "كلاوس فوكس Klaus Fuchs".. من أصول ألمانية، أجبره والده أستاذ الأديان المقارنة على دراسة العلوم السياسية، رغم عشقه للفيزياء، ثم فر إلى انجلترا في أواخر العشرينات من عمره، ودخلها كلاجيء، حيث راح يعمل في شركة تبغ، ويحاول أن ينشر أبحاثه وابتكاراته في الفيزياء، والمجلات البحثية تتجاهله تمامًا.. نظرًا لأنه غير متخصص.
ولكن "فوكس" في انجلترا بيلتقي بسيدة ثرية من أصحاب مصنع التبغ اللي بيشتغل فيه، وبيحكى لها عن أحلامه وآماله، فبتؤمن به.. وبتقدمه إلى عملاق الفيزياء، الحائز على جائزة نوبل لاحقًا.. سير "نيفيل موت Nevill Mott".
وفي مكتب "نيفيل" بالجامعة، انبهر أستاذ الفيزياء، بمعرفة "فوكس"، وقراءاته في المجال، رغم دراسته الأدبية، فقرر أن يلحقه ببرنامج للدكتوراة مباشرة، ليحصل "فوكس" بعد أربعة أعوام فحسب، على الدكتوراة في الفيزياء من جامعة بريستول.
وحاول "فوكس" أن يعمل كاستاذ للفيزياء في الجامعة، لكنه رغم عبقريته.. كان مفتقد لعنصر هام.. بيحتاجه البروفسيور للوقوف أمام الطلاب.
الكاريزما.
بيفشل "فوكس" في التدريس.. لكن سير "نيفيل" بيستخسر إهدار عقليته العلمية، وبيرتب له وظيفة بحثية في جامعة إدنبرة.
وبتنهال أوراق "فوكس" في الفيزياء على المجلات العلمية.. وبيبهر العلماء.. وبيبقى ذو اسم مرموق في عالم الفيزياء.
وفي إدنبرة بيحصل "فوكس" على دكتوراة جديدة في العلوم.. بيرسل نسختها لوالده بمنتهى الفخر.. ومع مساهماته العلمية.. بتتقدم إليه الحكومة الإنجليزية، وبتطلب منه يقدم طلب للتجنس.. عشان يبقى مواطن إنجليزي.
ولكن طلب "فوكس" وقتها لم يتم النظر فيه.. رغم أنهم هم اللي طلبوا منه يقدمه.
والسبب في القصة دي شرحه يطول، فنكمل كلامنا عن الموضوع لاحقًا...
ويبقى للحديث بقية.
--------------------
المنشورات السابقة أول تعليق.