فريق عملية "الحارس الشخصي"، مع موقف "جاربو" وهروب "تريجر" الغاضبة.. بيقرر أن العملية أصبحت في خطر داهم.. فبيوقفوا على الفور نشاط "بوبوف".. وبيبدأوا يقلبوا كل حجر في لندن، بحثًا عن "تريجر".. اللي مارجعتش منزلها بعد الواقعة.
وفي الآن نفسه، بيتخذوا قرار في غاية الأهمية.. "جاربو".. اقيم من أنهم يتخلوا عنه.
والحقيقة أن "جاربو" كان على ما وصل مقر "الجستابو"، جهز قصة جديدة في رأسه.. وهناك استعمل موهبته المذهلة في التمثيل.. وراح يتحدث مع النازيين ويحكي قصص مرتجلة في غاية البراعة.. فصرفوه من المكتب إلى منزله وهم متشككين فيه إلى حد ما.. واخضعوه للمراقبة دون أن يدري.
وبيلاقي رجال مخابرات الحلفاء "تريجر" قاعدة في بار، بتشرب وتبكي كلبها الفقيد.. فبيصطحبوها إلى مقرهم.. وكانت غاضبة في شدة، لمصرع كلبها.. فبيبدأوا يهدوها، وبيجيبوا لها صور لعشرات الكلاب.. تختار منهم ما تشاء.. وبتهدأ بالفعل بعد عدة ساعات من الملاطفة والحديث الهاديء.. وبعدها بندخل في دردشة أخرى.. لساعات طويلة.. لحد ما بينتزع منها مدير المكتب الإشارة الشفرية اللي قالت عليها، واللي المفروض كانت حتبعتها للألمان لو وقعت تحت إيد الإنجليز.
وهنا بيجمد الحلفاء نشاط "تريجر".
وفي الآن نفسه، بيرصد الحلفاء الرقابة النازية اللصيقة على "جاربو".. وبيقرروا أنه لازم يستعيد ثقة الألمان بأي ثمن.. فبيطلبوا منه أمر في غاية الغرابة.
بيطلبوا منه يبلغ الألمان بموضع الإنزال الحقيقي.
ولأن الجاسوس مبيسألش ويرغي ويقلب دماغ الناس، فـ"جاربو" نفذ المطلوب منه بمنتهى الدقة.
بلغ الألمان أن الحلفاء حيعملوا إنزال في نورماندي، وأنه رصد توزيع التموين، وأكياس القيء، على قوات الفرقة الكندية الثالثة.
وأكياس القيء دي أكياس خاصة، كان بياخدها جنود المشاة اللي مش معتادين على ركوب البحر، بخلاف رجال البحرية.. عشان يقيئوا فيها لو جالهم دوار البحر وهم محملوين على ظهور السفن وقوارب الإنزال.
ولأن إنزال نورماندي كان بيبدو للألمان كخدعة، فبيزيد شكهم في "جاربو".. لولا بترد إليهم رسالة شفرية، من جاسوس أثير لديهم.. العامود الخامس والأخير في عملية الحارس الشخصي.
اسمه الكودي "بروتس".. واسمه الحقيقي "رومان جاربي تشاناسكي Roman Garby-Czerniawski".. طيار بولندي، جنده الحلفاء كعميل مزدوج زي "بوبوف" و"جاربو".. قبل عملية نورماندي بعامين.. في نفس توقيت تجنيد "جاربو" نفسه تقريبًا.
بيرسل "بروتس" رسالة خطيرة للألمان.. أن الجيش الأمريكي على وشك الهبوط في كاليه.. وأن الأمريكيين والانجليز، عاملين تمويه بالغ الدقة، لخداع أي جاسوس، بحيث يعتقد أن الإنزال حيكون في مكان آخر.. وأنه لولا أنه بالقرب قادة القوات اللي المفروض تعمل الإنزال بالفعل.. مكانش عرف المعلومة الحقيقية أبدا.
وبيسترد الألمان ثقتهم في "جاربو".. وبالفعل بتحتشد ما يقرب من 750 دبابة، و10 آلاف جندي و2000 مدفع، في "كنت Kent" بانجلترا، بالقرب من كاليه.. لبدء الإنزل.
اللي متابع السلسلة دي حيعرف أن كل دول مكانوش جنود ولا معدات حقيقية.. دي ماكيتات اتكلمنا عنها من قبل.. اتعملت في مصانع الحلفاء بدقة بالغة.. بحيث تبدو وكأنها قطع حقيقية. القطع الخشبية دي كانت هي "الجيش الأول الأمريكي First United States Army Group".. "اختصارًا FUSAG".
وفي الوقت ذته، بيسقط الألمان طائرة استطلاع إنجليزية، وبيقبضوا على قائدها حيًا قرب نورماندي.. وبينطلقوا به إلى مكتب المخابرات النازية في باريس.. وبيبدأوا حفلة تعذيبه واستجوابه.
وبيتحمل الطيار لأيام، لكن تحت وطأة التعذيب الشديد، بيبدأ يلقى للنازيين بكل ما لديه من معلومات حول الإنزال القادم.. اللي أعلن لهم صراحة أنه حيكون في نورماندي!
لكن الألمان رفضوا المعلومات دي تماما...!
المفروض طبقًا لقواعد العمل في المخابرات، أن الطيار دا كان حيتحمل التعذيب لأقصى درجة، وبعدين يلقي للي بيعذبوه بخطة زائفة بديلة.. غير حقيقية.. تشتتهم لبعض الوقت.. اللي يسترد فيه أنفاسه. ولأن الطيار ألقى بالخطة الأصلية مباشرة.. فالألمان اعتبروا ان دي الخطة المزيفة البديلة!
ولم يواصل النازيين تعذيب الطيار الأسير.. كان القاؤه لمعلومة "نورماندي" كأول اعتراف كافي لأنهم يتيقنوا أن الإنزال حيكون في كاليه.
وفي الوقت نفسه بيستعيد "بوبوف" نشاطه، وبيرسل للألمان صور واضحة للجيش الأمريكي الأول من "كنت" الإنجليزية زي ما طلبوا منه.. فبيبدأ الألمان يتجهوا بكل ثقلهم إلى كاليه.
وبتصمد كذبة الحلفاء المرة دي.
بتصمد لما يقرب من شهرين كاملين.. لحد السادس من يونيو، العام 1944، لما بتتجه سفن الحلفاء إلى نورماندي، في أكبر عملية عسكرية بحرية في التاريخ.. عشان تعمل إنزال بري ناجح لما يقرب من 200 ألف جندي على شواطيء فرنسا.. حفظه لنا التاريخ باسم "إنزال نورماندي Normandy landings".
في الوقت دا كان "هتلر" في منزله الجبلي، بيقضي وقت ممتع مع زوجته، في جبال الألب الألمانية..حتى أنه دعا وزيرة "جوبلز" وزوجته "ماجدا" كذلك.. لقضاء عدة أيام، وسهرات لطيفة.. ومشاهدة بعض الأفلام الرومانسية.. مطمئن تمامًا لقوة وحشد جيشه في كاليه.
لكن حتى مع ضعف التواجد الألماني في نورماندي.. القوات الألمانية اللي بتحمي الشاطيء بتقاتل في شراسة.. وبتحاول الصمود.. وتطلب المدد من قيادتها.
وبيحتار القادة الألمان وبيصيبهم قلق بالغ.. فلو بلغوا "هتلر" أن الهجوم تم في نورماندي.. ممكن يأمر بإعدامهم.. لفشلهم في توقع موقع الإنزال الحقيقي.. فبيفضلوا في مباحثات وتخبط وقرارات وعكسها.. وبيطلبوا من رجالهم هناك الصمود.. وبيصمد الجنود الألمان بالفعل.. لحد 21 يوليو.. وبعدها بينهاروا أمام ضربات الحلفاء.. اللي بيحتلوا كامل نورماندي.. وينسفوا محطات الرادار الألمانية.. مما بيسمح للطيران بالتقدم وتغطية القوات.
مابتوصلش الأخبار لـ"هتلر" إلا آخر يونيو.. فبيأمر فورًا بتحريك القوات من كاليه إلى نورماندي.. لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.. لكن بعد فوات الأوان.. الحلفاء كانوا تقدموا بالفعل عبر الأراضي الفرنسية.. وبقوا على مشارف باريس.. واضطرت القوات اللي جاية من كاليه.. تتوجه لهم هناك.
وبتدور معارك طاحنة على مشارف باريس.. "حتى أن "تريجر" بتتخلى عن دورها كجاسوسة، وبتتطوع كمقاتلة في الجيش الفرنسي ضد النازيين.. وبيبقى دا الوقت المناسب اللي بيتحرك فيه السوفيت.. فبيهاجموا الألمان من الشرق في نفس اللحظة.. اللي بيهجم فيها الحلفاء ويتقدموا من الغرب.. وبيطبق الحلفاء والسوفيت على القوات النازية.. وبتتحرر باريس في 25 أغسطس، من العام 1944.
بيحرر الحلفاء طيارهم الأسير، الي بيتضح أنه ضابط مخابرات إنجليزية، عمل اللعبة دي كلها بالاتفاق مع بلاده.. عشان يصرف نظر الألمان عن نورماندي. الرجل دا النازيين مزقوه إربًا.. ومانفعش يرجع الخدمة بعد كده، من فرط اللي حصل له على يد الألمان.. بس فضل في السجلات الإنجليزية كبطل قدم خدمات جليلة لانجلترا وقت الحرب.
بيستمر تقدم الحلفاء والسوفيت لشهور.. ماوقفش وسطهم نشاط "جاربو" وبروتس" و"بوبوف" و"برونكس" لحظة.. خاصة مع ثقة الألمان البالغة في الفريق دا لأنهم نفذوا اللي طلبوه منهم على أكمل وجه.. خصوصًا "جاربو" بالذات.. اللي بقى من أهم الجواسيس بعد إنزال نورماندي.... لأنه أشار إلى نورماندي بالفعل قبل حدوث الإنزال.
وبيدخل السوفيت العاصمة الألمانية برلين، في 20 إبريل.. سنة 1945.. في نفس يوم عيد ميلاد "هتلر" الـ56.. وبعد عشرة أيام.. بينتحر "هتلر" في ثكنته.. وبعدها باسبوع واحد,, بتستسلم ألمانيا رسميًا.
مع انتهاء الحرب.. مكانش الجواسيس اللي اتكلمنا عنهم حتى عارفين الدور المهم والحيوي اللي لعبوه.. وبدأوا يرجعوا لحياتهم الطبيعية.
"تريجر" اشترت كلب جديد.. واشتغلت مترجمة للميجور الأمريكي "جون بارتون Major John Barton Collings".. وبيحبوا بعض وتتجوزه.. وتنتقل مع زوجها للعيش في الولايات المتحدة.
"جاربو" ضبّطه الإنجليز في وظيفة في شركة بترول في فنزويلا.. اشتغل فيها فترة.. وبعدين اتجه لتدريس الإنجليزية.. وبعدين بالفلوس اللي حوشها، مع مكافأة الحلفاء.. افتتح فندق صغير.. على شواطيء "ماراكيبو" في فنزويلا.. ظل يديره مع زوجته في هدوء حتى آخر أيامهم.
"بوبوف" انتقل للولايات المتحدة، وهناك اشتغل رسميًا مع جهاز المخابرات الأمريكي الوليد.. السي آي إيه.. وبقى حلقة الوصل بينهم وبين أجهزة المخابرات الأوروبية.. للتنسيق والمتابعة.
"بروتوس" افتتح مكتب للتصوير والطباعة.. قضى فيه معظم وقته في هدوء ورضا في قلب لندن.
"برونكس" افتتحت مطعم راقي.. في قلب مارسيليا.. ومحل ملابس في باريس.. وراحت تستمتع من إيرادهم، بحياتها الاجتماعية الصاخبة.
بدون شك أن المجموعة دي غيرت نتيجة الحرب العالمية وتاريخ العالم بالتالي.. طبعا في عشرات الجواسيس غيرهم.. لكن دول بالذات كان دورهم محوري.. غير نتيجة الحرب وبالتالي خريطة العالم كله.
في مجموعة من الجواسيس منهم "بوبوف"، كانت السبب في ميلاد شخصية "جيمس بوند". اللي مؤلفها نفسه كان رجل مخابرات وجاسوس.. الموضوع دا شائق جدًا.. بس دي قصة تطول.. فنكمل كلامنا عنها لاحقًا.
ويبقى للحديث بقية.
------
المنشورات السابقة أول تعليق.