عملية مخابرات النهاردة غريبة شوية.. بدايتها جاسوس حر، بيشتغل هو ومراته من البيت.. رجل عمل تقريبًا اللي محدش عمله قبله، في ذلك العالم الغامض. وآخرها كلب أليف.. كاد أنه يغير نتيجة الحرب العالمية الثانية كلها.

الجاسوس الحر دا اسمه الكودي قلناه امبارح.. "جاربو".. الحلفاء سموه كده لبراعته المذهلة في التمثيل والخداع.. نسبة إلى الممثلة المدهشة "جريتا جاربو Greta Garbo". الألمان منحوه الاسم الكودي "آلاريك Alaric".. واحد من أذكي الجواسيس وأكثرهم موهبة وخيال عبر التاريخ.

اسمه الحقيقي "خوان بوجول جارسيا Juan Pujol Garcia".. رجل عادي، بدأ عمله في أعقاب الحرب الأهلية الإسبانية.. اتفاجيء بأن القائد الإسباني "فرانكو" بيدعم الفوهرر، وبيمد النازي بمتطوعين للحرب في صف ألمانيا، رغم إن إسبانيا كانت على الحياد.

دا معجبش "جاربو" لأنه كان ضد الديكتاتورية والفاشية بشكل مطلق.. حب يساعد، فراح مع زوحته عرضوا خدماتهم كجواسيس متطوعين، على المخابرات البريطانية.

بيدردش معاهم ضباط المخابرات البريطانية شوية، وبعدين بيرتكبوا واحد من أكبر الأخطاء، في تاريخ المخابرات البريطانية.

بيصرفوهم في لطف، ويقولوا لهم "شكرا مش عايزين".. كونهما عديمي الخبرة في عالم التجسس، وماشتغلوش في أي شيء متعلق بالمخابرات من قبل.

لكن "جاربو" بيخرج من مقر المخابرات البريطانية، ويتوجه مباشرة إلى القنصل الألماني، وبيعرض خدماته على المخابرات الألمانية.

وبتقبل المخابرات الألمانية أنها تشغله هو زوجته.

في البداية طلبوا منه بعض الأمور البسيطة، نفذها على أكمل وجه. الجاسوس أحيانًا بيتطلب منه أمور لا منطقية، أو تبدو ساذجة تمامًا.. زي إنه يرصد عما إذا كان محل بقالة معين مفتوح أو مغلق في ساعة معينة.. أو في بار معين دارت مشاجرة في ساعة معينة.

المعلومات الساذجة دي حتأكد لصباط المخابرات اللي بتتجمع عندهم الداتا في النهاية معلومات أخرى بترد من جواسيس آخرين.. وتخليهم يتأكدوا من إخلاصهم وصحة معلوماتهم فعلًا. مثلا محل البقالة المغلق، حيأكد معلومة أخرى وردت من جاسوس آخر، إنه ماعرفش يسلم الميكروفيلم في محل البقالة زي ما طلبوا لأنه كان مغلق في ذات الساعة، وإلخ.

زي ما حصل في قصة "رأفت الهجان" الحقيقية، لما اتطلب منه أنه عن طريق شركته السياحية، يهدي زوجة أحد الجنرالات الإسرائيليين، تذكرة سفر هدية، أثناء تسوقها، في رحلة مدفوعة بالكامل.. شاملة مصروف شخصي. الجاسوس المصري مكانش عارف هو بيعمل دا ليه. بينفذه فحسب.

الجاسوس غالبًا مابيبقاش عنده الصورة كاملة. بتبقى عند الجهة اللي مشغلاه فقط. والمعرفة بتبقى بقدر الحاجة اللي تسمح له بإتمام مهمته فقط.

المهم أنه "جاربو" كان فاهم دا كويس.. فأدى الأمور البسيطة دي على أكمل وجه.. فوثقوا فيه.. وبدأوا يكلفوه بجمع معلومات أكبر، عن الرأي العام الإسباني.

وراح "جاربو" يخدع النازيين.. بسيل من المعلومات المزيفة المفبركة، كان بيألفها بدقة مدهشة.. حتى أنهم لما طلبوا منه يسافر إلى البرتغال، لرصد حجم الزحام في أماكن معينة، زي المطارات.. ماتحركش من مقعده في بيتهم.. وسأل السؤال دا لصديق له بيعمل على الخطوط الجوية الهولندية.. ولما وصلته المعلومة.. وضعها بشكل شفري في ظرف مغلق، وطلب من صديقه بتاع الخطوط الجوية، أنه يرسل الظرف من البرتغال على عنوان معلوم حيديهوله. عشان يوصل الظرف للنازيين عليه طابع وأختام دولة البرتغال.. فيتأكدوا أنه كان هناك بالفعل.. بينما هو جالس في بيته، في أحضان زوجته، بيحتسي مشروب دافيء جوار النافذة.. ولأن صديقه بتاع الخطوط الجوية بيسافر كل حتة.. فـ"جاربو" قدر من خلاله يبعت للنازيين رسائل بالطريقة دي من لندن والبرتغال وبولندا وبلغاريا.. دون أن يغادر مقعده...!

وبعدين بيبلغ "جاربو" النازيين أنه قام بتجنيد رجل يعمل في مطار لشبونة.

وفجأة بلغهم أنه جند آخرين في إسبانيا.. ثم ثلاثة في البرتغال.. وآخر في لندن.. وبلغ حصيلة ما جنده حوالي 27 جاسوس.. كلهم يعملون في جمع المعلومات في خدمة الفوهرر.

والحقيقة أن "جاربو" كان مجندش ولا شخص واحد!

كانت كلها أسماء وشخصيات وهمية، من تأليفه، وكانت المعلومات بيحصل عليها من الصحف العادية، ويصيغها بأسلوب مذهل، حتى تبدو أنها معلومات حقيقية قيمة.. لدرجة أن بعض الخبراء قالوا عنه، أنه كان قادرًا على كتابة معلومة من سطر واحد، في كتيب صغير من عشرين صفحة، تقرأ محتوياته منبهرًا، ثم لا تخرج في النهاية، إلا بذلك السطر. قالوا عنه كذلك:

"رجل قادر على بيع الثلج في الإسكيمو". أو زي ما بنقول احنا في مصر: "يبيع الميه في حارة السقايين".

وطلب الألمان معلومات عن الجواسيس الجدد، فمدهم بمعلومات كتير جدًا عن نشأتهم وتاريخهم ومواصفاتهم ودراساتهم وأفكارهم. ووصفهم بدقة بالغة، فكان أحدهم أعرج أشقر ذو نمش، والآخر نحيل يرتدي منظار وقد توفى والده منذ عام في مدريد (جاب التفصيلة دي من نعي عادي في صفحة الوفيات).. حتى أنه راح يؤلف مواقف ومشاجرات وهمية، وأسئلة وطلبات على ألسنة أولئك الجواسيس الوهميين.. أقنعت النازيين تمامًا، واطمأنوا له أكثر وأكثر.

وشعر النازيين بالاهتمام، ومنحوا جاربوا مبلغ 1000 دولار شهريًا.. للإنفاق على شبكته المزعومة، التي لا وجود لها في الحقيقة، فكان يحتجز 90 دولار لنفسه، ويبرق الباقي باسم مستعار، لحركات المقاومة ضد النازية في فرنسا وبولندا والنمسا.

المهم مرة، لأن "جاربو" في النهاية كان هاوي، فدا بيخلي المخابرات البريطانية تعترض رسالة منه ذات مرة، وبيذهلهم أسلوبه البارع في الكتابة، وبيذهلهم أكثر أن كل المعلومات اللي بيرسلها مزيفة، مع أن المعلومات الحقيقية متاحة لرجل مثله.. يقدر يحصل عليها بشيء من الجهد.. فبيقبضوا عليه، ويستجوبوه.. قبل عامين كاملين، من إنزال نورماندي.

وبيكتشف الإنجليز أن "جاربو" ظل يخدع النازيين منفردًا لعام كامل، وإنه تبرع بكل الأموال اللي حصل عليها منهم للمقاومة.. محاولًا مساعدة الحلفاء، دون أن يدركوا.. وبيفهموا الخطأ القاتل اللي وقعوا فيه، لما صرفوه من مكتب المخابرات، وبيكتشفوا في هلع، أنه كان ممكن بحسن نية بموهبته السوداء دي، يلبسهم في الحيط، ويخلي النازيين يتحركوا في اتجاه آخر يضرهم، غير اللي بيسعوا أنهم يدفعوهم إليه.. فبيقرروا المرة دي تصحيح الخطأ.. وتجنيده وتدريبه لمساعدتهم بالفعل.

وللمرة الأولى بيتحط "جاربو" على المسار الصحيح، في عالم المخابرات. وبتبدأ معلوماته تاخد طابع أكثر جدية. ودا بيشكك فيه الألمان.. فبيقرروا يبعتوا جاسوس آخر، يتحرى عن أحد عملاء شبكة "جاربو" الوهميين.

وبتوصل المعلومة دي للحلفاء في وقت قاتل، فبسرعة مذهلة، بيزرعوا أحد رجالهم على أنه عميل شبكة "جاربو" الأعرج.. وأنه بانتظار أنه يوصل له رسالة شفرية.. فبيطمن النازيين للأخ "جاربو" تمامًا.. بعدما كان ممكن كشفهم له يكلفه حياته. وبيبدأ "هاريس" ضابط الحالة الخاص بـ"جاربو" لدي الإنجليز.. يزرع عملاء حقيقيين.. بنفس التواريخ والمواصفات اللي اخترعهم "جاربو".. عشان يغطيه تمامًا.

الشبكة اللي بتضم "جاربو" و"بوبوف".. تحت مظلة "عملية الحارس الخاص".. بتضم كذلك وجه جديد، سيدة من كارهي النازية، من أصول سوفيتية.. اتربت في باريس.. فاصابها ألم بالغ من هجوم النازي على باريس وعدائه لروسيا موطنها الأصلي.. فعملت شيء في غاية الغرابة.

تقدمت للمخابرات النازية عشان تشتغل معاهم جاسوسة.. وزي "جاربو".. كانت نيتها أنها تضللهم.. فوافقوا.. وبيسفرها النازيين لأسبانيا.. وبعدين بتجيلها الأوامر ذات ليلة، تسافر في الصباح الباكر إلى لندن. أول ما نزلت في لندن.. خرجت من المطار على مكتب المخابرات البريطانية.. وقالت لهم كل شيء، وعرضت عليهم العمل معهم كعميل مزدوج.

"تريجر "Treasure كان اسمها الكودي.. يعني "الكنز".

اسمها الحقيقي "ناتالي ساجاف Nathalie Sergueiew".. اللي بتبقى الوجه الثالث، في العملية.. وواحدة من خمسة جواسيس رئيسيين مهمين للغاية، لدى الحلفاء.

بيوافق جهاز المخابرات البريطانية على عملها معهم، لكن هي بتحط شرط غريب جدًا عشان تواصل العمل.

بتطلب أنهم يجيبوا لها كلبها الأثير "فريسون Frisson " ، لأن قوانين الحجر الصحي الإنجليزية الصارمة.. رفضت دخوله من المطار ورجعته تاني إسبانيا.. واحتجز في الحجر الصحي هناك.

بتطمنها ضابط الحالة بتاعتها إنها حتجيبلها الكلب، وبتبدأ "تريجر" العمل مع الحلفاء.

الخطة الكبرى كانت أن الحلفاء يقدروا يحرروا شمال أوروبا.. وكان في مكانين صالحين تمامًا لهبوط قوات الخلفاء.

"كاليه" أو "نورماندي". المكانين في شمال فرنسا.. بس بعيد عن بعض. لازم الخدعة تكون محكمة لأن السلاح الألماني كان متطور للغاية عن أسلحة الحلفاء.. والجنود الألمان شرسين جدًا.. الدبابات الألمانية كانت أسرع وأقوى تدريعا وضرباتها أقوى.. فبالتالي أي مواجهة مباشرة تعني النصر للألمان.

لابد إذن من الخداع.. واسترداد أرض.. لتدمير معنويات الألمان، وعمل التحصينات اللازمة والخنادق المضادة للدبابات.. مما يعني خسارة الألمان وفوز الحلفاء.

وبيتم تجنيد الفرقة كلها.. بما فيهم "تريجر" للعمل في مهمة خاصة.. دفع الألمان للاعتقاد أن هبوط قوات الحلفاء حيتم في "كاليه Calais".. مش نورماندي.

وبتعمل "تريجر" في الاتجاه دا بكل قوتها.. وفي نفس الوقت بيرسل الحلفاء "بوبوف" يقابل "جاربو" ويكلفه بالتعليمات دي.

وفي مصانع الحلفاء، بيجري العمل على قدم وساق، لتصنيع 500 دبابة.. و 50 طائرة و1500 جندي مظلي!

القطع دي بما فيها الجنود كانت ماكيتات وعرائس تمويهية خشبية.. تشبه النماذج الحقيقية بالضبط.. الغرض منها حشدها في أماكن معينة، يدعم قصص جواسيس الحلفاء، ويخلي الالمان يعتقدوا أن الإنزال حيحصل في كاليه.

وبيطلب رجال المخابرات من "تريجر" وباقي الفريق.. تزويد الألمان بمعلومات معينة.. تشير كلها إلى أن الإنزال حيحصل في كاليه.

رصد جندي واحد، بملابسه العسكرية.. في مكان معين وقت الحرب، له تأثير بالغ، ممكن يؤكد أو ينفي قدر هائل من المعلومات.. وعليه.. بيتحرك الفريق ويبدأ عمله.

ومع الرسائل الواردة من الألمان حاملة أسئلة خاصة لجواسيسهم، "جاربو" و"بوبوف" و"تريجر" وآخرين، بدا من الواضح أن الألمان بدأوا يصدقوا أن الإنزال حيتم في كاليه.

وقبل عملية نورماندي بشهر واحد.. العملية اللي أطلق عليها الحلفاء "عملية أوفرلورد Operation Overlord" كان الألمان اقتننعوا تمامًا أن الحلفاء حتعمل إنزال في كاليه.. لكن فضل في احتمال ضئيل لدى الألمان.. مقدروش يهملوه.. إن الحلفاء ممكن يختاروا نورماندي.

وبيبزغ على الساحة عميل جديد.. سيدة اسمها الكودي "برونكس Brox" أو "إليفيرا دي لا فونت شيدوار Elvira de la Fuente Chaudoir ".

دي كانت المقابل الأنثوي لـ"بوبوف".. سيدة ثرية للغاية.. نجمة مجتمع.. حسناء تقدر تغوي أي رجل في أي وقت تشاء.. وبتعرف إزاي ترضي الرجل بكلمة واحدة.. و بتعرف بيفكر وعايز إيه امتي.. فكان الرجال بيلهثوا ورائها طيلة الوقت.

السيدة دي كانت عميلة للإنجليز من اليوم الأول، زقوها على الألمان واخترقتهم.. وبعتتلهم برقية شفرية كانت فصل الخطاب في شكوكهم حول نورماندي.

والعجيب أن البرقية لا كانت بتشير إلى كاليه ولا نورماندي.

البرقية كانت بتقول أن الإنزال غالبا حيتم في خليج "بيسكيه Biscaya " شمال إسبانيا.

وهنا تجاهل النازيين نورماندي تمامًا.. وبقى عندهم خيارين... كاليه أو بيسكيه.

وبيوزع الألمان قواتهم بين بيسكيه وكاليه في انتظار الحلفاء.

ولكن فجأة بيحصل أمرين في غاية الخطورة.

"جاربو".. كان بيتبرع بفلوسه دايمًا زي ما قلنا أول ما توصل من النازيين.. ففي الشهر دا لما وصلت له الفلوس الخاصة بشبكته.. زاره فجأة ضابط نازي.. بعدها بساعة.. وطلب منه يشوف إيصالات البرق اللي حول بموجبها النقود.. ولما مكانش مع "جاربو" أي شيء، قبض عليه الضابط النازي في شك بالغ.. واصطحبه إلى مقر الجستابو.. ووضعوه قيد الحراسة، وبدأوا في استجوابه.

ودي كانت كارثة حقيقية.. "جاربو" كان رجل صلب وصاحب قضية.. مش حيعترف بسهولة ولو مزقه النازيين قطعة قطعة.. بس كان بيعشق زوجته إلى حد العبادة.. ولو هددوه بتعذيبها حيعترف بكل شيء ويكشف كتير.. غير أنه أصلا عارف "بوبوف" والتقى به من قبل وجهًا لوجه.. ودا يعني أن الشبكة حتسقط ويضيع جهد سنين.. والإنزال في نورماندي مش حينجح أبدًا.

وأثناء ما بيفكر رجال مخابرات الحلفاء في حل للمصيبة دي.. ظهرت مصيبة أخرى.

كلب "تريجر" اللي في الحجر الصحي في إسبانيا.. كانت ضابط الحالة بتاعتها بتسعى تجيبهولها.. وبتنجح فعلًا.. لكن أثناء الخروج بالكلب من الحجر الصحي الإسباني.. الضابط الإنجليزي المكلف بنقله، بيخرجه من صندوقه، ويبدأ في مداعبته.. فالكلب بيشوف قطة عابرة في الشارع.. فبيقفز فجأة من يد الرجل ويبدأ في مطاردتها.. فبتدهسه سيارة عابرة، ويلقي مصرعه في الحال.

وبتلتقي ضابطة الحالة الإنجليزية جاسوستها "تريجر" في محل بقالة.. واثناء ما هم بينتقوا البضائع ودون أن يلتفتا.. بتبلغها أن الكلب مات.. فبتثور "تريجر" ثورة عارمة.. وبتقول لها أن الألمان اتفقوا معاها على شفرة خاصة.. ترسلها إليهم، لو وقعت تحت سيطرة الإنجليز، وأنها حتروح تبعت الشفرة دي فورا.. وتعرفهم أن إنزال كاليه.. مجرد خدعة.

وبتنصرف "تريجر" غاضبة أقرب للجنون.. وتقفز في سيارة أجرة.. ومابتلحقش بها الضابطة الإنجليزية.. فبترجع للقيادة تبلغهم باللي حصل.

وبتتحط نتيجة الحرب العالمية الثانية كلها على المحك بسبب كلب.

لكن القصة دي تطول، فنكمل كلامنا عنها لاحقًا.

ويبقى للحديث بقية.

--------

- المنشورات السابقة أول تعليق.

- الصورة الأولى لـ"تريجر" و كلبها.

- الصورة الثانية لـ"جاربو" وزوجته.