مع عمليات المخابرات ورجالها اللي غيروا وجه العالم.. وألمانيا اللي بتحتل 15 دولة.. وبتسقط معظم أوروبا، عدا الاتحاد السوفيتي وانجلترا، اللي بيحاولوا يحرروا أوروبا من قبضة النازي، بمعاونة كندا.. ويوقفوا التمدد الألماني الرهيب عبر العالم.
بيبدأ الحلفاء في عملية من عمليات الخداع الاستراتيجي في الحرب.. عملية سموها "عملية الحارس الشخصي Operation Bodyguard".
مبنى وزارة المالية الإنجليزية، في شارع "هورس جاردز" في قلب لندن، واحد من أكثر الشوارع حيوية وصخبًا وازدحامًا.. الناس رايحة جاية، وماتعرفش أن أسفل المبنى، في ثكنة خاصة معمولة في القبو، كانت بتدار فيها واحدة من أكبر وأعقد وأصعب عمليات الخداع الاستراتيجي في تاريخ العالم.
في القبو دا أديرت كل عمليات الجاسوسية اللي نفذها الحلفاء في الحرب العالمية.. وجهز "مونتاجيو" و"تشوملي" جثة الجاسوس الغارقة اللي اتكلمنا عنها من قبل.. وكل شيء ممكن تتخيله.
شبكات تجسس في غاية التعقيد، كان فيها خمسة فقط، ذوي أهمية بالغة، سيدتين وثلاثة رجال.. رمزت لهم المخابرات البريطانية "المكتب السادس MI6".. بالأسماء الكودية "تريجر Treasure" و"جاربو Garbo" و"بروتس Brutus" و"برونكس Bronx".. و"ترايسيكل Tricycle".
والأخير دا بالذات حنقف عنده شوية.
الجاسوس "ترايسيكل Tricycle".. اسمه الحقيقي "دوشكو بوبوف Duško Popov".. اللي في الصورة ده.. محام صربي من أسرة ثرية للغاية، وواحد من اللي استوحى منهم رجل المخابرات الإنجليزي والمؤلف "إين فلمنج Ian Fleming"، شخصية "جيمس بوند".
"بوبوف" كان بيعاقر الخمر بطريقة مفزعة.. لكن زي "جيمس بوند" في الأفلام.. كان رشيق مفتول الجسد، وكان ممكن يشرب 4 لترات من الخمر، ويشرب 300 سيجارة ورا بعض.. ويقعد بعدها يكلمك في هدوء وتركيز وهو هاديء ويقظ تمامًا.. وبعدين يقوم يعمل معاك سباق عدو أو يعبر المانش سباحة.. ويكسب....!
كان زير نساء من الطراز الأول، وسيم ساحر فاتن، حاضر الدعابة، كما لو كان بيقرأ أفكار النساء، بيعرف الست عايزة تتكلم في إيه إمتى.. أو تعمل إيه امتى.. ودا خلا النساء تسعى إليه وتعدو خلفه بجنون.. مقامر وبيخسر آلاف ويكسب آلاف على منضدة القمار طول الوقت بلا اكتراث.. وجه معروف وشخصية عامة، ويعرف دبلوماسيين وصحفيين.. وفنانين.. وحتى وزراء.
عشان تجند شخصية معروفة بالشكل دا في عالم المخابرات وقت الحرب لازم تكون حمار.. الجاسوس يحبذ أنه يكون شخص مش معروف ومش طافي على السطح ولا يلفت الأنظار.. للسبب دا بالذات اختاره الألمان يتجسس لحسابهم.. لأن محدش حيشك لحظة أن في جهاز مخابرات ممكن يجند حد بالشهرة دي في وقت الحرب.
المهم بتجنده المخابرات الألمانية، فبيوافق مرغمًا.. وبيخرج من عندهم على الفور.. عشان ينفذ إللي أمروه به، ويسافر إلى لندن.. ولأنه كان بيمقت النازية بجنون.. بيتأكد أنه مش مراقب.. وبعدين بيطلع من المطار مباشرة على مكتب الاستخبارات البريطانية.. ويحكي لهم الحكاية.
بيتحروا عنه جيدًا وبيقرروا يجندوه.. يبقى عميل مزدوج.. بيقول لهم المعلومات اللي طلبت منه المخابرات الألمانية جمعها.. فبيبدأوا يجهزوها له، وبيقرروا يضحوا ببضعة أسرار حقيقية.. مقابل أنه يكتسب ثقة الألمان.
وكان لقاء "بوبوف" مع ضابط الاتصال النازي بتاعه بيتم بطريقة مبتكرة، من عالم "بوبوف" نفسه.. ماتلفتش الأنظار مطلقًا.. كل المطلوب منه.. أنه يروح يلعب قمار في فندق معين زي ما بيعمل طول الوقت.. ويقضي سهرة لطيفة بين الحسناوات وأقداح الشراب.. فحيتقدم منه رجل ثري عجوز.. يطلب قداحة لإشعال سيجار فاخر، ويحاول يشعله 3 مرات ويعجز بسبب رجفة يديه، فيطلب من "بوبوف" في حرج أنه يشعل له السيجار.
بعدها الرجل دا حيجلس في هدوء حول طاولة القمار، ويراهن على رقم معين في "عجلة الروليت Roulette wheel ".. ويكسب أو يخسر مش مشكلة.. بعده حيختار رقم ثان وثالث ورابع وخامس.. الأرقام دي لازم يحفظها "بوبوف" عن ظهر قلب.. لأنها رقم الشارع والمبنى وتاريخ اليوم والساعة اللي حيلتقوا فيها. في سيارة حتتوقف لثواني.. ويقفز فيها "بوبوف".. ويسلمهم المعلومات ويتكلف بمهمة جديدة.
حيلعب قمار مرة تانية وتالتة وعاشرة.. وييجي العجوز بعدما بقوا زمايل قمار، بس بيحييوا بعض.. مبيتكلموش ابدا.. ويحفظ "بوبوف" الأرقام اللي راهن عليها العجوز.. ويتكرر اللقاء.
مع انتظام "بوبوف" مع النازيين.. بيطمنوا له أكتر.. وبيكلفوه بمهام أخطر.. من غير ما يعرفوا أنهم بيمدهم بسيل من المعلومات المدروسة.. اللي بيقدمها له الحلفاء... واللي بعضها بيكون حقيقي تمامًا.. وبعضها مزيف بشكل مدروس.
وبترتفع قيمة "بوبوف" عند النازيين، وبيهتم به "هتلر" بشكل خاص.. وبيتطلب منه طلب مهم جدًا.
يسافر إلى الولايات المتحدة، عشان يؤسس شبكة تجسس جديدة هناك، يكون دورها التقرب من المراكز السياسية، والوقوف على أحوال المجتمع الأمريكي والجيش، وجس النبض، عما إذا كانت الولايات المتحدة حتدخل الحرب ضد ألمانيا أو لا.. والإنذار الفوري حال تقرير ذلك.
وبيسافر بالفعل "بوبوف" إلى الولايات المتحدة، وبيشرع في تاسيس الشبكة زي ما طلب النازيين بالضبط، برعاية مخابرات الحلفاء.. واثناء ذلك، بيتعرف سيدة أمريكية معينة طلب منه المكتب السادس البريطاني أنه يخليها تحبه.. ويقيم معاها علاقة بالذات.
وبيتقرب "بوبوف" من المرأة.. اللي كان شقيقها ضابط بالبحرية الأمريكية، وكانت في نفس الوقت عشيقة الجاسوس الياباني.. اللي زرعته اليابان في الولايات المتحدة.. مساعد القنصل "تاكيو يوشيكاوا Takeo Yoshikawa".
ورغم أن المرأة كانت مغرمة بـ"تاكيو".. لكن ما بتاخدش في إيد "بوبوف" غلوة ولقاء صدفة.. وبتقع في غرامه على الفور، وتلتقي به عشرات المرات سرًا، دون أن تقطع علاقتها بحبيها الأصلي.. كما طلب منها "بوبوف" نفسه.
كانت انجلترا بتحاول تدفع بأمريكا بدخول الحرب بأي ثمن.. الدولة البكر بمواردها الضخمة وقواتها المسلحة السليمة الغير منهكة. وكانت أمريكا على الحياد.
في الوقت بتستعين إنجلترا بكل وسائل الإعلام الممكنة، وتبدأ تحرك الراي العام الأمريكي.. عشان الشعب هناك يضغط على حكومته فتدخل الحرب.
تأثير الإعلام كان قوي.. وبدأت الولايات المتحدة تدرس فكرة دخول الحرب بالفعل.. رغم ذلك كان كل تقارير "تاكيو" اللي بتروح اليابان بتؤكد إن البحرية الأمريكية في حالة استرخاء، والسفن محتاجة صيانة أصلًا.. وبالتالي مفيش أي إشارة لأن الأمريكيين حيدخلوا الحرب.
ومع تردد الأمريكيين، بدأت خطة الحلفاء تتنفذ بواسطة "بوبوف".
وفجأة بدأت صديقة "بوبوف" تنقل لعشيقها "تاكيو".. بتعليمات بوبوف" نفسه.. إزاي البحرية بتستعد، ومن المحتمل أنها توجه ضربة للاسطول الياباني، الرابض في الأطلنطي.
وكانت العلاقة بين اليابنيين والأمريكيين متوترة أصلًا من قبل الحرب، وبدأت القصة بإغراق اليابان لقارب أمريكي عسكري في الصين، بينما اليابان وأمريكا مش في حرب.. وبعدها بشهرين صفع جندي ياباني السفير الأمريكي على وجهه علنًا.. وكانت أمريكا بتمول الصين في حربها ضد اليابان.. فالأمور مكانتش لطيفة أوي.
فلما بتوصل التقارير الجديدة لليابان، بيبدأ القلق.. يا ترى أمريكا حتدخل الحرب وللا لأ؟
مع تزايد التقارير المشحونة بالتوتر، اللي أصاب "تاكيو" نفسه، فراح ينقله لرؤساؤه دون أن يدري، بتقرر اليابان توقيت وميعاد الهجوم على الميناء الأمريكي "بيرل هاربر Pearl Harbor".
وبتوصل المعلومات للحلفاء، فبيقرعوا الكؤوس في انتصار.. دلوقتي أمريكا حتدخل الحرب بكل ثقلها.. لكن برضه لازم يحافظوا على حاملات طائراتها وجنودها.. فبيأمروا "بوبوف" يبلغ السلطات هناك قبيل الهجمة بوقت بسيط للغاية.. عشان الأمريكيين كانوا على منضدة المفاوضات مع اليابانيين.. وممكن لو عرفوا بدري.. يطرحوا الأمر عليهم ويتهموهم.. فتتوقف الضربة.
وكان هدف الإنجليز من إبلاغ الأمريكيين، انهم يخلوا الميناء، وينقذوا الجنود والمعدات.. وفي الوقت نفسه تتم الضربة على ميناء خاوي، وتدخل أمريكا الحرب.
لكن "بوبوف" مبيقدرش يوصل في الوقت المشحون دا، وبسبب اجتماعات اليابانيين والأمريكيين المتعاقبة على المستوى الدبلوماسي والعسكري، إلا إلى صديقه مدير المباحث الفيدرالية "إدجار هوفر J. Edgar Hoover"، اللي بيسخر من الأمر ويتجاهله تمامًا.
وبعد عشر ساعات فقط، من إبلاغ "بوبوف" بالضربة، في 7 ديسمبر، سنة 1941، وفي الوقت اللي كان الدبلوماسيين الأمريكيين واليابانيين بيتصافحوا في واشنطن، باعتبار إن أمريكا لن تحارب وفي المقابل لن تعتدي عليها اليابان.. بتنطلق الطائرات اليابانية من على متن حاملات الطائرات، عشان تنقض على ميناء "بيرل هاربر" الأمريكي، وتحيله إلى كتلة من اللهب.. بما فيه ومن فيه.
وبعد ساعات قليلة، في اليوم نفسه، بتعلن الولايات المتحدة الحرب على دول المحور، وتنضم لجبهة الحلفاء رسميًا.
دي مكانتش عملية "بوبوف" الوحيدة، كان له عملية تانية في غاية الخطورة، غيرت مسار الحرب كذلك.. بس يبدو أن الوقت سرقنا النهاردة.. فحنتكلم عن باقي أعماله هو وفريق "عملية الحارس الشخصي Operation Bodyguard" لاحقًا.
ويبقى للحديث بقية.
--------------
- الصورة لـ"دوشكو بوبوف Duško Popov"
- المنشورات السابقة أول تعليق.