عملية مخابرات النهاردة، بطلها رجل، محدش سمع عنه من قبل إلا نادرًا.
كلهم حاولوا يخفوا قصته.
دا لأنه اعتبروه وصمة عار في جبين إنجلترا.. ووصمة عار في جبين فرنسا.. ووصمة عار في جبين ألمانيا النازية معًا.. وشعرت أمريكا بالخزي منه، واغتاظ منه رجال الاتحاد السوفيتي..!
الجاسوس دا سماه الألمان والحلفاء معًا "أسوأ خائن في الحرب The worst traitor of the war"
حتى اسمه الحقيقي محدش عارفه بالضبط.. في وثائق بتشير له على إنه "هارولد كول Harold Cole".. وأخرى "بيتر كول".. وثالثة "هنري كول".. ورابعة "بول كول".. له أكتر من 55 اسم وهوية وشهادة ووثيقة ميلاد....!
خلينا احنا نسميه "هارولد".. الأخ "هارولد" كان إنجليزي الجنسية.. أتولد في حي من أحياء لندن الفقيرة سنة 1906.. وبمجرد بلوغه سن 14 سنة، بدأ يتسلل للشقق ويسرقها.
بعد 7 سنوات قرر يعتزل السرقة، والتحق بالعمل في شركة، راح يختلس نقودها في انتظام.. لحد ما افتضح أمره، فهرب وبدأ يحترف النصب.. ووقع عشرات الشيكات بدون رصيد.. في النهاية اتقبض عليه وقضى 10 سنوات تقريبًا في السجون الإنجليزية.. مضيعهمش هدر.. انطلق يثقف نفسه، ويتعلم ويدرس.. درس ميكانيكا وحدادة ومعمار.. وخرج في سبتمبر، من العام 1939.. قبيل الحرب مباشرة.
ارتبط بفتاة وحبها، وقرر يكون محترم عشان يتجوزها.. فزوّر شهادة ميلاد وشهادة جامعة.. وتاريخ وظيفي محترم، باعتباره مهندس.. وتقدم للالتحاق بالجيش الانجليزي، فوافقوا.. ودخل الجيش بالفعل كجندي، والتحق بالسرية رقم 18 من سلاح المهندسين الملكي البريطاني.. وحمل الرقم الكودي "1877989RE".
السرية دي اتبعتت لفرنسا، عشان تدعمها في الحرب ضد النازي.. وكانت فرنسا قد أعلنت الحرب على ألمانيا بالصدفة في نفس تاريخ خروج "هارولد" من السجن.. وراحت السرية الإنجليزي إلى فرنسا.. ومعاها "هارولد"...
وبالفعل كان "هارولد" بارع في الهندسة، ومخلص جدًا في عمله.. لدرجة إنهم انبهروا به واترقى لرتبة عريف، وبعدين رقيب.
كان ممكن "هارولد" من هنا يكمل حياته كضابط جيش محترم حقيقي، أو يخرج لاحقًا ويعمل بالهندسة فعلًا ويبقى مواطن شريف، لكن طبيعته تغلبت عليه.. فأخذ يسرق نقود الضباط والقادة من "الميس Mess".. لحد ما مسكوه مرة متلبس.. وقبضوا عليه.. وحبسوه في الثكنة.
مع تقدم الألمان إلى قلب فرنسا.. انسحبت السرية دي.. وسابت "هارولد" محبوس.. فبيقبض عليه النازيين.. لكنه بشكل ما بيهرب منهم.. ويسرق سيارة.. ويختفي. وعلى الحدود البلجيكية، بيقدم نفسه بأوراق أخرى مزورة على أنه رجل مخابرات بريطاني.. وسمى نفسه الكابتن "بول كول Captain Paul Cole".. وكانت أوراقه مزورة بدقة مذهلة، وبيبدأ على ذلك الاساس يمارس النصب مرة أخرى، مع شغل السوق السوداء، اللي بينشط وقت الحروب عادة.
محدش بيشك فيه لحظة، رغم انخراطه في أعمال غير مشروعة.. لكن براعته وثقته الشديدة، كانت بتخلي الكل يصدقه، لدرجة إن السلطات الفرنسية طلبت منه عمل في غاية الخطورة.
إنه يساعد المقاومة الفرنسية بخبراته في عالم الاستخبارات!
وبيقبل "هارولد" المهمة.. وبمنتهي الأريحية، راح "هارولد" يساعد رجال المقاومة الفرنسية.. وبنى لهم بالفعل عشرات الأنفاق، أسفل باريس.. في سلسلة معقدة، حيرت النازيين.. وبنى لهم في الأنفاق دي زنازين منيعة للغاية.. يستحيل الهرب منها.. عشان يحبسوا فيها أسراهم.. من الجنود النازية.
وذات مرة بتستوقفه دورية ألمانية نازية.. فبيقدم لهم نفسه بمنتهى الجرأة والهدوء على أنه رجل الجستابو النازي السري "فيليهم ديرام Deram".. وبيوريهم اوراق مزيفة كان شايلها تحسبًا لاعتراضه من النازيين يومًا.. مش بس كده.. دا بيغير خط سيرهم.. وبيأمرهم بالتوجه لنقطة جديدة.. وبيستولي منهم على أوراق بالغة السرية.. كانوا رايحين يوصلوها للقيادة.. وبيقدمها للمقاومة الفرنسية.
ولكن "هارولد" لما بيرجع للفرنسيين.. وفي أنفاق المقاومة الفرنسية.. بتواجهه مصيبة أخرى.. تهمة باختلاس آلاف الفرنكات، من عهدة المقاومة.
كان مستوى معيشته دايمًا مرتفع وبيرتاد بارات فخمة وفنادق غالية.. فلما بيتواجه.. بيرتج عليه ومبيعرفش يرتجل قصة تبريء ساحته.. فبيحبسوه في زنزانة من الزنازين اللي صنعها لهم.. وبيبدأوا يفكروا حيعملوا معاه ايه.
لكن لما بيفتحوا الزنزانة بيلاقوها خاوية.. "هارولد" كان فتح قضبان الزنزانة اللي صنعها بنفسه بطريقة ما.. وهرب.. وذاب في قلب باريس.
وفي الوقت نفسه كانت القوات النازية بتمشط باريس حجر حجر وشبر شبر، بحثًا عنه، لحد ما بيتفاجئوا به بيسلم لهم نفسه.. وبيطلب الحديث مع رئيس وحدة المخابرات النازية في باريس.
وبيتم اللقاء كما أراد "هارولد".. وفي هدوء بالغ.. بيعرض علي النازيين العمل لحسابهم.. وكدليل لحسن النية.. أداهم قائمة بأسماء 30 رجل من قادة المقاومة الفرنسية.. وبيظل في مكتب رئيس الاستخبارات النازي بيشرب القهوة ويدخن سيجارة ألمانية فاخرة، في هدوء شديد.. لحد ما الألمان راحوا لرجال المقاومة الفرنسية بالفعل.. وقبضوا عليهم.. وتأكدوا من صحة كلامه.. فبيوافق رجال المخابرات النازيين أنه يعمل معهم.. معتقدين أنه لسه منخرط وسط رجال المقاومة الفرنسية.
وفي الآن نفسه، بيراقب "هارولد" اللي رايح جاي على القوات النازية.. ضابط مخابرات بريطاني، مابيتعرفش عليه.. وبيحاول يعرف هويته.. فلما بيفشل.. بيقرر القبض عليه.. لكن "هارولد" بثقة بالغة.. بيقدم له نفسه باعتباره فرنسي.. وبيوري له هوية فرنسية باسم "مسيو دي ليوبول De Loebelle".. مهندس سابق، وأحد رجال المقاومة الفرنسية.. وإن المقاومة زارعاه وسط النازيين وخلته مقرب منهم ومحل ثقة.. عشان يحذرهم قبل أي هجوم.
ولما بيشك الضابط الإنجليزي.. بيخبره "هارولد" بأسماء كودية لرجال المقاومة.. وبأنفاق سرية وتحركات عملوها بالفعل.. وكانت بريطانيا عارفاها.. فبيطمئن له الضابط.. ويصدق قصته ويتنهد في ارتياح.. وبيسعى لتجنيده.. للعمل لصالح إنجلترا!
بيوافق "هارولد" على العمل لحساب بريطانيا العظمى، ضد ألمانيا.. وبيثقوا فيه مع صدقه الظاهري، واعتقادهم بأنه بطل من أبطال المقاومة.. وبيصطحبوه لمقرهم السري.. ويعملوا على تدريبه.
واثناء عمله مع الإنجليز.. بيبلغ "هارولد" النازيين بأنفاق المقاومة الفرنسية أسفل باريس، واحدًا تلو الآخر، وبييجي في يوم.. وبيروح عامل خطة بارعة، تمكنه من الهرب من كل دا.. فبيبلغ النازيين بموضع نفق من أنفاق المقاومة.. وبعدين بيبلغ الإنجليز حلفاء الفرنسيين بموعد هجوم الألمان.. وبعدين بيتقدم من سرية عسكرية انجليزية، بجرأة يحسد عليها، وبيقدم لهم نفسه على أنه الضابط "جودفري كول" من المخابرات الإنجليزية.. وبيديهم هوية مزورة.. وبيبرز لهم وثيقة مزورة كذلك.. بتأمرهم بالتحرك إلى نفق معين.. دعمًا للمقاومة الفرنسية.
وبينما كان النازيين والإنجليز والفرنسيين بيعجنوا في بعض.. في الكمين اللي عمله لهم "هارولد" في الأنفاق.. كان "هارولد" بيقدم للقوات النازية عنوان المقر السري للمخابرات البريطانية في باريس.. وبيختفي بعدها في العاصمة الفرنسية ثانية.. بلا أثر واحد يدل عليه.
وفي العام 1945.. مع هزيمة ألمانيا وسقوط برلين على يد السوفيت.. بيسافر "هارولد" لجنوب ألمانيا، وبجرأة بالغة كذلك.. بيقدم نفسه لقوات الحلفاء، باعتباره الضابط "ميسون" من المخابرات البريطانية.. وأنه بصدد الإيقاع بشبكة تجسس سرية نازية بالغة الخطورة، تهدف إلى قلب الموازين وتحرير برلين.. وبيستولي من القائد السوفيتي هناك على مبلغ فادح.. وبيركب الطائرة بمنتهى الوقار إلى بلغاريا.. وهناك بيختفي مرة أخرى تمامًا.
الحقيقة هو كان رجع فرنسا.. وعاش حياة عادية بثقة بالغة.. لحد ما في مرة استبد به الشوق لحبيبته السابقة.. فبعت لها خطاب من فرنسا.. يبثها أشواقها وحبه وذكرياته.. فالحبيبة المغتاظة.. اللي مشافتوش من أكتر من ست سنين ولا تعرف هو فين.. راحت بلغت الشرطة الإنجليزية.. وأدتهم الخطاب.
وفي قلب باريس.. بينقض رجال المخابرات البريطانية على شقته الفاخرة، وبيفاجأ بهم ويستسلم بلا مقاومة.. فبيقبضوا عليه، ويودعوه السجن الحربي في باريس.. لكن بطريقة ما، غير معروفة.. بيتمكن من الخروج من زنزانته.. والتنكر في زي أحد القادة العسكريين الأمريكيين، حصل عليه من السجن الحربي.. وغادر البوابة والجنود بتؤدي له التحية العسكرية في احترام.. وخرج من ثكنة سجن باريس العسكرية أمام عيون الجميع.. واختفى تمامًا.
وجن جنون الفرنسيين والأمريكيين والإنجليز.. ووزعوا صورته على كل رجل أمن والصقوها على كل عامود إنارة في فرنسا.
وفي العام 1946، كان في رجل شرطة فرنسية عادي في باريس.. داخل مطعم وبار، عشان يحصل على مشروب منعش.. لما فوجيء بأن الرجل اللي قاعد جواره على البار هو "هارولد كول" نفسه.. اللي بتدور عليه مخابرات نصف الدنيا ودول الحلفاء وكل الأجهزة الأمنية في باريس.. فبينهض "هارولد" ليفر هاربًا.. لكن الشرطي بيطلق عليه النار، فبيلقى مصرعه في الحال عشان تنتهي حياته الحافلة العجيبة.. وتضع الرصاصة دي حد لأسطورة "هارولد كول".
بعد موته اكتشفوا أنه كان اشترى شقة فوق المطعم والبار ده.. وكان بينزل ياكل ويشرب من سلم داخلي.. فمكانش حد في الشارع ممكن يلتقي به أو يتعرفه.
تسبب "هارولد" في حياته في خسائر جمة للإنجليز والفرنسيين والبلجيكيين والألمان وخسائر مالية للسوفيت.
قبضت القوات النازية بسببه على ما يقرب من 200 فرد من رجال المقاومة الفرنسية، وقامت بإعدام 60 منهم.
أخّر "هارولد" تحرير فرنسا بإيقاعه برجال المقاومة.. وسمح للنازيين بأعماله، بالتقدم على جبهات أخرى.
يحمل ملف "هارولد" في المخابرات اليبريطانية عنوان "القضية الغريبة للرقيب هارولد كول" حتى يومنا هذا.
القصة دي مختلفة عن قصة الجاسوس اللي دفع بأمريكا نفسها للحرب في صف الحلفاء.. ودي قصة الحديث عنها يطول.. فنكمل كلامنا لاحقًا.
ويبقى للحديث.. بقية.
----------------
المنشورات السابقة في أول تعليق.