السلطان العثماني "محمد الخامس" دا كان راجل بركة كده، مالوش دعوة بحاجة.. يعني "راجل إيمدج" مالوش لازمة.. اللي كان بيدير الدولة بالفعل هو وزير الحربية "إسماعيل أنور باشا".. اللي كان عضو في "الاتحاد والترقي"، وألمانيا حطت إيدها عليه من بدري، فبقى عميل ألماني.
سبب دخول الدولة العثمانية الحرب العالمية الأولى سبب عبيط جدًا. الدولة العثمانية قبلها في 1912 إلى 1913، كانت دخلت في حروب مع دول البلقان، وانتهى الأمر بخسارتها كالمعتاد، وفي 28 يونيو سنة 1914، شاب صربي تافه اغتال ولي عهد النمسا في سراييفو.. النمسا وصربيا وقعوا في بعض طبعًا.. والنمسا بعتت قائمة مطالب طويلة لصربيا، وافقت صربيا على بعضها ورفضت الباقي، فأعلنت النمسا الحرب على صربيا. صربيا كانت حليف لروسيا.. فراحت روسيا أعلنت التعبئة العامة في المناطق العسكرية القريبة من النمسا.
النمسا كانت حليف لألمانيا.. فألمانيا وجهت إنذار لروسيا بإلغاء قرار التعبئة وتسريح الجنود، ورفضت روسيا.. فأعلنت ألمانيا عليها الحرب، وراحت داخلة وراها النمسا. فرنسا راحت واخدة صف روسيا.. وفي 3 أغسطس من العام نفسه.. ألمانيا زحفت على بلجيكا، وكانت حليف بريطاني، فأعلنت بريطانيا الحرب على ألمانيا.. وبدأت التحالفات تتشكل، والجانبين المتحاربين يتكونوا.
الدولة العثمانية كانت على الحياد زي إيطاليا في الوقت ده.. لكن "أنور باشا" كان عميل ألماني زي ما قلنا.. ألمانيا قررت في لحظة ما، تدفع بالدولة العثمانية للحرب، عشان تشغل الجبهة الروسية بعدو على حدودها يستنزفها، بينما هي تحافظ علي ابنائها وتحارب روسيا وهي مشغولة منهكة ضعيفة.
قرار الحرب مش سهل.. ودفع الدولة العثمانية للحرب مش سهل، ولو أعلن "أنور باشا" الحرب بتعليمات مباشرة فدا مش من حقه، ويمكن ألمانيا تخسر رجلها القوي.. فبحثوا عن حل، وجه الحل على طبق من ذهب.
سفينتين حربيتين ألمانيتين.. اسمهم "جويبن Goeben" و"بريسلو Breslau".. طرادين.. طراد دي مش يعني انها حاجة أصغر من السفينة الحربية ولا قارب هجومي مثلا.. هي سفينة حربية متكاملة زي السفن الضخمة بالضبط.. بس دروعها بتبقى أخف، ومدفعها الرئيسي أخف، فتبتقي أضعف دروعًا.. بس أسرع حركة. الطراد " بريسلو" في الحقيقة، عكس "جيوبن"، كان أصغر حجمًا إلى حد ما وأسرع.
فرنسا كانت احتلت الجزائر زي ما احنا عارفين، بعدما كانت محتلة من العثمانيين، اي دولة احتلها اي حد في الشرق.. وانت مغمض تعرف أنه في فترة حكم العثمانيين.. ففرنسا كانت بتنقل جنود من وإلى الجزائر بسفن النقل، فقائد البحرية الملكية وقتها "وينستون تشرشل Winston Churchill" أمر قائد أسطول المتوسط البريطاني بتغطية فرنسا بالتعاون مع قطع الأسطول الفرنسي، وحماية سفن النقل وهي بتنقل جنودها.
اتحرك الطرادين الألمانيين تحت قيادة "الكونتر-أدميرال فيلهلم سووخون Konteradmiral Wilhelm Souchon".. مع أومر بقصف سواحل الجزائر الفرنسية، ومع اقترابهما، وصلت رسالة أخرى في 4 أغسطس بتأمر الطرادين بتجاهل الأمر السابق، والتوجه فورًا إلى ميناء أسطنبول.. في انتظار أوامر أخرى.
لكونه قريب جدًا من الهدف، بيتجاهل "فيلهلم" الأمر الجديد، وبيتقدم من سواحل الجزائر رافعًا العلم الروسي كتمويه.. لكنه بيلتقي بسفينتين حربيتين بريطانيتين جايين في الاتجاه المعاكس له.. السفنتين دول بلغوا "تشرشل".. أن في سفن ألمانية رافعة العلم الروسي وبتستعبط.. فأمرهم بضرب الطرادين لو هاجموا السفن الفرنسية.. لكن مجلس الوزراء في إنجلترا قال له أن دا مينفعش.. ومش حيبدأوا بالعدوان من دون إعلان حرب.. وعليه؛ بيلغي الأمر.. والسفن الألمانية والإنجليزية مابيضربوش بعض.. "فيلهلم" كذلك مع ظهور الإنجليز، بيقرر يتجه لاسطنبول.. لكن السفن الإنجليزية بتبدأ تتبع الطرادين الألمانيين في اهتمام.. القصة دي حفظها لنا التاريخ باسم "مطاردة جويبن وبريسلو Pursuit of Goeben and Breslau".
الطرادين كانوا أخف وزنًا واسرع من سفن الإنجليز.. لكن فيهم مشكلة في الغلايات.. لحسن حظهم السفينتين اللي وراهم بيطاردوهم كان فيهم مشكلة برضه في الغلايات.. فالسفن الألمانية بتسبق.. وعلى سواحل إيطاليا بيرسوا ويطلبوا التزود بالفحم.. الوقود اللي بتشتغل به الغلايات.. لكن إيطاليا كانت محايدة وقتها.. فبترفض تزويدهم بالفحم.. وبتطلب منهم مغادرة الميناء والمياه الإقليمية فورًا خلال 24 ساعة. وبتضطر السفينتين خلال المهلة دي يشتروا فحم من التجار الألمان في الميناء، ويحملوه على السفن يدويًا.
التصرف دا سليم 100% لو أنت محايد.. إيطاليا حتعمل زيه بالضبط برضه مع إنجلترا لما سفنها توصل. وبيرجع الإنجليز يتحركوا ورا ذيل "جويبن"، في انتظار انها تستدير غربًا وترجع بلادها.. فلما محصلش.. فضلوا يطاردوها ويتابعوها في قلق.. وبتروح تلتقي بمركب ألماني تجاري محملة فحم.. وتتزود منه بحاجتها.. ومع المغامرات دي بيكون إعلان إنجلترا الحرب على ألمانيا تم بالفعل.. وبتصدر الأوامر للسفن الإنجليزية بالكف عن المراقبة، ومطاردة "جويبن " و"بريسلو" وإغراقهما.
بتتجه السفن الألمانية إلى تركيا، وبتتصل ألمانيا برجلها "أنور باشا" وتطلب منه يسمحلهم بعبور مضيق الدردنيل.. الحركة دي طبعًا كانت حتثير غضب روسيا لأن في اتفاقيات بينها وبين الدولة العثمانية بتمنع مرور السفن دي من الدردنيل.. لكن "أنور باشا" بيوافق، وبتدخل السفن دي هاربة من الإنجليز وسط الضباب.. وترسو في تركيا.
إنجلترا بتبعت لتركيا تستفسر.. السفينتين دول دخلوا عندك؟ فتركيا بتقول "ماحصلش".. ومع إصرار انجلترا انهم عبروا مضيق الدردنيل.. "انور باشا" بيرفع على السفينتين الألمانيتين العلم التركي.. وبيجيب أطقمهم وربانهم ويخليهم يغيروا ملابسهم بزي رجال الأسطول العثماني.. وبيعلن للجميع في براءة.. أن الطرادين دول.. الدولة العثمانية اشترتهم من ألمانيا.. وإن معندهاش قوات ألمانية ولا عساكر ألمان.. وبتنزل صور الطاقم بالملابس العثمانية مع الخبر في الصحف.. وبيضطر يصمت الجميع في شك.. رغم أن وجود طراد قوي زي "جويبن " في بحر مرمرة كان خطر بالغ.. لكن قرروا يصدقوا الدولة العثمانية.. في قصة شراء الطرادين.
روسيا وفرنسا بيستشعروا القلق.. وبتنشط جهودهم الدبلوماسية، لإبقاء الدولة العثمانية علي الحياد في الحرب دي.. ولكن "أنور باشا" كان متفق مع الألمان خلاص.. وفي 3 أغسطس، بتصدر الدولة العثمانية فرمان اسمه "سفر برلك" أو " نفير عام 1914".. إعلان التعبئة العامة.. المرة دي مفيش مصر نجيب منها قوات.. مفيش الجزائر.. بس في الجزيرة العربية بقى.
الأتراك كاتبين على ويكيبيديا العربية وفي كتبهم ومراجعهم بغير التركية، أن "سفر برلك" تعني "النفير العام من أجل الحرب".. بس دا تزييف برضه كعادتهم.. "سفر برلك" تعني "الترحيل الجماعي".. تقدر تترجمها على جوجل "سفر برلك Seferberlik".
النفير دا تقدر تعتبره مذبحة عثمانية للمرة الألف.. بعد مذبحة "سليم" في القاهرة والجزائر، ومذابح الأرمن والألبان وإلخ، لكن المرة دي على أهل الجزيرة العربية.. أهل العراق سموها "أيام الضيم والهلاك".. وأهل الحجاز سموها "جريمة سفر برلك".
"أنور باشا" بالقصة دي حقق 3 أغراض.. سد باب نقص جنوده وعماله، وفي نفس الوقت سد باب "ثورة الحجاز" اللي كانت وشيكة ضد الحكم العثماني.. فانقض الجنود العثمانيين على العراق، وراحوا ينتزعوا الشباب قسرًا للالتحاق بالجيش، ويقتلوا من يعارض من الآباء والأمهات، وشحنوا الشباب دول قسرًا وسيرًا على الاقدام إلى الدولة العثمانية، فمات معظمهم إرهاقًا وجوعًا وبردًا.
ثم انقض الجنود العثمانيين على أرض الحجاز، ودخلوا "المدينة المنورة"، وراحوا يجمعون الشباب قسرًا كذلك، ثم أمروا جميع السكان بإخلاء المدينة تحت تهديد السلاح، ودخل العثمانيين البيوت، وجذبوها النساء العجائز قسرًا وألقوا معظمهن في الطرقات تحت قيادة "فخري باشا".. وحبسوا الشابات والفتيات، واللي دافع عن حرمة بيته من الرجال، قتلوه لساعته.. الشيخ "إبراهيم بن عبد القادر بن الأفندي عمر البري الهاشمي المدني" كان شاهد عيان، وكتب أنه:
" طلب فخري باشا العثماني، محافظ المدينة المنورة من الشيخ عبد القادر البري (والد الشيخ إبراهيم) أن يغادر المدينة هو وأسرته المكونة من ابنيه الشيخ إبراهيم وزوجته وأبنائه وأحفاده والشيخ عبد العزيز البري الذي لم يكن تزوج بعد.
وكانت الرحلة شديدة الوطء عليهم، ولا يعرفون نهايتها ولا يأمنون غايتها، فثارت الحرب العالمية الأولى التي هزت المدينة المنورة هزا ومزقت شمل أهلها".. وبقى "أنور باشا" قريب من ميناء ينبع.. ويقدر يهاجم أي قوات إنجليزية في البحر الأحمر وقت الحرب.
واتشحن الرجال والنساء إلى الشام وفلسطين وتركيا.. لخدمة الدولة العثمانية.. وفرغت المدينة المنورة من أهلها، وسكنها العساكر الترك، عدا قلة قليلة من النساء والأطفال، وزي ما حصل في مصر أيام "سليم"، وزي ما حصل للألبان والأرمن أيام "عبد المجيد".. راح النساء يأكلن من خشاش الأرض، ويقتتن على الحشرات والحشائش، ويغلين منقوع البرسيم للأطفال، لسد جوعهم وإبقائهم على قيد الحياة.. وعملت النساء الشريفات من أهل المدينة ممن احتجزهن الجيش العثماني فيها، عاملات بأجر لدى العثمانية، لرفع القمامة والغبار وتنظيف البيوت مقابل كسرة خبز.. أو أية لقمة ضئيلة، تكفي بالكاد لسد جوعهن وجوع أطفالهن.. عشان مايبيعوش أجسادهن لكلاب العثمانية.
بعدها العثمانيين بينسحبوا بغتة من المعاهدة البحرية مع إنجلترا.. ودا بيغضب إنجلترا في شدة.. وفي 31 أكتوبر، بتيجي الأوامر من ألمانيا لقائد الطرادين الألماني الرابض على صفحة المياه الإقليمية العثمانية.. فبيتحرك بالطرادين وهم رافعين العلم العثماني، ويهاجم المواني الروسية في نوفوروسيسك وفيوديسيا وأوديسا وسيفاستبول، وبيقصفها بلا سابق انذار وبيشعل النيران في مصافي الوقود.. فبتعلن روسيا الحرب على الدولة العثمانية.. في 2 نوفمبر.. وبتنضم لها إنجلترا ووراها فرنسا بعد 3 أيام.. في 5 نوفمبر، من العام نفسه.
وعشان الدولة العثمانية، عارفة كويس أنهي جنود، اللي ممكن يخلوها تكسب الحرب، زي ما خلوها تكسب الحرب ضد روسيا زمان.. اتجهت أنظارهم إلى مصر.
قرر العثمانيين استعادة مصر من الإنجليز بأي ثمن.. وبدأ الزحف العثماني إلى سيناء، للتقدم منها إلى القاهرة والإسكندرية، وطرد الإنجليز، والاستعانة بموارد مصر وجنودها في الحرب.
على الرغم من إننا في مصر مكناش طايقين الإنجليز، وكنا معيشينهم في تمردات وثورات ومقاومة وقلاقل طيلة الوقت.. لكن كان بيننا وبين آل عثمان تار بايت، يعرفه كويس كل من تابع الحلقات دي.. وفي 23 يناير، سنة 1914، في منطقة بين بير النصف وقطية التي تبعد 43 كيلو متر شرق القنطرة.. بيصطدم ألف من رجال الهجانة بالجيش العثماني.. بالقوات المصرية.. ومكانش المنطقة دي فيها جيش، كان فيها حوالي 300 من رجال الشرطة المصرية.. بقيادة الملازم أول "محمد أنيس".. وبيقدر "أنيس" بقوته الصغيرة وسلاحه المحدود، يهزم قوة الجيش العثماني، ويجبرها على الإنسحاب، عشان ترجع قبل نهاية اليوم تشتبك معاه من جديد بدعم من سلاح الفرسان العثماني.. لكن "محمد أنيس" ورجاله مكانوش موجودين.. كان صدر له الأمر من وزارته بالانسحاب بتعليمات من "رشدي باشا" رئيس الوزراء.. اللي أعلن وقتها أن مصر على الحياد في الحرب دي.
والحقيقة أن تعليمات "رشدي" كانت بإيعاز من إنجلترا.. اللي طلبت منه ماينهكش الجنود في حروب سيناء الحارة نهارًا الباردة ليلًا ذات الأرض الجبلية وعرة التضاريس.. يستنى القوات العثمانية لما تعبرها وتقابله وهي مرهقة منهكة.. وقررت إنجلترا أن خط "قناة السويس" هو خط المواجهة الأمثل.
وفي يناير 1915 وصلت القوات العثمانية إلى ضفة القناة.. عشان تبدأ معركة جديدة.. لعبور قناة السويس.. واحتلال الأراضي المصرية.
ويبدو أن الوقت سرقنا النهاردة.. فنكمل كلامنا عن الموضوع لاحقًا.
ويبقى للحديث.. بقية.
-----------------
- المنشورات السابقة أول تعليق.
- الصورة الأولى عن التهجير القسري العثماني لأهل المدينة المنورة.
- الصورة الثانية لمطاردة "جويبن" و"بريسلو" من على متن بارجة إنجليزية.. ويبدو فيها الطرادين في الأفق.
----------------
#الخلافة_العثمانية 46