لسه مع حلقات الدولة العثمانية، ووصلنا مع كابوس التخلف العثماني إلى "حرب القرم Crimean War".
إنجلترا كانت مصممة بأي ثمن، تحافظ على الدولة العثمانية، كان اسمها وقتها "رجل أوروبا المريض".. دولة ضعيفة مركوبة بتتحكم فيها إنجلترا شوية وفرنسا شوية.
بدأت الحرب بأن روسيا أرسلت 40 ألف جندي، واحتلت رومانيا.. وكانت رومانيا تحت ولاية الدولة العثمانية. في العصر دا بعد تدمير الجيش العثماني على يد "إبراهيم باشا"، كانت إنجلترا ساعدته يكوّن جيش جديد.. وكان فيه جنرالات مرتزقة إنجليز وألمان..
انجلترا بتطلب من روسيا الانسحاب من رومانيا لكن روسيا بتقول لانجلترا ان دا مش احتلال.. هي بالفعل ناوية تنسحب، بس بمجرد السلطان العثماني ما يعترف بحقوق الأرثوذكس في كنيسة القيامة في القدس.. هي حتنسحب عل طول.
طبعًا روسيا مكانش في نيتها الانسحاب مطلقًا.. وانجلترا وفرنسا مكانش في نيتهم دخول الحرب دي.. العثمانيين بيحاربوا وينهكوا الروس بالوكالة بدالهم.. يحاربوا هم ليه؟
وعليه في بدايات أغسطس، من العام 1853، بتلتقي القوات الروسية بالقوات العثمانية عند نهر الدانوب.. وبتتهزم القوات العثمانية الوليدة عديمة الخبرة.. لأن دي أول معركة تدخلها فعليًا.. وبتتراجع، وبتقرر تستعين بـ"شامل الداغستاني".
و"شامل الداغستاني".. كانوا بيسموه "الإمام شامل".. طول عمره قومه بيحاربوا الروس بعدما احتلوا اراضيهم في الشيشان وداغستان.. "شامل" دا كان إمام عادل صارم.. لدرجة أنه ذات مرة، أمه قذفت أحدى العاملات بتوعها، فأمر بتطبيق عقوبة القذف على أمه، وكانت ثمانين جلدة، وبعدين تلقى هو العقاب بدالها عشان هي أمه. "شامل" وقومه كانوا أصحاب هدف نبيل في البداية في صراعهم ضد محتل، لكن للأسف...
عبر الوقت انجلترا حطت ايديها على "شامل" وإدارته وقومه ، وبقت بتمولهم.. والملكة "فيكتوريا" بعتتلهم علم دولتهم مطرز بـ3 نجوم.. وهي المناطق اللي عايزين يحرروها من الروس.. وكان المناطق دي هي الشيشان وجورجيا وداغستان.
فعبر الوقت فقد "شامل" شرعية المقاومة، واستحال إلى ما يشبه المرتزقة بدوره، ومع هزيمة العثمانيين، انجلترا بتوعز له بدعمهم.. فبينطلق يضع رجاله تحت إمرة الدولة العثمانية، والمرة دي، بينتصر العثمانيين بـ"شامل" ورجاله على الروس.. وبيدخل العثمانيين رومانيا مرة ثانية.
الدولة العثمانية مكانتش سعيدة بنتائج المعركة دي رغم أنها كسبتها.. وحست أن الروس مش حيسكتوا وحيتقدموا ويسحقوها.. فحاولت تدفع إنجلترا وفرنسا لدخول الحرب بأي ثمن.. زي ما بالضبط النهاردة "أردوغان" بيحاول يجر الناتو في حروبه.. بس هو مين الصبي ومين المعلم؟ المعلم الأوروبي مشغل الصبي العثماني يتضرب بداله.. مش العكس.
فهنا بيلجأ السلطان لحركة خبيثة للغاية.. وبيقرر يضحي بشوية جنود في سبيل خطته.. فبيشحن 2000 جندي عثماني.. على قطع حربية من الأسطول، ويبعتها إلى ميناء "سينوب" التركي. الميناء دا مواجه مباشرة لشبه جزيرة القرم، والحركة دي بتعني أنه جاي يهاجم القرم بلا محالة.
وبالفعل هاجم الأسطول الروسي السفن العثمانية، واغرقوا ومات كل الجنود اللي عليها حتى آخر جندي.. وراح السلطان العثماني يعيط لانجلترا وفرنسا.. قيصر روسيا بيغرقلي سفني.. وكده لو دمر لي الأسطول ودخل المضايق وسيطر عليها.. أنا مش مسؤول.. وبتنجح الخطة وبتوقع معاه انجلترا وفرنسا في 12 مارس 1854، "معاهدة أسطنبول".. ودي بموجبها.. ممنوع أي دولة من الدول الثلاثة أنها تعمل صلح منفرد مع روسيا، وأن تتفاهم الدول الثلاث في الحرب ضد روسيا، وأن تكون الوحدات الإنجليزية والفرنسية والسفن التابعة لهما في اسطنبول خاضعة للقوانين العثمانية.
وعليه بتعلن انجلترا وفرنسا إلى جانب الدولة العثمانية، الحرب على روسيا.. افتكر دايمًا المعاهدات دي لما حد يقولك "أوروبا كانت ضد العثمانيين المسلمين" و"محمد علي صنيعة أوروبا للقضاء على الإسلام العثماني".. محدش وقف جنب الدولة العثمانية في حروبها مع المصريين والروس أد أوروبا.
الحرب دي بتستمر سنة كاملة.. من سبتمبر 1854 إلى سبتمبر 1855.. وبيروح فيها ضحايا كتير جدًا من الجانبين.. قبيل انتهائها بتلات شهور.. في يوليو 1855، بيموت قيصر روسيا، وبموته بتنحدر معنويات الروس وتتدهور، فمابيمرش كتير قبل ما الدول الثلاثة تسيطر على "سيفاستوبول"، أهم مدن القرم...
مع وفاة "نيقولا الأول" قيصر روسيا، وتولي ابنه "ألكسندر الثاني".. بيقرر انه مش حيقدر يواصل الحرب ضد الدول الثلاث مجتمعة.. فبيوقع "معاهدة باريس 1856".. ودي بتعلن فيها البحر الاسود "منطقة محايدة".. وبكده، ولأول مرة، بيبقى البحر الاسود للعثمانيين بالكامل.. وبيرجع الجميع إلى حدود ما قبل الحرب.. وبتقر الدولة العثمانية فرنسا على إدارة الأماكن المقدسة في القدس.
سنة 1861، بيموت السلطان "عبد المجيد الأول" وهو بسبب الحروب سايب ديون قدرت بـ بخمسة وثلاثين مليون فرنك.. وعملة عثمانية قيمتها في الأرض.. وبيحل محله أخوه "عبد العزيز الأول".. ودا فترته كانت عاطفية جدا.. ثورة الجبل الأسود.. ثورة الصرب.. ثورة كريت.. حادثة سالونيك.. مظاهرات طلبة ومشايخ المعاهد الشرعية في الآستانة. وكان بيهدي الثوارت بالفلوس.. يعني الأمير "دانييال" أمير الجبل الأسود، قبل برتبة مشير ومقابل سنوي.. وسكت.. اللي جه بعده "الأمير نيكولا" مقبلش رشوة.. فقمع "عبد العزيز" ثورته بالجيش العثماني.. وكذلك فعل في كريت.. وفي صربيا خسر حربه ضد الثوار، واضطر لتوقيع اتفاق استسلام.. بتخلي الدولة العثمانية عن القلاع الأربعة في بلاد الصرب وجلاء كافة القوات العثمانية عنها.
حادثة سالونيك كانت مختلفة.. بنت بلغارية حسناء.. وصلت للمدينة.. فراح خاطفها واحد عثماني سلفي مجنون وقرر يتجوزها.. وأجبرها على اعتناق الإسلام قسرًا.. لكن مراته الأولانية غارت منها.. فسربت الخبر لجماعة من المسيحيين.. فانقضوا على البيت وحطموا بابه.. وحرروا الفتاة البلغارية.. وهربوا بها.
أخينا بقى اللي كان خاطفها راح جاب جماعات من المسلمين.. وراحوا حاصروا بيت الناس اللي انقذوها.. فالناس دي استعانت بمسيحيين آخرين تانية يقفوا للخاطف ورفاقه.. واتحول الموضوع لفتنة طائفية مروعة.. راح الجماعة السلفيين دول وقتها اغتالوا قناصل ألمانيا وفرنسا باعتبارهم "كفار" وكده.. فراحت فرنسا غضبت على قتل قنصلها.. وقامت باعته الأسطول محاصر أسطنبول.. وألمانيا راحت معدية الحدود بتلاتين ألف جندي.. وانتهى الموضوع سلمًا بقبول "عبد العزيز" فرض الوصاية على الدولة العثمانية في هذا الشأن.. واتعمل مجلس دولي لمراقبة شؤون مسيحيي الدولة العثمانية.. وضمان احترام حقوق الأقليات.
وفي أبريل 1876.. بيثور طلاب المعاهد الدينية ومشايخهم في أسطنبول.. وبيطالبوا بغلق بيوت الدعارة، وعزل المفتي القواد، "حسن فهمي أفندي" والصدر الأعظم "محمود نديم باشا" اللي ظلمه جعل الناس تغلي.. الشرطة بتفشل في تفريقهم.. وبينضم لهم عشرات الآلاف من الناس.. وبيهرب "حسن فهمي" و"نديم باشا" من أسطنبول.. وبيحاصر المتظاهرين قصر الباب العالي.
وبعد اجتماعات ومفاوضات وشد وجذب.. بيخضع "عبد العزيز" للناس.. فبيعين "خير الله أفندي" مفتي.. و"رشدي باشا" صدر أعظم.. وبيرفض غلق بيوت الدعارة.. بس بما أنه استجاب للطلبات الأهم.. بينفض حصار القصر.. وبيمشي المتظاهرين.
كان ظهر وزير دفاع اسمه "سليمان" باشا.. وبقى رئيس المدرسة الحربية.. وواحد اسمه "مدحت باشا".. وكان برضه عايز ينقذ الدولة بأي طريقة.. وكان الاتنين شرفاء لهم آراء مختلفة.. فنصحوا السلطان أنه ينسحب من بعض الأماكن اللي خارجة فعليًا عن قدرات الدولة العثمانية.. خصوصًا الأماكن البعيدة اللي بتستنزف فلوس.. وأنه يطلع من ثروة القصر الخاصة.. ويسدد معظم الدين.. ويعدل الأمور.. لكن السلطان رفض.
عبر الوقت بتسوء الأحوال أكتر.. وبتفلس الدولة العثمانية تقريبًا.. فبتقترض أكتر.. وعشان تسددة القروض بتقترض عشان تدفع الأقساط.. وحاول "عبد العزيز" يضغط نفقات القصر، فلغى جناح الحريم، وضمه على قصره.. وبعدين مانفعتش القصة دي فلغى الأوقاف.. وبعدين راح ساحب سندات الدين بعد سداد 40% من قيمتها.. وقدم سندات جديدة بقيمة 60% .. وفي ديسمبر 1865 .. جه ميعاد استحقاق السندات.. ومكانش في فلوس كافية.. فخد 8 مليون جنيه استرليني من انجلترا.. وبعدين 7 مليون فرنك من فرنسا.. وبعدين راح مادد إيده على مالية البنك العثماني.. اللي بيدفع الرواتب ويسير مرافق الدولة.. وبعدين راح طابع عملات.. فحصل تضخم وعملته رخصت أكتر وأكتر.. وبسبب السياسات المالية الرشيدة دي.. وفي النهاية أعلن الصدر الأعظم "محمود نديم باشا" في 5 نوفمبر 1875 إفلاس الدولة العثمانية رسميًا.
وهنا.. أقرضته أوروبا 30 مليون فرنك، بفائدة 25% سنويًا.. يعني لو استلف مليون يسدده مليون وربع.. ووافق.. وضغط على الناس اكتر في الضرايب.. فوصل دخله إلى 380 مليون فرنك.. أقساط القروض والسندات اللي عليه مجتمعة كانت 310 مليون.. فمكانش بيفضل للدولة تدفع رواتبها وتسير مرافقها وتستورد وتعمل كل ما لها غير 70 مليون فرنك.
بيطلب مه "سليمان باشا" مرة تانية يطلع من ثروته الخاصة ويعدل الحال شوية.. ولما بيرفض بيزق عليه "مدحت باشا".. وكان أحد مستشاريه.. فبيرفض برضه وبيبدأ تهريبها إلى خارج الدولة.. لحد ما بيقرر "مدحت" و"سليمان" التحرك.. فبيلجأوا للمفتي.. يعرضوا عليه الأمر...
وبعد مباحثات مع المفتي استمرت يومين.. بيفاجأ "عبد العزيز" بفتوى من المفتى.. شيخ الإسلام "خير الله أفندي" بأنه سلطان فاسد، ضرره أكبر من نفعه، ولا تثريب في الإنقلاب عليه وخلعه.
وفي مساء 29 مايو 1876 توجه سليمان باشا رئيس المدرسة الحربية بالجنود وقطع الطرق المؤدية إلى قصر "دولمة باشا".. مقر إقامة السلطان "عبد العزيز".. وبيتحرك قائد الأسطول العثماني "أحمد باشا" ويقطع الطرق البحرية، عشان ميجيش لـ"عبد العزيز" أي مدد إنجليزي أو فرنسي.. وبيحاصر القصر بحرًا.. وبيتوجه "سليمان" مع رجاله لاقتحامه، فبيشتبك معهم حرس السلطان.. وبيهزمهم "سليمان".. وبيستسلم الباقين لما بيهدد "أحمد باشا" بقصف القصر بحرًا بالمدفعية.
و بيدخل "سليمان باشا" القصر، معاه السلطان العثماني الجديد " مراد الخامس".. وبيعزل "عبد العزيز" بالقوة.. ويقعد "مراد" على العرش مكانه.. وبيضربوا مائة طلقة مدفعية احتفالًا بجلوسه علي العرش.. وبيصحى "عبد العزيز" من نومه على صوت طلقات المدفعية، فجر 30 مايو، 1876 .
و"مراد" دا كان شاب ناجح ذكي بيتكلم لغات ومثقف.. وكذا مرة يثني عليه قناصل الدول الأجنبية.. فغار منه "عبد العزيز" وحبسه وحدد اقامته في القصر لمدة 14 سنة.. ومكانش بيخرج حتى يتمشى في الحديقة، ولا يكلم حد.. كأنه استعادة لـ"أقفاص صفية" القديمة.
مقاومش "عبد العزيز" خلعه مطلقًا.. هو أصلًا صحي من النوم لقا نفسه معزول.. ونقلوه لقصر "طوبقابي" وحددوا اقامته هناك.. وقعد بالفعل بضعة أيام.. وطلب نقله لقصر آخر.. عشان مابيحبش "طوبقابي".. فوافق "مراد".. وفي قصره الجديد.. كانت بتدخل له الصحف وبيجيله الأكل.. لحد ما طلب مقص لتشذيب لحيته، فجابوا له مقص.. فلما خرجوا.. قطع شرايين إيده بالمقص.. وأصبح أول خليفة مات منتحرًا.
أما "مراد".. فدا قعد على العرش 3 شهور.. وبعدين اكتشفوا أنه مجنون تمامًا.. وسجنه طول السنين دي وحيدًا أفقده عقله.. ومكانش بيعرف يميز بين الوزراء.. ولا قيم العملات المختلفة.. فجابوا له طبيب أمراض نفسية نمساوي.. أعلن لهم أنه مخبول.. ومش حينفع يتعالج. فراحوا عزلوه هو كمان.. وقعدوا مكانه " عبد الحميد الثاني".
و"عبد الحميد الثاني" ملقاش سبيل لنقاذ نفسه من بركة الديون الرهيبة دي.. اللي كاد يغرق فيها من أول يوم.. إلا أنه يفتح الطريق للصهاينة، للحصول على فلسطين.. مقابل سداد الديون.. ونفذ مذبحة الأرمن.. ونفذ مذبحة أخرى لا تقل بشاعة عنها، ضد الألبان المسلمين.. الناس بتنساها ومابتقفش عندها كتير.
والقصص دي نوضحها بإذن الله المرة الجاية.
ويبقى للحديث.. بقية.
----------
- المنشورات السابقة أول تعليق
- الصورة لعبد العزيز الأول.. أول خليفة مات منتحرًا.
----------
#الخلافة_العثمانية 41.