مع الدولة العثمانية لسه، و"محمد علي باشا"، اللي أصدر السلطان "عبد المجيد الأول" فرمان بعزله، سنة 1841.
إنجلترا والنمسا وروسيا وبروسيا بيقروا "عبد المجيد" على فرمانه.. وبيوافقوا جميعًا على عزل "محمد علي"، فيما عدا فرنسا.. فرنسا بتتخذ موقف حاد جدًا من القصة دي.. ومندوبها بيعلن للمندوب الانجليزي، انه استفرد بالسلطان العثماني العبيط، وأنه إنجلترا عايزة تدير الأمور في الشرق الأوسط على مزاجها ولحسابها.. دون حساب لفرنسا ولا باقي الدول.
النمسا وبروسيا بعد تفكير بيتبنوا وجهة النظر الفرنسية.. بينما بتصر إنجلترا وبتنضم إليها روسيا في وجهة النظر المضادة.. ويصمموا على عزل "محمد علي".. روسيا بالذات كانت على طول ف مشاكل مع العثمانيين.. وما صدقت تحط إيدها عليهم.. وكمان كانت عدو لفرنسا بعد الحروب النابوليونية، وبتعارضها على طول الخط.
وبيتكهرب الجو، وينذر بحرب عالمية.. فبتذعن إنجلترا، وبتتبعها روسيا، وبتأمر انجلترا السلطان العثماني، فبيصدر فرمان جديد، بجعل حكم مصر لـ"محمد علي" وأسرته وراثيًا وبيقره على حكم السودان بشرط أن يؤدي للسلطان ما يؤديه الولاة من جزية سنوية.. وألا يزيد عدد قوات الجيش المصري عن 18 ألف جندي.. وكان الجيش قد بلغ في عهد "محمد علي" ما يقرب من 250 ألف جندي.
وكان "محمد علي" قد أصيب بحالة مجهولة، محدش عرف يشخصها.. وإن كانت أقرب إلى التسمم بمادة الرصاص، وشعر أنه على وشك الموت، فقبل العرض، ورجع الأسطول العثماني اللي كنا صادرناه في الإسكندرية إلى أسطنبول.. وطلب من "إبراهيم باشا" العودة إلى القاهرة.
بييجي العام 1843..وبتكون الأمور هدأت، وبيحاول "محمد علي" يبني الجيش من جديد.. وأثناء ذلك.. بيبعت ابنه "إبراهيم" للباب العالي في مهمة.. وبيرجع "إبراهيم" باشا من الزيارة برضه مصاب بتسمم الرصاص.. وبيتركز في مفاصله وبيبقى مش عارف يتحرك زي زمان.. وفي العام 1844 لما بيروح للباب العالي في زيارة تانية.. بيرجع وهو بيسعل دم، بدون سبب مفهوم.. وبتتشخص حالته بتدهور حاد غامض في المناعة أدى إلى إصابته بالسل الرئوي.
بيدرك "محمد علي" إن "إبراهيم" مش حينجو.. وكان مرض "إبراهيم" في الحقيقة هو الضربة القاصمة لـ"محمد علي".. وأدرك أنه لو مات "إبراهيم".. فمصر إلى ضياع.. كان خايف على مصر من "عباس حلمي" واخوته من الأولاد اللي انجبهم من جواريه.. وقال صراحة أنه:
"ولدي عجوز عليل، وعبّاس متراخ كسول، من عساه يحكم مصر الآن سوى الأولاد، وكيف لهؤلاء أن يحفظوها؟"
والحقيقة أن "عباس" دا كان متخلف عقليًا تمامًا.. راح مرة في السرر حرر جماعة من الوهابيين من السجون المصرية وهربهم.. والمرة الوحيدة اللي "إبراهيم" أخده فيها لميدان القتال، رجعه تاني بعدها لأبوه لأنه "بلا فائدة وضرره أكبر من نفعه".. ووقت ما كان "إبراهيم" بيحرر الشرق والغرب.. كان "عباس" بيتفسح في أوروبا.
بيرجع "إبراهيم" من إيطاليا وبيتفاجيء سنة 1848، أن "عباس" استغل مرض جده وراح يتصرف كما يشاء.. وأنه هو الحاكم الفعلي لمصر.. فبيحدد إقامة "عباس".. وبيتولى هو نفسه حكم البلاد.
وكان "محمد علي" مقيم في الإسكندرية تحت رعاية بنته المفضلة "رقية هانم".. وكان "إبراهيم" بيدير شؤون البلاد من هناك من رأس التين جوار والده.. وبيزوره في مخدعه كل ليلة.. بما أنه هو الوحيد اللي بيتذكره.. وكان بيحاول يفكره باللي عملوه ويقول له أنهم حيعيدوا الكرّة.. ومصر حتستعيد مجدها مرة تانية.. لحد ليلة 9 نوفمبر، سنة 1848.. ودي كانت آخر زيارة من "إبراهيم باشا" لـ"محمد علي".
بيتوفى "إبراهيم" بعدها في اليوم التالي.. وبيدفنوه في القاهرة زي ما أوصى.. في أنه يدفن في قبر صغير، من 3 طوابق، منقوشًا عليها "فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون" و"وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد" و"كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والاكرام". ونفذوه أمره ودفنوه كما أراد، ونقشوا على قبره إللي أوصى به.
وبعد شهور قليلة، من وفاة "إبراهيم" بيلحق به "محمد علي"، في العام نفسه؛ 1848.. وبيمسك "عباس" البلاد، وكان عرة منبطح للدولة العثمانية.. لدرجة أنه راح للسلطان واهدى له مقتنيات والده وجده.. ورجعت بالتالي مصر ترفل في ظلام العثمانيين.. بعدما كانت بتضيء العالم في عصر "محمد علي".
بيرحل "محمد علي" وهو سايب وراه بعد أربعين سنة حكم، اللي العثمانيين معملوهوش في أكتر من قرنين.. آلاف المدارس والمزارع والمصانع والسواقي والطرق والمنارات.. ومئات الآلاف من أشجار التوت.. اللي كان في الحقول والمدارس والشوارع.. وحط مصر على قمة العالم في إنتاج الحرير.. وعشرات المواقع والمعارك والحروب.. اللي ماتهزمش ابنه إبراهيم في أي حرب منها.
أما "عبد المجيد"، فكان بقى في حضن أوروبا بشكل فاضح، فأمروه بإدخال إصلاحات أوروبية على الدولة، فعمل حاجة اسمها "خط كلخانة".
وكلمة "خط" لما تسمعها في عصر العثمانيين بعدها كلمة.. بتعني مرسوم، كتبه السلطان العثماني بخطه، مملاهوش لكاتب الديوان.. وكتبه في عزلة عن رجاله، لأنه كان بيمليه عليه قنصل أجنبي.
وبموجب مرسوم "خط كلخانة".. السلطان العثماني للمرة الأولى بيمنح مواطني الدولة العثمانية الأمان على النفس، والأملاك، والعرض؛ وضمان الحرية الشخصية؛ ومنع المصادرة والسخرة...!!
أنت متخيل أن كل دا في عهد الدولة العثمانية.. كان بيتطبق على مواطنيها نفسهم؟ عدم الأمان على النفس والعرض.. ولا حرمة للمال.. ولا حرية شخصية.. والعمل بالسخرة بدون أجر؟
متخيل بقى كان بيحصل ايه في غير المواطنين.. ورعايا البلاد اللي تحت الاحتلال زي الشام ومصر وليبيا والجزائر والخ؟
بعد "خط كلخانة" أوروبا دفعته، فطلع في 18 فبراير 1856.. حاجة اسمها "الخط الهمايوني".
والخط الهمايوني دا مرسوم بموجبه بياخد أول مرة غير المسلمين من المسيحيين، ما أسماه السلطان "المزايا التقليدية".
حقوقهم العادية يعني!
يتعبدوا ويصلوا ويحجوا ويتساووا في الحقوق والواجبات مع المسلمين. المرسوم منع التفرقة كذلك على اساس الجنس.. لأن "المرأة" وغير المسلم في الدولة العثمانية كانت في معظم الوقت مش بيعتبروا بشر.. كأنهم "شيء" تافه حقير.. فقال المرسوم: "تمحى وتزال إلى الأبد، من المحررات الرسمية، كافة التعييرات والألفاظ المتضمنة تحقير جنس لآخر في اللسان أو الجنسية أو المذهب... ويمنع قانونًا استعمال كل وصف أو تعريف يمسّ الشرف أو يستوجب العار بين الناس".
دا على فكرة لمواطنين الدولة العثمانية برضه.. كانوا بيتهانوا في الأوراق الرسمية!
بالمناسبة عقب وفاة "محمد على" عام 1849، "عباس" عزل المسيحيين من المناصب العامة، وسعى لطردهم من مصر.. واللي وقف له وقتها وهدده بثورة كان "الشيخ الباجورى" شيخ الأزهر.
"عبد المجيد" راح وقع معاهدة اسمها "اتفاقية لندن للمضائق".. الاتفاقية دي نصت على حرية الملاحة في الدردنيل للسفن التجارية كلها من كل الدول، ومنع أي سفن عسكرية.
طبعًا دا خرق لمعاهدة "يونكار سكليسي Treaty of Hünkâr İskelesi".. اللي وقعها أبوه مع روسيا، لما راح يعيط للقيصر ويقول له "إلحقني إبراهيم باشا جاي يعلقني في النجفة".. المعاهدة دي كانت بتسمح للأسطول الروسي يمر في المياه العثمانية وقت ما يحب منفردًا، دون أي دولة أخرى.
وبعدين راح "عبد المجيد" بموجب الخط الهمايوني، منح فرنسا حق إدارة كنيسة القيامة والأماكن المقدسة في القدس.. ودا ضايق روسيا.. خصوصًا أن قيصر روسيا كان مسيحي متشدد متعصب زي السلفيين عندنا.. وكان شايف أنه أولى بإدارة الأماكن المقدسة.. فبعت سفيره لـ"عبد المجيد" يطلب من السلطان العثماني، تنحية الرهبان الكاثوليك الفرنسيين.. ومنحه امتيازات للرعايا الأرثوذكس في الدولة العثمانية، ومنح للرهبان الأرثوذوكس حق إدارة الأماكن المقدسة.. وطلب عقد اتفاقية تعلن بوضوح أن جميع المسيحيين في الديار المقدسة تحت الحماية الروسية، وطالب كمان بتنحية وزير الخارجية العثماني "فؤاد أفندي" من منصبه بسبب علاقاته الوثيقة مع فرنسا.
إنجلترا بتفهم أن قيصر روسيا، عايز يمدد النفوذ الروسي على حسابها.. فتأمر السلطان العثماني يوافق على إشراك روسيا في إدارة الأماكن المقدسة عشان تفوت عليه الحجة دي للتدخل في الشأن العثماني.. لكن قيصر روسيا أول ما اتنفذ طلبه.. طلب من "عبد المجيد" إنه يعلن استقلال "الجبل الأسود".
والجبل الأسود دي كانت دولة في جنوب أوروبا. وكانت إحدى الدول الاثنتين اللي عاملين اتحاد صربيا والجبل الأسود.
طبعا هنا إنجلترا رفضت.. وبالتالي "عبد المجيد" رفض.. ومع رفضه، سحبت روسيا سفيرها من أسطنبول، استعدادًا لمرحلة جديدة في تاريخ الدولة العثمانية.
حرب القرم.
وقصة حرب القرم دي الحديث عنها يطول، فنكمل كلام عنها في وقت آخر.
ويبقى للحديث بقية بإذن الله.
-------
المنشورات السابقة أول تعليق.
الصورة لقبر إبراهيم باشا بالقاهرة.
------
#الخلافة_العثمانية 40