لسه مع الدولة العثمانية، و"إبراهيم باشا"، اللي بيسحق الجيش العثماني تمامًا في موقعة "نزيب".. وقائد الأسطول العثماني "أحمد باشا" اللي بيتوجه للإسكندرية، وينحني أمام "محمد علي باشا" في قلعة "رأس التين".. ويسلمه الأسطول العثماني تحت إمرته.
في عشرات، وربما مئات الآلاف.. من القادة العسكريين عبر التاريخ.. منهم 44 قائد فقط.. في تاريخ العالم منذ وطأ الإنسان الدنيا ماخسروش أي حرب دخلوها.. 7 منهم من مصر.. من بينهم "إبراهيم باشا" بن "محمد علي".
القنصل البريطاني "باركر" في عام 1832 بعت رسالة لإنجلترا بيقول فيها، أن "محمد علي باشا" له مشروع خاص، لتحرير الشعوب العربية، وتوحيد أقطارها، وصنع جيش عربي موحد، قادر على التصدي لأوروبا وقت اللزوم.. رسالة "باركر" دي محدش أخدها على محمل الجد، إلا لما انتصر "إبراهيم باشا" في "نزيب".. وأصبح الطريق مفتوح إلى قلب الآستانة.. داخل أوروبا نفسها.
بوفاة السلطان العثماني "محمود الثاني" من الصدمة، بيعتلي العرش مكانه "عبد المجيد الأول"، في موقف في غاية السوء.. مفيش جيش ولا أسطول.. وبيلتقي "محمد علي" بالسلطان الجديد.. في لقاء دبلوماسي.. وبيفرض شروطه، وهي العودة إلى حدود اتفاقية كوتاهية.. وحكم مصر بحدودها الجديدة له ولأولاده وراثيًا.. وفي نفس الوقت كان "إبراهيم باشا" بيتهدده على الحدود، فبيرتمي في حضن أوروبا.
وللضغط على الدولة العثمانية.. بيزحف "إبراهيم باشا" نحو بوابات الآستانة.. وبترتعد فرائص السلطان "عبد المجيد"، وكاد أنه يقبل شروط "محمد علي" بالفعل.. لولا أنه بتوصل للسلطان العثماني رسالة من الدول الأوروبية مجتمعة أنه مايوافقش.. وإنهم ملتزمين بحماية السلطنة العثمانية.
وكانت أوروبا شايفة أن الخطر، كل الخطر، إن مصر القوية تحل محل الدولة العثمانية الهشة، ويبقى "محمد علي" القوي وسطهم في قلب أوروبا، بدل أي سلطان عثماني سكير، ممكن يقتل أخوه من أجل شوية جواري وبرميلين نبيذ.. ويبقى "محمد علي" له الكلمة العليا لو قامت حرب ضد روسيا.. ومن الجانب الآخر.. شافت روسيا أنه حيبقى له الكلمة العليا لو قررت تحارب أوروبا.. وكانت إنجلترا شايفة أنه ماينفعش يفضل في حكم مصر أصلًا.. لأن وجوده بيهدد نفوذها وطرق الملاحة وتجارتها في الهند.. فبتدعو إنجلترا سنة 1840 باقي دول أوروبا إلى لندن، وبيعقدوا مؤتمر خاص لبحث المسألة اللي سموها "المسألة الشرقية".
الوحيدة اللي بتاخد صف وقتها كانت فرنسا.. وحلمت بدا إنها تاخد مكانة ممتازة في الشرق، وتبقى طرق التجارة ومضائق أوروبا مفتوحة أمامها كحليف.. ولكن الدول الأوروبية بتخرج بمعاهدة اسمها "معاهدة التحالف الرباعي أو معاهدة لندن".. وفي المعاهدة دي بتشترط جلاء "محمد علي" عن كافة أراضي الشام، مع احتفاظه بـ"عكا" مدى حياته.. على أن يكون حكم مصر والسودان له ولأسرته وراثيًا.. وبتمهله مهلة عشر أيام للرد.
ولكن "محمد علي" بيتجاهل المهلة تمامًا.. وفي غيظ.. بتمنحه الدول الأوروبية مهلة أخرى، بس بتسحب "عكا" من العرض. والمرة دي بالسلطان العثماني بيبلغه أنه لو ماردش على العرض، حيخلعه من ولاية مصر.
زي ما قلنا مشكلة العثمانيين طوال الوقت كانت "الإنكار".. إنكار انهم شرذمة من العصابات.. إنكار أنهم مدمنين مجرمين صيع.. إنكار أنهم لا عهد لهم ولا دين.. إنكار إنهم قتلة بيقتلوا بعض على المغانم والمناصب.. إنكار أن مصر خرجت من تحت أيديهم النجسة من زمن.. يعني "عبد المجيد الأول" كان لسه فاكر أن مصر تابعة له بعد كل ده!
ولكن بعد عودة "محمد علي" من لقاء السلطان، وانتظاره للرد في الإسكندرية، بتظهر عليه فجأة أعراض عجيبة غامضة.. فبيصاب بآلام عنيفة في معدته ويبدأ يقيء ويفقد وزنه.. وبيحار الأطباء في الحالة دي.. وبيشخصها بعضهم على أنها نزلة معوية وبيأكد البعض أنها دوسنتاريا.. فبيبدأوا يعالجوه بنترات الفضة.. من دون أن تتحسن صحته لأسباب مجهولة.
وبتمر المهلة الجديدة دون أن يرد "محمد علي" كذلك.. فبتقطع الدول الأوربية علاقاتها مع مصر.. وبتشحن قواتها إلى الآستانة، إللي "إبراهيم باشا" بيهدد أسوارها.
ولأول مرة في تاريخ العالم، بتحتشد قوى الأرض كلها تقريبًا، وتقف جيوشها جنبًا إلى جنب، أعداء واصدقاء، عشان يتصدوا لرجل واحد اسمه "إبراهيم باشا".. تحت أسوار الآستانة.
وكان "إبراهيم" مصمم على اقتحام الآستانة.. وإسقاط الدولة العثمانية للأبد بلا رجعة.. وبيختلف مع أبيه في شدة حول الموضوع دا.. لكن "محمد علي" كانت بدأت أعراض مرضه تتطور بشكل مفاجيء غريب.. فبدأت ذاكرته تهتز.. وللمرة الأولى بتبدو الحالة جلية سهلة التشخيص، بأعراضها اللي بدت كأعراض التسمم بمادة الرصاص.. وبيشعر أن ساعته بتقترب.. وهنا بيبقى قدام خيار قاسي.
إنه يدفع "إبراهيم" لقتال أوروبا كلها في الآستانة.. ودا يعني أن "إبراهيم" حيواجه، ما يقرب من خمسة ملايين فارس وجندي.. وأكثر من 20 الف مدفع.. ولو مات "محمد علي" اثناء ده.. مش حيبقى في قائد في مصر وحتتهاجم.. وطبعا مش حيبقى في جيش.. وحتستباح الأرض.
أو أنه يقبل العرض الأوروبي.
وأثناء مباحثات "محمد علي" ورسائله مع ابنه.. بتتحرك كل أساطيل الدنيا، من قلب أوروبا، وتقطع الطرق البحرية بين مصر وتركيا.. يعني خطوط الإمداد بين "محمد علي" وإبراهيم".
ولسه في جاموس بري بارد جبلة معندوش دم تافه، له عين بعد الحقائق التاريخية دي يقول لك "أوروبا صنعت محمد علي عشان يسقط العثمانيين المسلمين"..!
وكان "محمد علي" مصمم أنه يحافظ على حياة "إبراهيم" باشا مهما كان الثمن.. لأن إبراهيم هو الرجل القوي الوحيد اللي يصلح لحكم مصر بعده.. بعدما اتضح لـ"محمد علي" أن "عباس ابن أحمد طوسون".. عيل تافه متخلف.. وكان مختلف تماما مع سياسة عمه وجده.. لدرجة أنه قام بتهريب أحد أشقاء "محمد عبد الوهاب" بتاع الحركة الوهابية من السجون المصرية.. ولما بعته "محمد علي" إلى "إبراهيم" في حروب الشام.. بعتهوله "إبراهيم" مرة أخرى وقال له أنه لا يصلح ومفيش منه فائدة فعلية في الميدان.
وبيدرك "محمد علي" في لحظة سوداء.. إنه إذا مات "إبراهيم".. تبقى ضاعت مصر.
وبتتحرك الأساطيل النمساوية والروسية والإنجليزية والإسبانية والبرتغالية والهولندية والإيطالية صوب السواحل المصرية، مهددة بحرب شاملة.. لو "محمد علي".. ماسابش الدولة العثمانية تعيش.
وكان على "محمد علي" أنه يختار فورًا بين الحرب أو المفاوضات...
ولأول مرة في تاريخها، بتخفض القلعة السكندرية مدفعيتها.. ويتراجع الاسطول المصري، في إشارة لعدم القتال.
والغريب أن التصرف دا بيقلق قائد الأسطول الإنجليزي في شدة.. وبيتصور أنه فخ.. فبيرفع راية المفاوضات.. ويتقدم إلى الشط في قارب.. وبيلتقي "محمد علي".. وكان في حالة صحية سيئة للغاية.. وكان اتخذ قراره بالفعل.. أنه يجنح للسلم.
ومع الأدميرال الإنجليزي، بيوقع "محمد علي" اتفاقية بتنص على أنه حيوافق علي قرار الدول الأوروبية.. بشرط أن حكم مصر يكون وراثي لأسرته.. وهنا بتنسحب الأساطيل الأوروبية.. وبيرد "محمد علي" الاسطول العثماني إلى الآستانة، وبيصدر أمره إلى "إبراهيم باشا" بالعودة.
لكن السلطان العثماني مستقويًا بانجلترا.. بيرفض الاتفاق ده.. وبيقرر أن المهلة انتهت.. وبيصدر فرمانه في العام 1841، بخلع "محمد علي" عن حكم مصر.
وبتتأزم الأمور مرة ثانية، ويشتغل الموقف بغتة.. ويبدو أن الحديث طال النهاردة فنكمل كلامنا لاحقًا.
ويبقى للحديث.. بقية.
--------
- المنشورات السابقة أول تعليق.
- الصورة لقصر "محمد علي باشا" الذي بناه في رأس التين في الإسكندرية، بهدف إعادتها مرة أخرى إلى وضعها السابق، كـ"كوزموبوليتان عالمية" ومركز تجارة.. وفرغ من بنائه قبلما يظهر الفنان المقاول "محمممه" وأتباعه من ذوي الحوافر لحسن الحظ.
------
#الخلافة_العثمانية 39