لما بتيجي سيرة "محمد علي باشا"، بتلاقي ذيول العثمانلية بتسخر منه باعتبار أن أبوه كان "تاجر دخان".. لو جت سيرة "عبد الناصر" يقولولك "إنجي وابن الجنايني".. الجماعة دي من أكبر الجماعات العنصرية في تاريخ الشرق خاصة، والعالم عامة.. رغم أن 90% من أهاليهم أولاد غير شرعيين.. لـ"عبد الحكيم عابدين".

"محمد علي باشا" كان ابن رئيس الحرس المنوط بخفارة الطريق في بلده "كافالا Kavala".. اسمها "كافالا" مش "قولة".. "قولة" لفظ تركي عثماني.. البلد دي في شمال اليونان..لما مات ذويه، كان عمره 14 سنة.. فكفله الحاكم وصديق والده "الشوربجي إسماعيل".. وألحقه بالجيش.

"محمد علي" لما وصل مصر، سحرته وأبهرته.. رغم إهمال العثمانيين وعفانتهم.. وفقر المصريين ومعاناتهم في عهدهم.. لكن الفقر مالوش علاقة بالنظافة.. شوف النوبة وجالها ونظافتها رغم أنها مدينة فقيرة.. فلقى "محمد علي" في مصر شوارع نظيفة.. وكرم من الناس حتى أفقرهم وأكثرهم عوزًا.. ممكن يقسم معاك رغيفه الوحيد.. وشاف المعمار والقلاع والمساجد وزار الأزهر وانبهر بمعماره ونظافته وزار الكنيسة المعلقة. لقى في الشوارع مساقي سبيل للقطط والكلاب والطيور..عملها الناس أسفل مساقيهم.. المياه تنقط وتفيض مما يشربون فتنسكب في أوعية خاصة.. في متناول الحيوانات.. وشاف الأرض والتربة الغنية وأشجار الفواكه في كل مكان.. التقاء النيل بالبحر والدلتا الخصبة.. في الوقت دا اليونان نفسها مكانتش كده.

في لحظة ما.. ونسائم الهواء بتداعب وجهه على شاطيء الإسكندرية.. تمنى "محمد علي" أنه يستقر في مصر للأبد.. ويحكمها وتكون له ولأولاده من بعده.. وعلى الفور بدأ يحول أمنيته إلى حقيقة.. ويشرع في تنفيذها.

أول حاجة طلب من كتيبته أنها ما تتعرضش للمصريين بسوء على الإطلاق.. وترعى شؤونهم وترد مظالمهم اللي بيتعرضوا لها على يد العثمانيين.. فكان مثلا يلاقوا أب بيبحث عن ابن مفقود يساعدوه.. سيدة بتتشاجر مع بائع غشاش ينصفوها.. وراح تودد لرجال الدين والأزهر وصلى خلفهم.. لحد ما حبوه وقربوه واشتهر..وبقى وجه مقبول في الشارع لعموم المصريين.

دا فاريق جوهري ورئيسي بين "محمد علي باشا" و"علي بك الكبير".. الأخير اتسند على الروس وحاول يحصل على دعمهم ودعم فينيسيا.. وبعدين دعم والي عكا.. وفشل.. بينما "محمد علي" من اليوم الأول.. اتسند على الشعب فقط.

وكان المماليك منقسمين لفريقين زي ما قلنا.. فريق في صف العثمانيين بقيادة "إبراهيم بك" وفريق في جانب الأنجليز بقيادة "الألفي بك".. وكلا الفريقين طمعان في الحكم ومستني قوى خارجية تثبته.. فاستخدم "محمد علي" كتيبته الصغيرة.. وراح يوقع بين الفريقين أكثر وأكثر.. فيضعفهم بالتالي أكثر فأكثر.

في مارس 1804، تم تعيين وال عثماني جديد يدعى "أحمد خورشيد باشا".. ودا كان زي كل الولاة العثمانيين.. حرامي وفاسد.. بس كان ذكي لماح.. فأدرك على الفور.. أن "محمد علي باشا" وكتيبته الصغيرة بشعبيته الجارفة.. بتمثل تهديد مباشر له.. فقرر يبعته للصعيد يحارب المماليك هو وكتيبته.. وأهو يتخلص منهم.. وفي الوقت نفسه طلب من الدولة العثمانية، تبعت له جيش من الفرسان.. يساعده في السيطرة على الأمور.

أول ما الجيش دا بيوصل من أسطنبول بيبدأ يعيث في القاهرة فسادًا.. ويهاجم المدنيين والمسالمين وينهبهم وينتهك حرمات النساء.. واللي معاه سلاح ولو سلاح أبيض بسيط حمله وهاجم خيالة الجيش دا والخيالة دول هاجموه.. وبدأ الأمر يتشكل في صورة حرب شوارع مخيفة، وحد فيها كلمة الثائرين.. نقيب الأشراف السيد "عمر مكرم".. وراح للوالي العثماني وطلب منه سحب القوات الهمجية دي فورًا.. وإعادتها إلى تركيا.. وإلا قامت ثورة عارمة.. حتقتلعه هو نفسه.

بالفعل بيأمر "خورشيد باشا" القوات دي بالانسحاب.. لكن مابيسمعوش كلامه.. دا مكانوش بيسمعوا كلام السلطان نفسه في أسطنبول.. وكل ما يموت سلطان وييجي غيره هم والإنكشارية يعيثوا فسادًا في عاصمة الدولة العثمانية نفسها.

وهنا بيقود السيد "عمر مكرم" المئات حاملين الشوم والعصي.. وبيذهبوا إلي منزل "محمد علي باشا".. ويحاصروه.. فبيخرج لهم.. وبيقولوا له إن "خورشيد" رجل ظالم.. وأنهم عزلوه.. وقرروا تعيينه مكانه.

وكان دا هو اللي بيطمح إليه "محمد علي" بالضبط.. فوافق، وقدم له الشيخ "الشرقاوي" بردة وعباءة.. وبعتوا لـ"خورشيد" باشا أنهم عزلوه.. وعينوا "محمد علي" بداله خلاص.. طبعًا بيثور "خورشيد" ثورة عارمة.. وبيقول لهم غاضبًا: "إني مولي من طرف السلطان فلا أعزل بأمر الرعاع.. ولا أنزل من القلعة إلا بأمر من السلطنة".

وبيدخل طرفان جديدان إلى حلبة الصراع.. "خورشيد" وقواته ضد "محمد علي" وكتيبته المسلحة.. المدعومين من الشارع.

وكان ساعتها "سليم الثالث" في الآستانة - اللي هي أسطنبول نفسها - بيتخذ إجراء حيوي وهام.. أنه يتخلص من القوات الإنكشارية ومتاعبها.. فبدأ يتجاهلهم تمامًا ويحرمهم من التسليح والتدريب ويوقف ضم أي جنود جديدة لهم.. وفصل عنهم قوات المدفعية.. وفي الوقت نفسه.. بدأ يكون جيش جديد للدولة العثمانية، على النظام الأوروبي الحديث.. فثارت عليه قوات الإنكشارية.. فأمر والي القرمان "عبد الرحمن باشا" بالقدم بجيش القرمان إلى الىستانة وقمع تمرد الإنكشارية.. وبتحصل في الآستانة كذلك حرب شوارع مخيفة.. بتكاد تتطور إلى حرب أهلية.. لكن "سليم" بيحلها بأنه بيعين أغا الإنكشارية صدر أعظم.. فبيتهدوا ويسكتوا.. وبتتحل المشكلة دي مؤقتًا.

الثورة دي كانت ساعتها في تركيا.. فلما ثارت المشكلة دي في مصر.. اكتشف انها حتعطله كتير وأنه مش ناقص مشاكل.. فأصدر فرمان بعزل "خورشيد" وتولية "محمد علي".. في العام 1805.. عشان يبدأ الأخير في إعادة تكوين الشيء الوحيد اللي يقوي مصر ويدفع عنها خطر المماليك الترك.. ويحميها... الجيش.

وبعد عام واحد، في العام 1806.. بيبدأ "محمد علي" بجيشه الصغير الوليد.. يحارب المماليك في مصر.. وبيشتبك جيش "محمد علي" بقيادة "حسن باشا" مع قوات "الألفي" في الفيوم.. لكن "الألفي" بينتصر على جيش "حسن باشا" الصغير.. فبينسحب إلى بني سويف.. ومنها للمنيا.. وهناك.. كان قوات المماليك الأخرى.. بقيادة "إبراهيم بك" و"البرديسي" بتهاجم المنيا.. وكان فيها حامية تابعة لـ"محمد علي".. لكن وصول "حسن باشا" بجيشه الصغير سند الحامية.. وحال دول دخولهم المنيا.. ووقف زحفهم إلى القاهرة هناك.

وهنا بيقرر "سليم" يعزل "محمد علي".. ويبعته كحاكم لولاية "سالونيك"..لكن "محمد علي" بيلجأ لـ"عمر مكرم".. فبيرسل رسالة طويلة هو وشيوخ الأزهر للسلطان العثماني يطلبوا بقاء "محمد علي" في الحكم.. وإلا قامت ثورة بالتزامن مع خطر المماليك.. فبيوافق السلطان شريطة أن "محمد علي" يدفع له 4000 كيس نقد.. ويبعت ابنه "إبراهيم" كرهينة إلى الآستانة.. لحد ما يسدد المبلغ ده.

وكان "الألفي" بعد نصر الفيوم.. مازحفش على القاهرة.. راح دمنهور.. لكن أهلها دافعوا عنها في شراسة شديدة.. وبعت له "محمد علي" جيش آخر صغير من القاهرة.. وبعد مناوشات وحصار.. انسحب الألفي.. وتوفى أثناء انسحابه.. وتوفى كذلك "البرديسي" في الصعيد.. وبدأت قوات المماليك تتشتت شوية وقوتها تقل.

وفي الآن نفسه.. بتهرع إنجلترا إلى أحضان روسيا للمرة الأولى.. وتطلب منها التحالف والصداقة.. لدرء خطر عدوتها اللدود فرنسا.. اللي حطت عينيها على مصر.. باعتبارها بوابة التجارة من وإلى الهند.. وخاصة أنهم تعاونوا بالفعل ضد الأسطول الفرنسي.. لكن "سليم" كان حليف لفرنسا.. فتصدى لروسيا وحاول منعها من التحالف مع الإنجليز.. وأرسل رسالة تهديد إلى إنجلترا.. يطالبها بفك الحلف مع الروس.. وإلا حيرسل لها الأسطول العثماني يدكها.

وبتستجيب إنجلترا لرسالة "سليم".. وبتبعت له هي الأسطول الإنجليزي.. يجتاز مضيق الدردنيل.. ويحول كل السفن العثمانية فيه إلى أعواد كبيرت مشتعلة، طافية على صفحة الماء.. فبيهرع "سليم" إلى "نابوليون" في ذعر، يطلب النجدة.. فبيستجيب له "نابوليون".. ويبعتله قوات تحصن له الآستانة تحصين فرنسي حديث في بحر عدة أيام.. وبيرص له بطاريات المدفعية الفرنسية على ضفاف البوسفور.. وبيقدم لجنوده أزياء عسكرية جديدة وبنادق وبيترك له كتائب فرنسية للحماية وتدريب القوات العثمانية.. وهنا.. بيدرك قائد الاسطول الإنجليزي أنه مش حيعرف يعدي من التحصينات دي.. فبينسحب إلى أنجلترا.. إللي بتقرر تنتزع من الدولة العثمانية مصدر قوتها.. فبتوجه الأسطول إلى مصر.. في العام 1807.

بيقود "محمد علي" الجيش بنفسه وينطلق لقتال المماليك في أسيوط.. وبيهزمهم هناك بالفعل.. ويعسكر فيها.. وأثناء ذلك.. بتوصله أنباء وصول الأسطول الإنجليزي إلى شاطيء العجمي في في 17 مارس سنة 1807.. بقيادة الفريق أول "ألكسندر ماكنزي فريزر"...

بعد أربعة أيام من المقاومة السكندرية العنيفة.. بتدخل القوات الإنجليزية إلى الإسكندرية بدون مقاومة تقريبًا.. بعدما سلم محافظها العثماني الخائن "أمين أغا" لقوات الاحتلال أماكن تجمع رجال المقاومة وكل الأسلحة والعتاد اللي كانوا بيقاتلوا به.. وسلمهم المدينة وخريطتها فابقوه محافظ عليها.. وقرر "فريزر" أنه يحتل رشيد والرحمانية.. عشان يمنع وصول أي إمدادات للإسكندرية.

بالفعل أرسل "فريزر" رسالة إلى محافظ رشيد، "علي بك السلانكلي".. يطلب منه الاستسلام مقابل أنه يخليه في منصبه.. وبيوافق "علي بك" على تسليم المدينة.. وبالفعل بتدخلها القوات الإنجليزية وتلاقيها خاوية على عروشها.. في 31 مارس من العام نفسه.. لكن بمجرد ما بيتوغلوا في شوارعها.. بيكتشفوا أن "علي بك السلانكلي".. استدرجهم وخدعهم.. ودبر لهم كمين محكم.. لما بدأ يطلق عليهم الرصاص مع رجاله وأهل البلد من أسطح البيوت والنوافذ.. فانسحبوا بلا نظام.. فهاجمهم الناس بالفؤوس والشوم.. وانسحبت القوات الإنجليزية يومها إلى أبو قير في إسكندرية.. بعدما مات منها من مات واتأسر من اتأسر.. وأرسل "علي بك السلانكلي" الأسرى ورؤوس القتلى إلى القاهرة.. فقام بها احتفال كبير.. رفع من معنويات الناس.

لكن موقع "روزيتّا".. أو "رشيد" كان حيوي ومهم.. فبعت لها "فريزر" جيش آخر.. وحاصرها في 7 إبريل.. وطالب "السلانكلي" بالاستسلام.. فرفض.. فبدأ يقصفها بالمدفعية.. وبعت قوة احتلت "الحماد".. اللي ماقدرش "السلانكلي" يحميها لأنه كان متحاصر في رشيد.

وبتصمد رشيد في وجه الحصار وقذائف المدفعية الإنجليزية أسبوعين تقريبًا.. وفي 20 إبريل.. بيلوح في الأفق غبار خيول قوات الجيش المصري بقيادة "محمد علي" نفسه.. فبيضطر الانجليز للانسحاب.. وبيفك حصار الحماد.. وبعدين بيطارد القوات الإنجليزية إلى الإسكندرية ويحاصرها، لحد 15 سبتمبر.. لحد ما بيستسلم الإنجليز ويطلبوا وقف إطلاق النار.. وبيعقب دا صلح.. بيرحلوا بعده عن الإسكندرية.. في 25 سبتمبر سنة 1807.

غريبة الدنيا لما بتدور.. ففي الآستانة.. وزي ما حصل في مصر زمان أيام المماليك وصدرت فتوى من مشايخ أغبياء، عطلت تطوير سلاح المدفعية.. ظهر فجأة في الدولة العثمانية مفتي جديد بعد وفاة مفتيها.. وراح قال للسلطان "سليم الثالث" أن الأسلحة الفرنسية حرام.. وأزياء الجند الفرنسيين اللي بيستعملوها - وكانت متطورة بأماكن أفضل لحمل الأسلحة والطلقات - دا "تشبه بالنصارى".. والتحالف مع الفرنجة حرام.. و"نابليون" أصلًا حرام.. وإن الرسل كانوا بينتصروا بالسيوف والخيول وحسب.. لأنهم مؤيدين من الله.

دعوى المفتي دي وجدت صدى كالعادة دايمًا في كل فتوى شاذة، عند الجهلاء والأنطاع.. وانتشرت.. وتوغلت بين الناس.. وبدأت تشكل رأي عام ضد السلطان "سليم الثالث".. وأثناء ما كان جيشه بيحارب روسيا بدعم فرنسي.. أصدر مفتي الدولة العثمانية الجديد فتوى علنية.. بأن أي خليفة يدخل أنظمة الغرب وطرقهم العسكرية في الدولة، ويجبر رعاياه على اتباعها، هو متشبه بالنصارى كافر.. وغير صالح للولاية، فانقضت الجموع على "سليم".. وهزمت حرسه.. وأسروه.. وعزلوه عن الحكم.. ووضعوا مكانه أخوه "مصطفى الرابع".

في الآن نفسه قامت روسيا بعمل هدنة مع الجيش العثماني بقيادة "مصطفى باشا البيرقدار".. وأول ما وقع الهدنة.. أنسحب بقوة تقدر بعشرين الف جندي.. وتوجه للآستانة وطاح في الثوار أتباع المفتي اللي عزلوا "سليم".. وبعدين بدأ يتحرك عشان يعزل "مصطفى" نفسه.. ويرجع "سليم" للحكم.. وكان بيدعم "البيراقدار" كل كبار رجال الدولة العثمانية.. لكن "مصطفى" فوت عليه الفرصة.. وقتل أخوه "سليم" وعلق جثته على باب القصر.. قبل وصول "البيرقدار".. متصورًا أن دا يحسم الأمر.. وبعدين قرر يقتل أخوه الآخر "محمود".

لو "محمود" دا اتقتل.. كانت انتهت سلالة آل عثمان وانقرضت للأبد.. لأنه كان آخر ذكر حي فاضل من الاسرة اللطيفة دي اللي بتقتل بعضها البعض من أول ما ظهرت.. لكن "محمود" بيهرب من رجال "مصطفى".. وبيوصل "البيراقدار" في لحظة فاصلة.. ويقتحم القصر.. ويقتل "مصطفي".. ويحط بداله على العرش أخوه "محمود الثاني".. في العام 1808.

وفي الآن نفسه بيحصل في القاهرة تطور جديد.. بيعطل "محمد علي" هو الآخر عن بناء وتطوير الجيش اللي بيحلم به.. وبيعطل خططه في البناء والتنمية.. لكن الأحداث دي قصتها تطول.. فنكمل كلامنا عنها لاحقًا...

ويبقى للحديث بقية.

--------

- المنشورات السابقة أول تعليق.

- الصورة للسلطان العثماني الخليفة أمير المدمنين "سليم الثالث".

--------

#الخلافة_العثمانية 33