الدولة العثمانية في عهد "محمد الثالث" مرت بفترة من أسوأ فترات الضعف.. حتى أسوأ من عصر "سليمان القانوني" نفسه والسلطان السكير "مراد الثالث".

وكان عهد "محمد" صراع بين وزيرين كبار.. الصدر الأعظم "سنان باشا" و السردار "فرهاد باشا Serdar Ferhad Pasha".. وكل واحد بيحاول يستأثر بالسلطة.. وكانت أمه "السلطانة صفية" هي وجوز بنتها "الداماد إبراهيم باشا Damat Ibrahim Pasha" في صف "سنان باشا".

بناء عليه منعت "صفية" ابنها من السيطرة.. وأحاطته بالجواري.. وبعدين قرروا يتخلصوا من "السردار فرهاد باشا" بطريقة مبتكرة.. فبعتوه إلى كابوس الدولة العثمانية عشان يخضعها للسيطرة.. إلى والاكيا.

وكانت "كاثرين سلفاريسو Catherine Salvaresso" أميرة والاكيا ماتت خلاص.. لكن والاكيا رغم ذلك.. هزمت القوات العثمانية.. ورجعتها خائبة. فانتهزت "صفية" فرصة الهزيمة المروعة.. وأعلنت أن "فرهاد" فاشل ضعيف.. وعزلته.. رغم إن "سنان باشا" إللي هي بتدعمه.. كان فشل في والاكيا قبله.

الدولة العثمانية في الأناضول وقتها كان كلها مشاكل.. "سنان باشا" بدأ مع صفية كمان يعملوا اختراع جديد.. مبيختاروش أهل المناصب حسب الكفاءة.. لا.. بدأوا يبيعوا المناصب.. أنت عايز تبقى قائد عسس.. تعالى وأدفع.. بس بشرط حتدفعلي سنويا مبلغ كذا.. وبالتالي قائد العسس عشان يدبر "المعلوم" سنويا.. بيبلطج على الناس ويسرقهم ويستولي على أموالهم عنوة.. فدا أدى لتذمر الناس وحصلت عدة مظاهرات وأحداث شغب.

"محمد الثالث" فكر.. أن الناس محتاجة حرب يتجمعوا حولها زي زمان ويحسوا بالحماس.. فاتخذ قرار من أغبى قرارته على الإطلاق.. إنه ينطلق بنفسه على رأس جيش.. ويهاجم النمسا مرة أخرى في العام 1593. وبيهجم بغتة.. وبينجح فعلا يهزم حامياتها.. ويحتل أحدى قلاعها.

طبعًا النمسا كانت قوية جدا.. فنفضت عن نفسها الهزيمة المباغتة دي.. واسترد قلعتها.. وزحفت على أراضي الدولة العثمانية نفسها.. وخدت حصون إستركون وفيشجراد، بعدما ذبحت الحامية العثمانية هناك، حتى آخر جندي.

"محمد" قرر يرد عليهم فبعت للحصون دي جيش هائل.. لكن الجيش اللي راح مرجعش.. فعمل جيش جديد.. وراح يشتبك مع الجيش النمساوي مرة أخرى.. بعدها بست شهور.

وكان في هذه الفترة في جنود عثمانيين في الأناضول اسمهم "الفراريين".. ودول جنود من الجيش العثماني فروا من ميدان القتال وجبنوا عن القتال لما تبدى لهم العدو.. فكانوا مسممينهم "الفراريين".. الفراريين دول عملوا ثورة فجأة.. منتهزين فرصة انشغال "محمد الثالث" في حرب النمسا.. وفوجيء "محمد الثالث" بزعيمهم "عبد الحليم قرة يازجي".. بيحتل أورفا.. ويعلن نفسه سلطان على الدولة العثمانية.. وبيبقى له مؤيدين وأتباع!

وهنا.. ابن "محمد الثالث".. "محمود".. بيقول له يسمح له يروح يقاتل الفراريين.. لكن دا بيدفع في قلب "محمد" الريبة.. وبيشك أن ابنه عايز ينتصر عشان يحوز شعبية ويطالب بالعرش.. فبيقتل ابنه.. وبيقرر ينسحب.. ويروح يقاتل الفراريين بنفسه.

وكان الجماعة دول تحصنوا بمدينة أورفا.. ومبقاش الجيش العثماني عارف يدخلها.. فعمل مع قائدهم اتفاق.. أنه ينصاع للدولة العثمانية.. مقابل انه يخليه حاكم على أماسيا. وبالفعل بيتم الاتفاق.

بتستتب الأمور.. وبيرجع "محمد" يواجه النمسا.. وبيعرض عليهم الإستسلام ودفع الجزية.

لكن النمسا بترد عليه رد لطيف دبلوماسي للغاية.

بتساوي بجيشه الأرض مرة ثالثة في العام 1594.

وأثناء هزيمة "محمد" في النمسا.. بيثور الفرارين مرة أخرى!

زعيم الفراريين "عبد الحليم" كان مصمم على حكم بورصة مع أماسيا.. لكن المرة دي الجيش العثماني بيتمكن من القبض عليه وقتله.. فبيلتف الفراريين حول أخوه.. ودا مكانش من الفراريين أصلًا.. كان الجيش العثماني تخلص منه عشان مخبول تمامًا.. وفي المعارك لما بيمسك السلاح بيقتل اللي يقابله في طريقه.. حتى لو من جيشه هو نفسه..!! يعني هو بيقتل وخلاص.

بيروحوا للراجل دا.. وكان اسمه "حسن المجنون" أو "دلي حسن Deli Hasan".. وبيطلبوا منه يقودهم.. وبيقودهم بالفعل.. والمرة دي.. "حسن المجنون" بيهزم الجيش العثماني 4 مرات.. وبيعسكر أمام أسوار أسطنبول.

وبيهرع "محمد الثالث" يجيب الأخ "حسن المجنون" ويتفاوض معاه.. وبيمنحه "البوسنة" يبقى حاكم عليها طول حياته.. وبيوافق "حسن المجنون".. وبيروح البوسنة.

وفي العام 1596.. "صفية" بتشير على "محمد" إنه يبعت "حسن المجنون" وقواته يواجهوا النمسا.. طالما اتشجعوا وبقوا حلوين ومابيهربوش من القتالي وأقوياء كده.. فبيوافق "حسن" مقابل 500 ألف قطعة نقدية.. وبيروح النمسا يحارب القوات النمساوية.. ومابيرجعش ولا هو ولا جيشه.. بعد هزمية فادحة.. سحقتهم تمامًا.. وبيتقبض على "حسن المجنون" ويتسجن في النمسا.. ومنها بيرحلوه على بلجراد.. وبيفضل سجين لحد ما بيعدموه في العام 1605.

متخيل إننا بنتكلم عن دولة فيها قائد عسكري اسمه "حسن المجنون"؟

وبلا سابق إنذار.. بيضرب الطاعون العاصمة أسطنبول، في العام 1597، بسبب انتشار كراخانات الدعارة، وانتقال العدوى من ممارسي البغاء مع المحترفات، وبتتكدس الجثث في الشوارع.. وبيعم الوباء.. فبيأمر السلطان بحرق الجثث عشان ماتنتشرش العدوى.. لكن عملية الحرق مع الأعداد الكبيرة، بيخلي الرياح تدفع النيران.. فبيشب في اسطنبول حريق هائل مروع، في العام 1598.

لسه "محمد" مفاقش من الصدمات دي.. قام سلاح الفرسان في الأناضول عامل ثورة.. ودي سماها التاريخ "ثورة الخيالة".. وكان مطالبها "اشمعنى أديت الفراريين فلوس وأراضي.. فين حقنا إحنا كمان؟".

وانطلق خيالة الجيش العثماني في الأناضول.. ينهبوا البيوت والمحلات وحتى المساجد.. فدفع لهم "سنان باشا" بقوات الإنكشارية.. ودخلوا مع بعض في حرب مروعة.. انتصر فيها الإنكشارية في النهاية.. ومع كل القلاقل دي.. وضعف الدولة العثمانية.. بتشتعل المقاومة في مصر.. اللي كان المماليك فيها انهزموا واندثروا.. وجه منهم جيل جديد.. 90% منه خاضع وتابع للدولة العثمانية.. وبيمقت كل ما هو مصري.. عدا قلة قليلة منهم.. توارثوا حب الأرض اللي اتربى فيها أجدادهم.. وكرهوا الدولة العثمانية جيل بعد جيل.

وفي عز المقاومة المصرية.. بيزحف الصفويين على الأناضول.. ويقلصوا رقعة الدولة العثمانية.. ويزودوا رقعة أرضهم.

وفي العام 1603.. بتقرر "صفية" إن "محمد" مبقاش ينفع.. رقعة الدولة تقلصت.. والناس غاضبة وعايزين وجه جديد.. فبتدس لابنها السم.. وبتصعّد مكانه على العرش ابنه "السلطان أحمد".. ودا كان عيل عنده 13 سنة.

والسلطان "أحمد" كان طفل تابع خاضع لـ"صفية".. ودا معجبش زوجته اللي كانت طامعة في النفوذ والسلطة دي.. وزوجته دي كانت عيله برضه قده.. وكان اسمها.. اسمها حاجة مينفعش تبقى اسم شخص.

يعني كانت متسمية اسم مش كويس كده.

فاحنا في الحلقات دي عشان مش عايزين سف وألش.. حنشير لها باسم السلطانة "ماه بيكر".. ودا اسم تدليل هو كان بيناديها بيه.. وبيعني "وجه القمر".

وقصة "السلطان أحمد" ومراته.. وصفية.. حكاية تطول.. فنكمل كلامنا عنهم لاحقًا.

ويبقى للحديث.. بقية.

--------

- المنشورات السابقة أول تعليق.

- الصورة للسلطان أحمد الأول.

-------

#الخلافة_العثمانية 27