لسه مع كوميديا الدولة العثمانية.. وأم مراد الثالث "نوربانو سلطان".. اللي دخلت في صراع دامي مع زوجته "صفية".. عشان تتحكم فيهم واحدة في الدولة العثمانية.
ولكن كان في قوة أخرى على الساحة، وهي الصدر الأعظم "محمد باشا الصقلي" اللي كان بيتحكم في قوات الإنكشارية.. وبتدين له بالولاء.. وكان بيصدر قرارات وكأنه الحاكم الفعلي للدولة العثمانية.. خاصة إن السلطان "مراد" بقى مقيم في الحرملك وسط الجواري والخمور والرقص والغيبوبة.
"محمد باشا الصقلي" أدرك من الأول بحكم خبرته، طبيعة الصراع.. وأدرك أنه حيحتاج فيه لأموال أكثر.. عشان يعلي على "نوربانو" لو قامت برشوة أغا الإنكشارية.. وزي ما عرفنا كان "سليم" قنن الدعارة.. وخلاها بضريبة ورخصة.. فجاء "محمد باشا الصقلي" وعمل حاجة اسمها الـ"كرخانة".
الكلمة دي ممكن تسمعها في مصر في قاموس السباب المهين.. بس ماتعرفش جت منين.. هي جت من "الكراخانات".. بيوت الدعارة المتنقلة.. الأشبة بالكرافان.. وبتنتقل من حي لحي.. لإرضاء الزبائن.. وبتدفع ضريبة خاصة.. تفوق ضريبة الدعارة العادية.
في العهد دا جاء مفتي الدولة العثمانية.. الشيخ "أبو السعود أفندي".. وقبض المعلوم.. وأباح ممارسة الزنا بأجر.. طالما دا أمر "ولي الأمر".. وطالما بيحصل عنه رسوم كما يشاء.
وبدأت الدولة العثمانية ترعى "الكراخانات" وتسمح بوجودها.. وعائدها يصب في جيب "محمد باشا الصقلي".. اللي أغدق بدوره على الإنكشارية.. فازداد ولائهم له أكثر وأكثر.
بتحاول "نوربانو" تنفرد بـ"محمد باشا الصقلي" وتتخلص منه.. لكنه كان حريص جدا.. فبتفشل في محاولتها.
وكانت "نوربانو" جميلة بمقاييس عصرها.. وشبه "هند صبري" لما لبسها عفريت في فيلم "الفيل الأزرق" بمقاييس عصرنا.. بس يعني.. كانوا بيعتبروها ملكة جمال وقتها - هي اللي في الصورة دي - لدرجة أن أحد عشاقها.. وكان رجل أسير من إيطاليا، بيطلب أنهم يقوموا بإخصائه.. عشان يقدر يفضل قريب منها في الحرملك.. وبالفعل بيعملوا له الجراحة الرهيبة.. اللي كانت بتتم بسكين محمي فوق اللهب.. وبيفضل تحت قدميها بعد ذلك.. فبتكافئه بأنها بتعينه كبير الخصيان وبتسميه "غضنفر أغا".
مش عارف "غضنفر" فين بعد اللي حصل دا.. بس هي سمته كده.. وكان من جواسيسها وعبيدها ومن أكثر المقريبن منها في القصر.
جمال "نوربانو" بيدفعها تفكر بطريقة مختلفة نحو "محمد باشا الصقلي".. فبتقرر تحاول إغرائه.. لكن الحقيقة هو كان راجل ما بيهتمش بالنساء أصلًا.. كل طموحه السلطة ومركز جدًا في الأتجاه.. فبيتجاهلها تمامًا.. ودا بيطعنها في أنوثتها طعنة دامية.
وبيبدأ "محمد باشا الصقلي" يتواصل مع الدول باعتباره الحاكم فعليًا.. لدرجة إنه استقبل سفير البندقية وراسل ولي عهد النمسا.. ودي كانت صلاحيات حصرية للسلطان.
ولكن "نوربانو" بتقرر تتخلص منه بأي ثمن.. وبتندهش لأن "صفية" انزوت في هدوء وابتعدت.. وخضعت لها ولو ظاهريًا.. لكن مابتهتمش كتير لأمر "صفية" دلوقتي.. وبتحط خطتها للتخلص من الصدر الأعظم.. "محمد باشا الصقلي".
وفي أكتوبر من العام 1579، بيدخل أحد الدراويش حاملًا كيس ثمين إلى ديوان السلطنة، حيث كان "محمد باشا" جالسًا في صدر الديوان.. وبيطلب مقابلته لمنحه هدية خاصة..
وكان الدرويش دا مستأجر من قبل "نوربانو".. ومكانش الصدر الأعظم يعرف.. فبيوافق "الصقلي" على مقابلته.. وما أن مثل الدرويش بين يديه.. حتى فض الكيس.. وسكب محتوياته من الزلط والأحجار على الأرض.. وانتزع من بينها خنجرًا ماضيًا.. انقض به بغتة على "محمد باشا".. قبل أن يستوعب أحد من رجاله الموقف.. وطعنه طعنة قاتلة.. مات بعدها بساعتين.. وبعدها.. نكش الدرويش شعره وادعى الجنون والذهول.. فاعتبروه مجنون.. ,القوه في السجن لحد ما يفصلوا في أمره.. فأطلقت "نوربانو" سراحه بعد يومين.
بعد مقتله.. "نوربانو" حطت مكانه كذا صدر أعظم ورا بعض.. كان كل واحد بيتعزل أو يتقتل بسبب ثورة الإنكشارية.. لحد ما جه "سنان باشا".. وطبعًا معظم الإنكشارية ثاروا عليه كذلك.. فقرر يتخلص من الثائرين.. فبعتهم لحرب النمسا.. وكانت النمسا في العهد دا قوية جدًا.. فطبعا راحوا مرجعوش.
ولكن مع التصرف الغبي دا.. حصل شيء غير متوقع.
"والاكيا".. اللي كان فيها "فلاد".. فاكرينه؟ مع حرب النمسا.. رجعت ثارت فجأة على الحامية العثمانية فيها.. ورفعت أعلام عليها اسم "فلاد الثالث" بعد وفاته بأكثر من نصف قرن.. وذبحت العثمانيين اللي على أرضها.. وخوزقت بعضهم.. وتحدت الدولة العثمانية من جديد.. وانضمت إلى جانب النمسا معلنة الحرب على الدولة العثمانية.
وهنا بيضطر "سنان باشا" يحشد الجيش.. ويتحرك بنفسه لمقاتلة أمير والاكيا الجديد.. في يوليو من العام 1581.
وكان أمير "والاكيا" الجديد في الحقيقة.. سيدة.
الأميرة "كاثرين سلفاريسو Catherine Salvaresso".. حفيدة "فلاد الوالاكي" نفسه.
و"كاثرين" دي أول واحدة من سلالة "فلاد" بترجع للأرثوذكسية.. وتتبع كنيسة الإسكندرية مرة أخرى.. بعدما كان "فلاد" تحول للكاثوليكية.. عشان ينال دعم البابا في حربه ضد العثمانيين.
وكانت "كاثرين" أميرة غير مرفهة.. كانت بترتدي درع وخوذة وتمسك سيف وتركب فرس.. وتقود الجيش.. وتحمل ذكريات من أسلافها.. عن جدها العظيم.. اللي أفردنا له حلقة كاملة في السلسلة دي.
وبعد سلسلة من الأفخاخ الأرضية السوداء.. على نهج جدها.. بيخسر فيها "سنان باشا" أكتر من 12 ألف جندي بدون قتال.. من حفر مكسوة بالأعشاب.. في قيعانها حراب مشرعة.. إلى ممرات جبلية بتنهار فيها الصخور.. بيزحف "سنان باشا" إلى "والاكيا".. وهناك بتقابله قوات الفرسان الوالاكية.. على رأسها "كاثرين سلفاريسو"...
لكن "سنان باشا" بينتصر.. وبيكاد يأسر "كاثرين" نفسها لولا أنها بتنسحب.. في مناورة انتحارية.. وبتتوغل في العمق.
وبيتقدم "سنان باشا" خلف "كاثرين".. وبتقابله مرة ثانية.. وبيهزمها.. وبتنسحب.. وبيتوغل في والاكيا أكتر. لحد ما بيوصل إلى العاصمة.
وعلى حدود العاصمة.. بتنهزم "كاثرين" وتنسحب للمرة الأخيرة.. وبيدخل "سنان" باشا العاصمة... وبتأمر "كاثرين" كل النساء أنهن يلوثن أنفسهم بأبوال الأبقار وروثها.. عشان مايعتديش عليهن الجنود العثمانيين وينفروا منهن.. وبالفعل السيدات بتسكب بول الابقار والخيول على شعرها وأجسادها وبيتمرغن في الطين.. ويلوثوا وشوشهن بالروث والفضلات.. العادة دي حتفضل في رومانيا تتوارثها النساء جيل بعد جيل.. بعدما ابتدعتها "كاثرين".. وحيعملها ستات رومانيا مرة تانية في الحرب العالمية.. لما كانوا بيحسوا أن النازيين قربوا يدخلوا بلداتهن.
لكن في العاصمة.. الموضوع ماتقتصرش على كده.. "كاثرين" بتقود ضد "سنان باشا" حرب شوارع مروعة.. أشبه بحرب الشوارع اللي عملها في مصر الشهيد الأشرف "طومان باي"، اللي أفردناله عدة حلقات هنا كذلك، ضد السفاح "سليم الأول".. وبدأت "كاثرين" تغير على معسكرات العثمانيين وتحرقها.
وكانت "كاثرين" لما بتأسر عثمانيين.. بتتبع معاهم نفس الأسلوب اللي اتبعه جدها.. بتخوزقهم.
وبدأت معنويات العثمانيين تنهار إلي ما تحت الصفر.. واستمرت المعركة في قلب العاصمة لأكثر من عام.. بين كر وفر.. وحل الشتاء في نوفمبر.. من العام 1582.. وحل معه الثلج والصقيع.. وأنهك الجنود العثمانيين بشدة.. وسممت لهم "كاثرين" صهاريج المياه اللي بيشربوا منها.. وقذفتهم من فوق البيوت بالسهام.. وألقت عليهم قدور الرصاص المنصهر.. واشترك الكل في إحالة حياة العثمانيين الغزاة إلى جحيم.. لدرجة أن "كاثرين" جندت في الجيش.. كل طفل بلغ سنواته العشر.
وفي النهاية.. أعلن "سنان باشا" هزيمته.. وانسحب الجيش العثماني من "والاكيا" في ديسمبر.. من العام نفسه.
وفي أسطنبول كان الصراع على أشده بين "نوربانو" و"صفية".. وبتحسمه "صفية" في 7 ديسمبر، من العام 1583.. بعد بضع سنوات فحسب من اغتيال "نوربانو" للصدر الأعظم "الصقلي".. فبتدس "صفية" السم لحماتها "نوربانو" .. وتتخلص منها.. وتبقى هي السلطانة رسميًا.. وبتحمل لقب "صفية سلطان".
وبتصبح "صفية" هي الحاكم الفعلي للدولة العثمانية.
تخيل واحد زوجته بتقتل أمه وهو قاعد سكران في الحرملك بيتفرج؟ دا كان "مراد الثالث".. اللي بيتوفي بفشل كبدي، من فرط إدمان الكحول.. في 16 يناير من العام 1595.
وكانت "صفية" مجهزة ابنها "محمد الثالث"، فأجلسته على العرش.. بمجرد ما أبوه أسلم الروح.. وقبل حتى أن يتم دفنه.. وبعد نصف ساعة فقط من جلوسه على العرش.. أمر "محمد الثالث" بإحضار جثة أبيه.. وحفر 20 قبر.
واصاب طلب السلطان الجديد معاونيه بالحيرة.. لكنهم نفذوه.. فامرهم بقتل أخوته الذكور الـ19 كلهم.. وتم بالفعل تنفيذ الأمر فورًا.. وخرج من القصر 20 تابوت.. إلى 20 قبر.. أحدهم لـ"مراد" والآخر لبقية ابنائه.
"صفية" حاولت في استماتة تمنع "محمد" عن الجريمة دي.. لكنه أصر.. وبعدين اكتشف إن في 7 جواري في الحرملك.. حوامل من أبوه.. فأمر بوضعهن في أجولة.. كل واحدة في شوال يعني.. وضعوا في قلبه حجر ثقيل.. وربطوا الأجولة دي.. والقوا الجوارى الحوامل دول في قاع البسفور.
طريقة الاغتيال دي حتسجل تاريخيا باسم "محمد الثالث".. وحيبدأوا يتفننوا فيها.. فكانوا أحيانا بيحطوا كلب او قرد حي مع الجارية في الشوال.. وأحيانا مجموعة من القطط.. عشان يتخيلوا منظر الجارية جوا الشوال في المياه.. والحيوان بيخمشها ويمزقها وهو بيكافح للنجاة.
لكن حزن "صفية" مش بيدوم كتير.. بتلاحظ بس أن قانون قتل الإخوة.. اللي حطه "محمد الفاتح".. حيؤدي لانقراض سلالة آل عثمان.. دلوقتي لو "محمد الثالث" مات.. هي مش حتبقى سلطانة وحتكون في خطر جديد.
وهنا بيتفتق ذهن "صفية" عن فكرة جديدة مبهرة.
فكرة "اقفاص صفية".
والأقفاص دي فكرة بمقتضاها.. بدل ما تقتل اخواتك وأولادك.. حيتحطوا في غرفة مغلقة في القصر.. فيها فراش وثير وأربع جدران وبس.. حتى الشباك مغلق بستائر حديدية.. ويفضلوا فيها.. ووقت ما تحب تعين منهم حد.. تطلعه.. تقتل منهم حد.. تبعت له الجلاد يقتله.
وبيبقى الأمراء من مرتادي "اقفاص صفية".. ودا بيخرج لنا بعد جيل السفاحين والمدمنين اللي جت بيهم سلالة آل عثمان.. جيل جديد.
جيل سفاحين برضه.. بس مختلين.. لأن بقاء الشخص في غرفة مغلقة لسنوات.. بيحطوا له الأكل من تحت عقب الباب.. مابيشوفش مخلوق ولا بيكلم حد.. وكل خطوات تقرب من بابه يتصور أن حياته انتهت وصدر حكم باعدامه.. أدت إلى خلل عقلي.. حيصيب القادمين من السلالة دي.. من حكام الدولة العثمانية.
وقصة "محمد الثالث" ومن جاء بعده.. تطول.. فنكمل كلامنا عنهم لاحقًا.
ويبقى للحديث.. بقية.
-------------
- المنشورات السابقة أول تعليق.
- الصورة عبارة عن لوحة لـ"نوربانو سلطان"
-------------
#الخلافة_العثمانية 26