السلطان العثماني "سليم" فضل يلف في القاهرة 3 أيام متتالية.. يتعرف دروبها وطرقاتها ومعمارها وآثارها.. بينما رجاله بيعيثوا فيها فسادًا، ينهبوا البيوت ويسرقوا أموال الناس والتجار.. واللي بيتصدى لهم كان بيتقتل من فوره.. "سليم" كان قرر يكسر القاهرة من قبل حملته.. "بن إياس الحنفي" ذكر في كتابه عبارة "سليم" الصريحة:
"إذا دخلت إلى مصر أحرق بيوتها قاطبة وألعب في أهلها بالسيف".
وإلى حد كبير نفذ وعده.. فأمر قواته الإنكشارية وفرق الجيش العثماني تنبسط وتغتنم ما تشاء.. وكانوا بيقتلوا في اليوم ما يقرب من ألف شخص.. دون تحاشي لعجوز أو امرأة.. وذبحوا أي رجل من اللي دافعوا عن بيوتهم وشرفهم.. واغتصبوا نساء كثيرة.. وفي وقائع كثيرة مسجلة تاريخيًا.. لاغتصاب نساء استترت بالمساجد ورحن يحتمين ببيوت الله.. فدخل خلفهن الإنكشارية وهتكوا أعراضهن بداخلها.. بلا رحمة أو شفقة...
وبعدين أمر "سليم" رجاله بجمع كل البضائع من أقمشة وتحف ومشغولات فضية وذهبية ونحاس وغيره، وشحنها إلى قصره في أسطنبول.. "بن إياس" بيحكي عن الواقعة دي:
"فانفتحت للعثمانية كنوز الأرض بمصر من نهب قماش وسلاح وخيول وبغال وجوار وعبيد وغير ذلك من كل شيء جليل، وظفروا بأشياء لم يظفروا بها قط في بلادهم، ولم يروها قبل ذلك ولا أستاذهم الكبير".
وفي اليوم الثالث 26 يناير سنة 1517، كان السلطان "سليم" وسط حرسه وموكبه من الإنكشارية، في منطقة "بولاق".. وأعجبته أشجارها وجوها.. فأمر بنصب الخيمة السلطانية الفخمة.. وحولها معسكر عشان يستريح ويستمتع بالهواء العليل.
لكن "سليم" مابيستمتعش بالهواء العليل ولا لحظة.. لأنه بغتة.. وبلا سابق إنذار.. بينقض "طومان باي" على المعسكر.
مسلح بسيف وخنجر وحصان.. وحوله فرقة صغيرة من المماليك.. كأنه شبح عاد للحياة.. بينقض "طومان باي" في هجمة مباغتة على معسكر "سليم".. وبيعمل سيفه في قوات الإنكشارية اللي اتفاجئت بالهجمة المباغتة.. اللي مش عارفين عددها ولا عدتها.. فبدأ يتراجع أكثر من ألف جندي عثماني.. أمام بضعة جنود.. على رأسهم "الأشرف طومان باي".
ولكن الإنكشارية استعادوا رباطة جأشهم.. وكادوا يشرعوا في الهجوم.. لولا أن أهالي بولاق فجأة.. انتفضوا لرؤية "طومان باي" من جديد.. ودب الحماس في عروقهم.. فانقضوا على المعسكر بالشوم والطوب والأسلحة البيضاء.. وبدأوا يذبحوا العثمانيين بلا تردد.
وبينتشر الخبر في القاهرة بسرعة مذهلة.. "الأشرف طومان باي" حي.. وبيقاوم الغزاة.. فانتفض أهل القاهرة جميعًا.. وانطلقوا ضد الجيش العثماني في حرب شوارع رهيبة.. قتلوا فيها أكثر من 20 ألف جندي.. الكل بيقاتل دفاعًا عن حريته وحياته.. حتى النساء شاركت في القتال.
وفي معسكر "سليم".. كاد "طومان باي" أنه يذبح السلطان العثماني بالفعل.. وقيل أن نصل سيفه مرق على بعد قبضة من عنق "سليم".. بسبب إصابته في اللحظة نفسها برصاصة من رصاص الإنكشارية في كتفه.. وانطلق "سليم" على ذلك على صهوة جواده يفرّ وحوله قوات الإنكشارية.. وقد نجا من الموت بأعجوبة.. وفي النهاية.. أحرق أهل بولاق المعسكر بالكامل بعدما قضوا على كل من فيه.
رغم جراحه وإصاباته.. راح الأشرف "طومان باي" ينقض على الجنود العثمانيين في الشوارع.. بيدعمه الناس وآخر ثلة من المماليك.. وقفوا يقاتلوا إلى جواره.. والإنكشارية بتحتمي بجدران البيوت وتطلق الرصاص.. عشان تفاجأ بالأهالي بتنقض عليها من الخلف.. ويهشموا رؤوسهم بالأحجار.. أو يذبحوهم بالسلاح الأبيض.
والمرة دي.. "سليم" هو اللي اختفى.
استخبى في القلعة سرًا وأمر بعدم الإفصاح عن مكمنه.. وترك قواته تلتحم مع الناس وقائدهم الأشرف "طومان باي".
وطار النوم من أعين العثمانيين.. وانتهت الليلة الأولى بتأهب وتحفز وخسائر فادحة.. وكانت أعصابهم ملتهبة متوترة.. في أحد معسكراتهم بجبل المقطم.. وكان المعسكر دا له أولوية عند "طومان باي" لأنه حصن مرتفع.. يجب التخلص منه.
وتحت جنح الظلام.. بينقض "طومان باي" على الإنكشارية مع رجاله.. متشحين بالسواد.. مستترين بعباءة الليل.. وبيبدأوا ذبحهم في صمت لحد ما بيسيطر على المعسكر بالكامل.. وبيستولى منه على سلاح جديد.. البارود.
وفي الليلة الثانية.. بينقض "طومان باي" ورجاله بقذائف فخارية مشتعلة ممتلئة بالبارود العثماني.. على معسكرات العثمانيين في القاهرة والجيزة.. وبيقتل منهم 12 ألف جندي.
وبعدين بيوصل للعثمانيين أن "طومان باي" معسكر عند أحد الجسور على النيل في "الجزيرة الوسطى".. دلوقتي في حي الزمالك.. فبتنطلق له القوات العثمانية بعشرة آلاف جندي.. لقتاله والسيطرة على الأوضاع.. لكنه كان حفر مع الأهالي خندق.. أخفاه بالأغصان وأوراق الشجر.. وملأه بالبارود.. فلما وصل العثمانيين إليه قبيل الجزيرة.. أشعل الخندق.. وحاصرهم.. وأباد الجيش دا عن بكرة أبيه حتى آخر جندي.
وأستعاد أهل القاهرة الثقة.. وبدا لهم أن النصر على الغزاة العثمانيين آت لا محالة.. وبدأت الأكمنة تتعمل للعثمانيين في الشوارع والأزقة.. وانحدرت معنويات العثمانيين إلى الصفر.. لأنهم مقابلوش مقاومة مباشرة زي دي في أي بلد دخلوها من قبل.. وكانت حرب الشوارع جديدة عليهم.. ومابيفهموش فيها.
واستمرت ملحمة "طومان باي" للمقاومة في حرب الشوارع دي يومين آخرين.. الحقيقة قصص وملاحم مقاومة "طومان باي" وبطولاته لو حنتكلم عنها باستفاضة.. حنحتاج روايات وروايات وكتب ضخمة.. عشان نوفيها حقها.. ففي اليوم الرابع.. بيوصل لـ"سليم" الخبر الأسود.. "طومان باي" استرد مدافعه العتيقة من حصن الريدانية.. وجاي بيها إلى القلعة وحيدكها فوق رأسه ورأس جيشه إذا لزم الأمر.. مقابل أن القاهرة تتحرر.
وللمرة الأولى في حياته.. بينسحب "سليم" من بلد بعدما دخلها.. وفي صباح اليوم التالي.. يوم الجمعة من بعد الغزو في يناير من العام نفسه، سنة 1517 ميلادية.. بيدعو الشيوخ على المنابر في حماس لسلطان مصر "الأشرف طومان باي".. وبينسحب "سليم" مع نصف جيشه.. ويعسكر في "الوردان" في الجيزة.. تاركًا النصف الآخر في حرب شوارع مستمرة مع المصريين و"طومان باي".
ومالت كفة الحرب دي للمصريين.. واسترد "طومان باي" القاهرة.
استردها بالفعل وسيطر على معظمها.. وتحصن الرجال بالمنازل والمساجد.. حاملين السيوف والقسي والسهام.. اللي استولوا عليها من جثث العثمانيين.
وللمرة الأولى من بعد الريدانية.. تضيء البيوت وتنطلق زغاريد النساء..ويشعر أهل مصر بالحماس والأمل.
وكان "سليم" بيكره "طومان باي" بجنون.. لكن معجب به بشدة في الوقت ذاته.. بيمقته ويتمنى موته.. وفي نفس الوقت بيحترمه ويتمنى يشد على يده.. لأن زي ما قلنا.. "سليم" كان محاط بالخونة اللي باعوا وطنهم لأجل المال وكان بيقدر المقاتل الشجاع الشريف ويحترمه.. حتى لو كان عدو.
وباقي قصة البطل الأشرف "طومان باي" مع "سليم" السفاح تطول.. فنكمل كلام عنها لاحقًا.
ويبقى للحديث.. بقية.
-------
- المنشورات السابقة أول تعليق.
- الصورة لوحة للسلطان الأشرف "طومان باي"
-------
#الخلافة_العثمانية 22