خطة "طومان باي" ضد "سليم الأول" كانت معتمدة على ضرب من ضروب الحرب.. الجيش العثماني مابيفهمش فيه ولا بيعرف يصده.. أول من نفذه ضدهم كان "فلاد الوالاكي" سنة 1462.. حرب العصابات.

أثناء مروره بالصحراء من سوريا إلى مصر.. بيبعت "طومان باي" فرق صغيرة من المماليك.. تقوم بمناوشات محدودة ضد الجيش العثماني.. "طومان باي" أراد كمان أنه يحث البدو على مهاجمة العثمانيين والدفاع عن أراضيهم.. لكنهم رفضوا.. وماقبلوش إلا لما قال لهم.. إنه حيمنحهم مقابل كل رأس عثماني وزنه ذهب.. فبدأوا يغيروا على قوات "سليم" كل شوية طول الطريق.

المناوشات دي أنهكت "سليم" في شدة وأثارات حنقه وخسرته جنود وعتاد كتر.. ومنحت الفرصة لـ"طومان باي".. عشان يبعت أحد قواده.. وينقض بجيشه على الجيش العثماني على حدود الشام في "خان يونس".. في أول يناير، من العام 1517.

في "خان يونس" بيقابل مبعوث "طومان باي" قوات المماليك بقيادة "خاير بك الشركسي" حاكم دمشق الجديد.. تحت إمرة الصدر الأعظم "خادم سنان باشا".. وكان "خاير" متدرب نفس تدريب المماليك.. وعارف ثغرات قواتهم ونقط ضعفهم.. فبيقدر ينتصر على جيش"طومان باي" ويقتل قائده.. وبينسحب ما تبقى جيش الأخير إلى خارج حدود سوريا الطبيعية.. ويربضوا مرابطين مع "طومان باي" نفسه على رأس باقي القوات في مصر في الريدانية.. في صحراء العباسية، خارج حدود القاهرة.

وفي الريدانية.. بيحفر "طومان باي" مجموعة خنادق على الخطوط الأمامية.. تكون بينه وبين قوات العثمانيين.. ونصب مدفعيته وحضر بنادقه وسيوفه وجهز قواته وانتظر.

وفي الطريق للقاهرة احتل العثمانيين غزة.. وبعدين دخلوا سيناء وعبروا الصحراء.. ودا كان مقصود وبيرغب فيه "طومان باي".. لأنه كان عايز يهجم على العثمانيين بعد مرورهم بصحراء سيناء في رحلة شاقة مرهقة.. وينقض عليهم وهم منهكين متعبين.

وفي 20 يناير سنة 1517.. بيعسكر الجيش العثماني على مرمي بصر "طومان باي" في الريدانية.. وبيقرر أنها فرصته عشان ينقض على العثمانيين بعد رحلتهم الطويلة.. لكنه بيفاجأ بشيء غريب.

قادة المماليك الشراكسة.. بدوا متخاذلين ومش عايزين يهاجموا.. وقالوا له أن الخنادق اللي حفروها مع المدفعية.. كافية لو الجيش اتقدم.. الحقيقة أن قادة المماليك الشركسة دول كانوا في الأصل من الأناضول.. و"سليم" بالنسبة لهم ذو قربى مش عدو.. فقالوا طيب ما يمكن لو انتصر "سليم" ويعرف إننا ما حاربناش يكافئنا.. فتراخوا عن القتال.. واضطر "طومان باي" يذعن لتصرفهم.. لأن لو عاقبهم لفوره حيحصل ارتبك في الجيش.. ففضل مرابط في الريدانية.. بينما كان قادة المماليك الشراكسة دول.. بيقيموا في الريدانية بالنهار.. عشن "طومان باي" يشوفهم.. ولما يجنّ الليل. بيتسللوا إلى القاهرة ويباتوا في أحضان نسائهم.

مع الرايجة.. ولو "سليم" التركي كسب.. فاحنا أصلا أتراك.. ولو خسر وفاز "طومان باي".. فاحنا برضه لازلنا مماليك.

دشم وحواجز مضادة للخيول وخنادق و50 ألف جندي من المماليك و 200 مدفع.. التحصينات دي عصية على الاختراق على الجيش العثماني ومش حيقدر يتجاوزها لجد يوم الحشر.. لكن ساعتها بيوصل إلى "طومان باي" رجل من أمراء مماليك سوريا.. مع جيش صغير.. وبيقول له أنهم اتهزموا من العثمانيين في الشام.. لكن انسحبوا.. وجايين يساندوا "طومان باي" في التصدي لهم.. وبالفعل بيرحب "طومان باي" ويضعهم جواره المقدمة.. لأنه كان عارف القائد دا.. وانقطعت أخباره بالنسبة له بعد هجوم العثمانيين.

وكان الأمير دا هو "خاير بك الشركسي"....!

وبيتحرك الجيش العثماني بقيادة "سليم".. ويتظاهروا بأنهم متوجهين إلى الريدانية.. ولكن بسرعة التفت القوات ولفت مدافعها.. وكانت صغيرة حديثة خفيفة.. بتلف حول محورها بسهولة.. وانطلق الجيش العثماني يلف من الخلف حول جبل المقطم.. وانقض بغتة على المماليك من الخلف.. دا كان صباح 22 يناير.. سنة 1517.. يوم التاريخ حفظه لنا باسم "موقعة الريدانية".

رغم المفاجأة.. بيهجم "طومان باي" مع رجاله.. بس من دون سلاح المدفعية خلاص.. المدفعية دي كان تقيلة جدا وقديمة عتيقة الطراز.. وعشان تلفها وتبدأ تحركها عايزة يوم كامل.. دا بسبب الفتوى اللي عطلت دولة المماليك عن تطوير سلاح المدفعية.. باعتباره "قتل بالنار" والقتل بالنار حرام.. اتكلمنا عن الفتوى دي في الحلقة 16 من السلسلة دي.

"ابن إياس" بيقول إنه "وأقبل جند ابن عثمان كالجراد المنتشر.. فتلاقى الجيشان في أوائل الريدانية.. فكان بين الفريقين معركة مهولة وقتل من العثمانية ما لا يحصى عددهم".. والحقيقة أن الجيش العثماني كان خايب جدًا في المواجهة مع جيش آخر قوي.. لأن "طومان باي" كاد ينتصر بالفعل.. لولا أنه مع التفاف "طومان باي" بقت مقدمة جيشه هي المؤخرة.. ودي كان فيها "خاين بك الشركسي".. اللي بيهجم بغتة برجاله على جيش "طومان باي" من الخلف.

وبيستطرد "بن إياس" عند النقطة دي "فاضطربت أحوال العسكر المصرية.. ودبت الحياة في العثمانية.. فقتلوا من عسكر مصر ما لا يحصى عددهم".

رغم الخيانة والمباغتة اللي خلت المماليك بيحاربوا على جبهتين بدون مدفعية.. لكن الحرب بتستمر 8 ساعات متصلة.. 8 ساعات من القتال وجهًا لوجه.

وفي وسط الغبار والدخان وصليل السيوف بينظر "طومان باي" إلى مد بصره وبيلاقي خيمة مميزة.. بيحيط بها الحرس.

خيمة السلطان "سليم".

وعلى رأس قوة فدائية صغيرة للغاية.. من بضعة فرسان فقط.. بينطلق "طومان باي" نحو الخيمة.. لو قتل "سليم" تنتهي المعركة.

مسلح فقط بسيف وجواد.. بينقض "طومان باي" على القوات العثمانية.. ويطيح فيها بسلاحه.. عشان يوصل لخيمة "سليم".. ويقتله.. بيصاب وينزف في طريقه.. وبتنهال حوله قذائف المدفعية العثمانية.. وبيتمزق بعشرات الشظايا.. لكن مكانش مستعد يفرط في أرض مصر.. مهما كان الثمن.

وبجسارة حقيقية.. بيوصل "طومان باي" إلى خيمة السلطان نفسه.. في قلب الجيش العثماني.

وفي الخيمة بيلاقي "طومان باي" رجل أربعيني حاد النظرات صارم الملامح.. بيرتدي حلة فاخرة من الحلل العسكرية.. مزدانة بالرتب.. أعلى رتب في الجيش العثماني.. وبينتزع الرجل سيفه لمواجهة "طومان باي".. لكن "طومان باي" بيتفوق عليه.. ويقتله.

وللأسف إن دا مكانش "سليم" زي ما افتكر "طومان باي".. ولو كان "سليم" كانت المعركة انتهت.. "سليم" كان في مؤخرة الجيش خالص مراهن على الخائن "خاير الشركسي".. بينما اللي قتله "طومان باي" دا كان الصدر الأعظم "سنان باشا الخادم".

مع تقدم "طومان باي" لخيمة "سليم".. واختفاؤه عن أعين المماليك في قلب الجيش العثماني.. الخائن "خاير بك" بيلعب نفس لعبة "مرج دابق".. وبيهتف أن "طومان باي" اتقتل.. ودي كانت الضربة الأخيرة للماليك.. اللي بتنهار فيها معنوياتهم.. وبيتهزموا تمامًا.. وبيفضل بضعة آلاف من الجنود.. بيلتفوا حول "طومان باي" مرة أخرى.. لكن لأن الشجاعة لا تعني الحماقة.. الأخير بيدرك إن الاستمرار في القتال يعني إنه حيضحي بآخر جنود لديه.. فبينسحب "طومان باي" بقلة من الرجال.. وبينطلق الجيش العثماني إلى القاهرة.. ولازال الكلام لـ"بن إياس" قائلًا: "وأغلق باب الفتوح وباب النصر وباب الشعرية وباب البحر.. وأغلقت الأسواق.. وزعق النفير".

واقتحم العثمانيين بوابات القاهرة صبيحة الجمعة 23 يناير، 1517.. وساروا في شوارعها بخيولهم وبنادقهم.. فخرج لهم الرجال العاديين.. من تجار وصناع وحدادين وخياطين.. يدافعوا عن حرماتهم وبيوتهم.. فأطلق عليهم "سليم" قوات الإنشكارية.. تعمل فيهم الذبح والقتل في مذبحة رهيبة مروعة.. استشهد فيها قرابة الـ500 ألف رجل.. واستفردوا بالنساء وهتكوا حرماتهم.. وسلبوا الدور ما بها من مال ومتاع.

وأرسل "سليم" رجاله إلى المساجد.. فقبضوا على مشايخها وأئمتها.. وأمروهم بالدعاء إلي سلطان المسلمين الجديد "سليم" من الآن فصاعدًا.. وإلا الجزاء هو الموت.. وبالفعل بتقام أول صلاة جمعة.. ويدعى فيها على المنابر للسلطان "سليم".. اللي جلس على عرش مصر.. وأطلق على نفسه لقب "أمير المؤمنين" للمرة الأولى.. وكان أول شخص يحمل اللقب دا من "آل عثمان".

ولأنه يعلم جيدًا أنه لو أسقط مصر، يقدر بسهولة تامة يحتل شبه الجزيرة.. فأطلق على نفسه كذلك للمرة الأولى لقب "خادم الحرمين الشريفين".

وسأل "سليم" عن "طومان باي".. فقيل له أنه قُتل أو هرب.. محدش عارف هو فين.. وتنهد "سليم" في ارتياح.. وعرف إنه من هنا يقدر ينطلق ويتوسع في طموحاته.

لكن "طومان باي" مكانش اتقتل ولا هرب.

كان بيعد العدة لجولة جديدة ولقاء جديد مع "سليم" وجيشه.. الجولة اللي حيشوف فيها "سليم" الموت على نحو مشافهوش على ذلك القرب من قبل في كل معاركه وغزواته.

وجولة "السلطان الملك الأشرف أبو النصر طومان باى" مع "سليم" دي قصتها تطول.. فنكمل كلامنا عنها لاحقًا...

ويبقى للحديث.. بقية.

--------

المنشورات السابقة أول تعليق.

--------

#الخلافة_العثمانية 21