التاسع من أكتوبر، سنة 1365.. يوم لا ينسى في التاريخ.. يوم سقطت الإسكندرية.

عشان نوصل لليوم دا.. لازم نعرف إزاي الموضوع تم من البداية.. "مراد الأول" زي "عثمان الأول".. جمع المؤرخين والكتبة حوله يفصلوا حوله هالة خاصة.. وينسجوا له أسطورة.. بينما في حقيقة الأمر هو كان راجل نتن.. زي ما حنشوف في السطور القادمة.

"مراد" أدرك أنه مش حيقدر يهزم المماليك في مصر.. كان كل البلاد حواليهم لما بيمسك أحد العثمانيين العرش.. بيبعتوا له هدايا ويباركوه.. ما عدا مصر.. ولما صعد "مراد" للعرش.. تجاهله الملك المنصور "صلاح الدين محمد بن محمد بن قلاوون" تمامًا.. واللي حصل أن انقلبت الآية.. فبعت "مراد" سفراء من عنده محملين بالهدايا.. وقبلها "صلاح الدين بن قلاوون" شاكرًا.. وتجاهل "مراد" برضه.. مبعتلوش حاجة.

السر هنا أن دولة المماليك بمقاييس العصر ده كانت فائقة القوة.. ومبتتوددش لحد بالطريقة دي.. رغم تدهور أوضاعها الاقتصادية.. للأسف "صلاح الدين بن محمد بن قلاوون" مكانش زي جده في شيء.. ودا خلاهم يعزلوه ويعينوا بداله "الأشرف شعبان بن محمد بن قلاوون".

"والأشرف شعبان" كان صغير عمره 12 سنة.. والوضع اللي كانت البلاد عليه لما استلمها كان في مصيبة جديدة.

صراع السلطات والأجهزة.

أجهزة الدولة السيادية اتحولت لتكتلات بتضرب من تحت لتحت في بعضها البعض.. والعسس كارهين المماليك الشراكسة.. والمماليك الشراكسة كارهين المماليك البحرية.. ورئيس الديوان مع دول.. ومسؤول النظام مع دول ضد دول.. وقائد الجند ضد أمير السلاح "طيبجا الطويل" اللي كان مع معرفش مين.. والخ.

بيدرك "مراد" أنه لازم يهزم الدولة دي.. بس وهو بعيد عن الصورة.. يبدو حليف.. وهو في أعماقه عدو بغيض.

أول حاجة بيعملها مراد أنه بيسمي نفسه "خليفة المسلمين".. ودا أول لقب خليفة يسمي به أحد سلاطين آل عثمان نفسه.. وبكده أضفى على نفسه هيبة وسلطة دينية..

بيحاصر "مراد" مدينة "أدرنة" وبتسقط في يده، سنة 1363.. كانت سياسة العثمانيين غالبا هي الحصار الطويل.. لحد المدن ما تسقط دون قتال.

بيفكر "مراد" بشكل سياسي شوية.. وبيعمل تقارب مع البيزنطيين.. وبيدفع الإمبراطور البيزنطي "أندرونيكوس الرابع Andronikos IV" على أوروبا.. بفكرة أن بيت المقدس مش حترجع ولا الحملات الصليبية حتنجح إلا لو سقطت مصر.

والحقيقة إنه، بعد الحملة الصليبية السابعة مكانتش أوروبا متحمسة للهجوم على مصر تاني.. لأن الحملة السابعة دي انتهت بكارثة.. وهزيمة ساحقة على يد الجيش المصري بقيادة " فخر الدين يوسف" و"الظاهر بيبرس" و"فارس الدين أقطاي".. وأتأسر فيها "لويس" التاسع ملك فرنسا نفسه.. واتسجن في دار "بن لقمان" في المنصورة.. وقامت في فرنسا بسبب دا ثورة عنيفة.. سمتها الكنيسة وقتئذ "حملة الرعاة Croisade des Pastoureaux".. تقليلًا من شأنها وتحقيرًا لها.. بس الحقيقة كانت الناس عايزة فرنسا تهاجم مصر وتنتقم وتفك أسر "لويس".. بس فرنسا مكانتش تقدر تهاجم مصر من جديد.

فلما الإمبراطور البيزنطي "أندرونيكوس" بيبدأ يدس السم في العسل لملوك أوروبا.. محدش بيمشي وراه.. البابا أصلا كان له خطة طويلة الأمد لاضعاف مصر اقتصاديًا ومش ناوي يحاربها بعد فضيحة أسر ملك فرنسا في معركة المنصورة.. فكان البابا الأوروبي وقتها مطلع قانون.. بيحظر التجارة مع مصر.. أو المرور بالمواني المصرية.. وبكده تفتقر مصر إقتصاديًا فتضعف عسكريًا.

لكن التجار الأوروبيين تجاهلوا القانون تمامًا.. فراح البابا مشكل قوة عسكرية في قبرص.. هدفها مراقبة التجار دول.. وتشوف مين بيروح مصر عشان يتعاقب.. وكانوا أحيانا بيتخطفوا للمثول أمام البابا.. ومع ذلك استمرت التجارة بشكل عادي.

بيحاول الإمبراطور البيزنطي يعرض فكرته على ملوك أوروبا بعيدًا عن البابا.. فتجاهله الجميع ماعدا واحد.

ملك قبرص.. "بيير دو لوزيان Pierre I de Lusignan".

و"بيير" كان عدو للعثمانيين.. فلما عرف "مراد" إنه قبل بفكرته دون أن يعلم أنها فكرته.. تنهد في ارتياح.. أي طرف يخسر الحرب دي.. فدا انتصار لـ"مراد".. وإضعاف لأعدائه.

وقبل التاريخ المذكور أعلاه بيومين.. في السابع من أكتوبر، سنة 1365.. اتحركت من قبرص 80 سفينة حربية محملة بحوالي خمسين الف فارس وجندي مشاة بأسلحتهم.. ومحدش كان يعرف هم رايحين فين.. لحد ما في وسط البحر.. أعلن لهم "بيير" إنهم متوجهين لمدينة الإسكندرية المصرية.

وكانت خطة "بيير" اللي سكبها "مراد" عن طريق إمبراطور بيزنطة في أذنيه.. أن الإسكندرية مليانة أجانب وتجار أوروبيين عايشين فيها.. بالتالي محدش حيتوقع أن أوروبا تهاجمها.. ثانيا.. دي أهم ميناء مصري ومركز التجارة البحرية.. واحتلالها ممكن يخلي المصريين يوافقوا على مبادلتها ببيت المقدس.. وثالثا.. البابا لو نجحت الحملة الصليبية دي.. حيباركها.. لأن الإسكندرية مقر الكنيسة المصرية.. وكان البابا في أوروبا بيعتبر الكنيسة المصرية منشقة.. وقساوستها فسقة مبتدعين هراطقة.

والحقيقة أن أخبار الحملة دي وصلت مصر والسفن بتتحرك بالفعل.. لكن كنا في مصيبة "صراع السلطات".. فاتصور قائد الجيش أن دي شائعة من أمير السلاح.. فتجاهل المعلومة وانطلق إلى رحلة صيد بري في العباسية.. واتصور "الأشرف شعبان".. أن دي خدعة من رئيس الديوان.. فراح شبين القناطر يستجم في منتجع سرياقوس.. والأكثر امتاعًا إن قائد الجند اتصور أن دي خدعة عشان يتوجه بالجيش للإسكندرية.. وينقلبوا خصوم "الأشرف شعبان" عليه.. فسحب حامية الجيش من الإسكندرية ووداها القاهرة.

وبعد غروب يوم التاسع من أكتوبر، سنة 1365.. ظهرت السفن في الافق لأهل الإسكندرية.. فتصوروا تلقائيًا أنها سفن تجارية.. لكن في الصباح التالي أدركوا أنها سفن حربية.

وكانت أسوار الإسكندرية عالية وقوية.. تقدر تصمد أمام الغزو دا.. لكن أهالي الإسكندرية كانوا مدنيين مش فاهمين.. فجمعوا سلاحهم وتخطوا الأسوار وتجمعوا في بقعة أمام جزيرة فاروس.. منتظرين الغزاة عشان يمنعوهم من دخول المدينة.

مين شاف أهالي الإسكندرية كده؟ نائب والي الإسكندرية.. وكان عيل عبيط من المماليك الشراكسة.. فبدل ما ينصحهم يرجعوا خلف الأسوار.. راح انضم لهم.. فاستناهم "بيير" يتجمعوا.. وبعدين قصفهم بالمدفعية في برود.. وفر نائب الوالي.. وأثناء فراره والهرج والإنزال البري الي عمله "بيير".. كانت أبواب الأسوار مفتوحة.

دخلت القوات الصليبية القبرصية إلى الإسكندرية.. ومشوا في الشوارع يدبحوا اللي يقابلوه.. ماسابوش حد لا مسلم ولا مسيحي وحتى الأوروبيين.,. قتلوهم ونهبوا محلاتهم وانقضوا علي الكنائس وسرقوا ما بها من نذور وصلبان ذهبية ومقتنيات ثمينة.. هم أصلا كانوا بيعتبروا الكنيسة المصرية وقتها كافرة زي ما قلنا.. وأحرقوا الكنائس والجوامع وحتى المقابر اعتدوا عليها.. المؤرخ الأنجليزي سير "ستيفين رونسيمان Steven Runciman" بيوصف اللي حصل بأنه واحدة من أبشع المذابح عبر التاريخ.. حتى أنها تكاد تكون أبشع مذابح الحروب الصليبية على الإطلاق.

وبيوصل الخبر الأسود للقاهرة.. والمرة دي.. بيتحرك الجيش.

استمرت المذبحة الرهيبة ثلاثة أيام متصلة.. لحد ما بدأت بشائر الجيش المصري تلوح في الأفق.. فاراد "بيير" أنه يشتبك معهم.. ويفضل في اسكندرية ويحتلها.. بس جنوده تمردوا عليه.. وقالوله مش مستعدين إطلاقًا نشتبك مع الرجال اللي هزمت القوات الفرنسية وأسرت "لويس".. وبيلاقي "بيير" نفسه محاصر بجنود مش عايزة تقاتل.. فبيقرر الهرب...

نقلوا كل اللي سرقوه إلى السفن.. وكان كتير جدًا لدرجة إنهم رموا منه كتير في البحر عشان يخففوا الحمولة.. وكان في قبائل من العرب البدو عايشين في ظهير الإسكندرية الصحراوي.. لما عرفوا بالواقعة.. حملوا اسلحتهم وتوجهوا للإسكندرية.. وكملوا نهب.. بلد محطمة جثث رجالها محترقة على الشط.. محلات منهوبة.. وبيوت مفتوحة مفيهاش غير نساء.. المؤرخ "محمد بن القاسم بن محمد النويري الإسكندراني المالكي" دوّن الواقعة دي وقال عنها "فاستغنى من هؤلاء العرب من كان فقيرًا.. وافتقر من أهل الإسكندرية من كان غنيًا".

البابا الكاثوليكي في أوروبا فرح جدًا بضربة الإسكندرية.. وبدأ يحشد ملوك أوروبا عشان ينفذ فكرة "بيير".. اللي هي فكرة "مراد".. ويحتلوها.. بس إيطاليا رفضت وانسحبت.. وتبعتها فرنسا والمجر.. الحقيقة أن دمار الإسكندرية أفسد تجارتهم.. وأسعار التوابل والحرير والدخان والسجاد والصناعات والمحاصيل اللي كانت بتيجي من مصر ومبقتش تيجي.. ارتفعت اسعارها في أوروبا لدرجة جنونية.. كمان بعد انسحاب "بيير" ردت مصر فورًا بضربة عسكرية إنتقامية على قبرص.

الضربة العسكرية دي كانت سريعة مقتضبة نظرًا لخسارة مصر اقتصاديًا.. بس ضايقت الشعب القبرصي وبدأوا بعدها.. ومع غلاء الأسعار المباغت.. يكرهوا "بيير" وحسوا أن مغامرته العسكرية عملت لهم مشاكل.. وضاقت الناس به وبحكمه وباضطرابات البلاد الداخلية.. كمان قبرص ضعفت اقتصاديًا لأن مصر قاطعت التجار القبارصة اللي كانوا بيتسللوا دون علم البابا.. وذات ليلة.. انطلق 3 فرسان من الجيش القبرصي إلي مخدع "بيير" أثناء نومه في قصره في نيقوسيا.. وانقضوا عليه.. وقتلوه قبل أن يدري ما يحدث له.

صحيح مصر مبتنساش إللي وقف ضدها أبدًا.. لأنه بعد ستين عام.. في مجموعة من القبارصة اختطفوا مركب إيطالية من ميناء الإسكندرية.. ولما طاردهم حرس الميناء في البحر.. اشتبكت معه سفن قبرصية في المياه المصرية.. فالسلطان الأشرف "سيف الدين برسباي".. قرر يلقنهم درس.. ويرد زيارة "بيير".. وانطلق نحو قبرص ودمر مدنها واحدة تلو الأخرى ورفع الأعلام المصرية على أنقاضها.. وأسر ملك قبرص "جانوس لوزينان Janus Lusignan " ورجع به مكبل بالسلاسل.. وأودعه السجن.. لحد ما اجتمع ملوك أوروبا.. ووافقوا على دفع فدية هائلة.. طلبها السلطان "برسباي" للإفراج عنه.. فأفرج عن ملك قبرص على أن تدفع قبرص جزية سنوية لمصر قدرها 20 ألف دينار.. وعقد معاه صلح.. واشترط ملك قبرص لسداد الجزية أن مصر تحمي قبرص.. فوافق السلطان الأشرف "برسباي".. وأصبحت قبرص حليف.. وخرج ملك قبرص من السجن.. وزار معالم القاهرة واتفسح ورجع بلاده.

قصة قبرص خدتنا شوية من الخليفة العثماني أمير المدمنين "مراد بن أورخان" اللي سعد أيما سعادة بالضربة الاقتصادية لمصر.. وكان منطلق في توسعه وغزواته.. وعينه على أوروبا.. لحد ما صادفته مشكلة مخيفة.. مكانتش في الحسبان.. حلها بطريقة رهيبة مروعة.

والمشكلة دي نتكلم عنها لاحقًا.

ويبقى للحديث.. بقية.

----------

منشورات سابقة

----------

1 - http://bit.ly/32Q5W4t

2 - http://bit.ly/2SJESze

3 - http://bit.ly/2YmsINT

4 - http://bit.ly/2KekUZo

5 - http://bit.ly/31c7XWU

6 - http://bit.ly/2Zv9iaL

7 - http://bit.ly/2GNIyee

8 - http://bit.ly/2ZgkHP0

9 - http://bit.ly/2NkRT1r

10 - http://bit.ly/2ZcLSeq

11 - http://bit.ly/2U4pQVd

#الخلافة_العثمانية 12