المؤرخ "ليونيكوس كالكوكوندليس Laonikos Chalkokondyles" عاصر "أورخان" بن "عثمان الأول"، وكتب في سلسلته "التاريخ في عشر كتب Histories in ten books" اللي حصل بعد موت "عثمان".

القصة بتدور على أن "أورخان" وأبوه على فراش الموت، أغرى جنود كتير بالمال، وجمع ما استطاع أن يجمع من العسكر، وانطلق إلي جبل "أولو Uludağ".. وهناك قرر يحارب إخوته "باظارلي بك"، و"جوبان بك"، و"حميد بك"، و"مالك بك"، و"صاووجي بك"، و"علاء الدين باشا".

كان "علاء الدين باشا" أفضلهم وأكثرهم أحقية بالعرش.. ووجهاء الدولة وكبار رجالها طلبوا منه يحكم بالفعل ويتولى عرش السلطنة.. لكن هو كان غير راغب فيه.. كان أصلًا مشهور بالورع الديني والعزلة والزهد.. أقرب إلى رجل عابد منه إلى رجل دولة.. لكن نظره اتجه للعرش وكله قلق من اللي ممكن يحصل بعد وفاة "عثمان".. وكان قلقه في محله.

بدأ "أورخان" يستميل قادة الثغور العثمانية لصفه، وحصل على بيعة معظمهم.. وبعدين انطلق لقتال إخوته.. فتخلص بالفعل من "باظارلي بك"، و"جوبان بك"، و"حميد بك"، و"مالك بك"، و"صاووجي بك".. ومفضلش إلا "علاء الدين".

قيل لـ"أورخان" وقتها من مستشاريه.. إن "علاء الدين" مش بيشكل خطر لأنه زاهد في السلطة.. غير إن قتله ممكن يتسبب في غضب العامة والناس.. لأنهم بيبصوا له في تبجيل على أنه رجل ورع.. مجتهد في طاعة الله.. فبيعدل "اروخان" عن فكرة التخلص منه.. وبيقرر يستفيد من شعبيته.. فبيجيبه ويعينه وزير للدولة العثمانية.. وبيبقى "علاء الدين" أول "صدر أعظم" في التاريخ.. ودا اللقب اللي كان بيحمله رئيس الوزراء في الدولة دي.

والحقيقة أن منصب "علاء باشا" كان شرفي مش أكتر لأنه ظل على ميله للعبادة والعزلة.. بينما ظلت كل السلطات في يد "أورخان".

وفي مصر، كان الناصر "محمد بن قلاوون" قد انتصر على الفتنة وأخمدها.. وقبض على الأمير "سلار".. واعترف "سلار" أن كل ما تم كان بتدبير "بيبرس الجاشنكير".. فارسل له "الناصر محمد" قوة للقبض عليه.. لم يقاومها مطلقًا.. ومثل أمامه وواجهه بما حدث.. فاعترف "بيبرس" بجرائمه قائلًا: "يا مولانا السلطان.. كل ما قلت.. قد فعلته، ولم تبق لي إلا مراحم السلطان".. وهنا.. قرر السلطان "الناصر محمد" بالفعل يرحمه من متاعب الحياة.. وأمر بإعدامه.. بينما مات "سلار" في السجن.

أعيد فتح الكنائس ورجعت المياه تصفو من جديد.. لكنه فوجيء بداعية جديد من بلاد الشام.. نعرفه بلقب "ابن تيمية".. قادم له بفتاوي حتأجج نار الفتنة من جديد.. فدفع إليه بفقهاء مصر لمناظرته.. فناظروه وغلبوه.. وحكم مجلس قضاء على مذاهب الأئمة الأربعة بمنعه من الفتوى.

لكن "بن تيمية" خرج من المجلس وهو مصمم على الفتوى! فرماه "محمد بن قلاوون" في السجن.

كل الأحداث دي بتحصل ومصر رايح جاي عليها حملات صليبية.. مابتهداش لحظة ومابتلتقطش أنفاسها لحظة.. مع ذلك كانت دولة قوية لازالت وانتصرت في الحملات دي جميعًا.. وكان "أورخان" طامح لضمها هي والشام.. وعارف أنه مش حيقدر في الوقت الراهن ولا بقواته الموجودة.. فقرر يأسس جيش جديد.

جيش الإنكشارية.. اللي لابسين زي مهرجي السيرك في الصورة دول.

والإنكشارية دي عبارة عن أطفال صغيرة.. كان بيتنزعهم العثمانيين من أحضان ذويهم من المدن اللي غزوها.. أو من الأسر الفقيرة في الأناضول.. بياخدوا عيالهم قسرًا.. ويلحقوهم بمدرسة خاصة.. تدربهم على فنون القتال والحرب منذ نعومة أظفارهم.

ولما بيبلغ جندي الإنكشارية سن المراهقة بيبقى بمثابة فرقة كاملة من أي جيش عادي.. آلة قتال لا تعرف الرحمة.. بيعلموهم منذ الصغر أن أبوهم هو السلطان العثماني.. فبدأت تظهر للنور وحدة القوات الخاصة دي.. وكانت بتقاتل بلا ضمير أو عقيدة مابترحمش شيخ ولا طفل.. ومش فاهمة أي شيء إلا تنفيذ أوامر السلطان وحمايته.

اللي شاف فيلم "دراكيولا.. القصة المنسية Dracula untold".. حيلاقي في أول الفيلم العثمانيين بيروحوا للمدن اللي محتليينها ياخدوا الضريبة ونسبة من أطفالهم بالعافية.. دا كان بيحصل في الحقيقة.. وكان اسمه "قانون الخُمس".. ودا قانون سنّه "أورخان".. يتاخد خمس أطفال البلاد دي كضريبة مستحقة غير الضريبة المالية.. ويتاخد كمان قسرًا كل الأيتام والمشردين.. ويُلحقوا بمدرسة الإنكشارية عنوة.

الإنكشارية كان محرم عليهم الزواج والاختلاط بالمجتمع وتكوين صداقات.. بس بيدرسوا تربية دينية متشددة متطرفة.. وبيبصوا للسلطان على أنه أبوهم.. وعليهم طاعته مهما كانت أوامره وحمايته مهما كان الثمن.

وعشان يميز "أورخان" القوات دي عن بقية جيشه.. فكر في الرؤيا المنسوبة لأبيه، بتاعت "الهلال اللي وقع من السماء إلى صدره" وإلخ.. فعمل لهم راية حمراء بيتوسطها هلال.

وفي مصر.. بعد وساطات كثيرة.. بيخرج "محمد بن قلاوون" السجين "بن تيمية".. بشرط أنه يرحل عن البلاد.. فبيرحل للشام.. وبيقرر يفتي هناك.. فبيحبسوه برضه.

لكن الفتاوى اللي انطلقت كانت عملت حاجة شقاق وتوتر ديني.. وخلفت للسجين دا اتباع بدأوا يفتوا بدورهم.. ولأول مرة تحول الخلاف إلى شقاق.. حيكون له نتيجة مروعة.. حتستمر لحوالي خمس قرون.. زي ما حنشوف فيما بعد.

وفي الأناضول بيتجوز "أورخان" بنت الإمبراطور البيزنطي.. وبيتجوز عليها بعدها بنت الإمبراطور الرومي "يوحنا السادس".. وكان الإمبراطوريتين دول بيفرموا في بعض طول الوقت.. وبينخر فيهم الفساد والحروب الأهلية.. فكانت فرصة ذهبية لـ"أورخان" أنه يحط ايديه وسطهم.. وبالزواجين دول... دانت له إمارات كتير.. وحاصر "نيقية" لدرجة أن أهلها بدأوا يموتوا من الجوع.

وعندئذ بيتغير الإمبراطور البيزنطي أبو مرات "أورخان" وبيجيي إمبراطور جديد.. بيقرر ينقذ "نيقية".. فبيروح له بقوة من 4000 جندي.. بينسحب "أورخان" من أمامها.. ويصدر قوات الروم.. بتاعت أبو مراته التانية.. وكاد البيزنطيين ينتصروا على الروم بالفعل.. لولا اشاع العثمانيين أن الإمبراطور البيزنطي مات في المعركة.. فبيتشتت الجنود البيزنطيين ويصابوا بالهلع.. وبينسحب الإمبراطور للقسطنطينية.. وساعتها بتدرك "نيقية" أن مفيش أمل.. واهلها بيموتوا جوعًا.. فبتفتح أبوابها وتستسلم للعثمانيين.

وأثناء ما بيعسكر العثمانيين على حدود "جاليبولي Gallipoli".. بيضرب المنطقة زلزال عنيف.. بيهدم بيوتها وأسوارها.. فبيدخلها العثمانين بضربة حظ في مارس، سنة 1354 ميلادية.. وبيبقوا على مشارف القسطنطينية.

وفي أواخر أيامه.. بيصاب بالنقرس زي ابوه.. فبيعتزل "أورخان" الحياة السياسية.. وبيكلف ابنه "مراد" بإدارة الدولة "إداريًا".. وبيوصي بالحكم من بعده لابنه الأكبر وقائد جيوشه.. "سليمان باشا".. ومن بعده "خليل باشا".. ومن بعدهم "مراد بك".

ولكن بعد الوصية دي حصل شيء غريب.

فجأة طرف مجهول دفع لأحد القراصنة.. في بحر إيجة، فخطف "خليل باشا".. وغضب "أورخان" بسبب دا غضب شديد.. وبعت القوات العثمانية تحرر ابنه.. لكن القراصنة في بحر إيجة هزموهم.. ففكر يبعت الإنكشارية.. لكنه خشى أنه يترك نفسه بلا حراسة.. فملاقاش "أورخان" حل غير أنه يستعين بحماه "يوحنا الخامس".. واتفقوا على أن الأسطول البيزنطي يحاصر جزيرة القراصنة.. ويدفعوا فدية "خليل".. ويرجعوه.. وبالفعل تم دا.. لكن "خليل" رجع مصاب مريض عاجز.. غير صالح للحكم.

بكده مافضلش إلا "سليمان باشا".. اللي فجأة ذات يوم.. لقوه مقتول وسط الاشجار وحصانه بيرعى على مقربة من جثته.. وكان سبب الوفاة ضربة قاتلة بجسم غير حاد في الرأس.. زي حجر أو جذع شجرة.. و"سليمان" مكانش سهل لشخص غريب عنه.. إنه يقرب منه ويقتله لأنه كان فارس مقاتل.. فاستنتجوا أن حصانه عصى أوامره.. وانطلق به في جنون.. فارتطمت رأسه بشجرة ومات.. أو أن قدم الحصان زلت.. فوقع "سليمان" واصطدم رأسه بحجر.

كده - للصدفة السعيدة - مافضلش إلا "مراد" بقى.. هو الوحيد من الثلاثة اللي نجا من القتل والموت والاغتيال.. وسنة 1360، بيموت "أورخان".. وبابتسامة واسعة ظافرة.. بيتقدم "مراد" ويجلس على العرش.. وبيتولى حكم الدولة العثمانية، سنة 1360.. وبيسمي نفسه:

"الملك العادل والسلطان الغازي أبو الفتح غيَّاث الدنيا والدين مراد خان "...!

دا اللي احنا نعرفه باسم "مراد الأول".

وكان طموح "مراد" إنه يكسر مصر عشان يستطيع احتلالها.. لكن دولة المماليك كان عصية عليه.. بعد استباب أمرها في عهد "الناصر محمد".. حتى في ظل المشاكل والصراعات الداخلية اللي حصلت بعد وفاته في العام 1341 ميلادية.

فهنا بيقرر مراد يلعب لعبة جديدة.. مستغلًا المشاكل الداخلية وصراع السلطات المصرية وبعضها البعض.. اللي حصل من قبل وفي عهد "الملك الأشرف صلاح الدين خليل" ابن الملك "سيف الدين قلاوون ".

واللعبة دي كانت خبيثة وقاسية عنيفة.. بتتسبب في انهيار أهم ميناء مصري.. وحرق الإسكندرية.. وضعف الدولة كلها اقتصاديًا.

واللعبة دي الحديث عنها يطول.. فنكمل كلامنا عنها لاحقًا.

ويبقى للحديث.. بقية.

----------

منشورات سابقة

----------

1 - http://bit.ly/32Q5W4t

2 - http://bit.ly/2SJESze

3 - http://bit.ly/2YmsINT

4 - http://bit.ly/2KekUZo

5 - http://bit.ly/31c7XWU

6 - http://bit.ly/2Zv9iaL

7 - http://bit.ly/2GNIyee

8 - http://bit.ly/2ZgkHP0

9 - http://bit.ly/2NkRT1r

10 - http://bit.ly/2ZcLSeq

#الخلافة_العثمانية 11