الست دي عربية أردنية، وزوجها الحبيب، بيقاتل من أجل حياته، داخل طائرة مقاتلة، في صراع مخيف في الجو، فوق الإقليم السوري.
يناير ١٩٧٣.. والمقاتلات الإسرائيلية بتنطلق نحو العمق السوري.. لقصف معسكرات الجيش، ومواقع المدفعية، وربما بعض الأهداف المدنية.. مدرسة، مشغل ملابس.. زي ما عملوا في مصر في مصنع ابو زعبل ومدرسة أطفال بحر البقر.
المهم أن زوجها في الجو، في واحدة من مقاتلتين، بتطلق النيران على أخرى، تفادى طيارها الرصاصات في مهارة.. واطلق النيران على المقاتلة المعادية بدوره.
ودارت المقاتلة الإسرائيلية حول نفسها.. وتفادت النيران.. واعتدلت، واطلقت النار نحو المقاتلة السورية.
ومرة ثانية، تفادى الطيار السوري الرصاصات، وانطلق بمقاتلته في خط مستقيم، والطائرة الإسرائيلية تشق الهواء خلفها بسرعة مدهشة في إصرار.
وعلى الأرض اوقف المراقبين الدفاعات الجوية السورية، لان وقتها كانت الصواريخ السورية بتتبع حرارة المحرك وحسب، ومفيش صواريخ ذكية زي دلوقتي.. وخشوا انهم يسقطوا طياريهم.. وراقبوا المعركة الجوية في قلق.
١٢٠ ثانية فقط.. ويدخل الطيار السوري، المجال الجوي الإسرائيلي.
ويتم قصفه...
ويسقط بلا رحمة.
وبتقترب المسافة بين المقاتلتين بسرعة مذهلة.. وبيندفع الإسرائيلي خلف السوري.. وبيتحرك إصبعه لضغط زر اطلاق النيران.
ولكن الطيار السوري بيندفع بغتة إلى أعلى.. وينقلب بطائرته رأسا على عقب، ثم بيعتدل.
بيعتدل وهو خلف المقاتلة الإسرائيلية مباشرة.
وبيضغط زر اطلاق الصواريخ.
وطبعا انت تصورت ان زوج السيدة انتصر، وارسل غريمه للجحيم.
لكن الحقيقة ان زوجها مكانش هو الطيار السوري.
كان الإسرائيلي!
وطبعا لازم دا يقودنا للقصة من بدايتها.
اسمها "أمينة داود محمد المفتي". أردنية، من اسرة عريقة ذات حيثية وثرية للغاية.
أبوها كان اكبر تاجر مجوهرات في عمان، وربما الأردن كلها، بينما عمها كان لواء في البلاط الملكي.. وأمها سيدة مجتمع معروفة وشهيرة.
لما بتخلص الثانوية، أبوها بيقرر يبعتها برا، تدرس الطب النفسي في الجامعة في فيينا عاصمة النمسا.. سنة ١٩٥٧.. وهناك.. بتبدأ الرحلة.
وبيبدأ السقوط.
"أمينة" على ثقافتها، اتسحلت في أوروبا، وبدت كغر قروي ساذج، بهرته أضواء المدينة. فبدأت تنقطع عن محاضراتها ودروسها، وتعيش حياة عبث كاملة.
وقضت "أمينة" سنتين بين البارات والملاهي الليلة والرحلات الخلوية.. ورجعت للأردن.. تزور أهلها.
وفي الأردن كذبت على والدها، وأقنعته انها بتنجح بتفوق.. بينما درجاتها كانت ضعيفة للغاية.. وبتنجح بالعافية.
وبعدين قررت "أمينة" تركز فعلا وتنجح.. وبعدين تلهو براحتها بعدها.
وبالفعل بتخلص دراستها.. بعد خمس سنوات.. وبيستدعيها أبوها علشان ترجع. لكنها بتقنعه انها قررت تدرس دكتوراة.. ومدة الدراسة سنتين.. وبينها وبين نفسها كانت قررت تقضي السنتين دول في لهو وعبث.
وبيمتليء ابوها بالفخر.. ويبعت لها الأموال اللي بتطلبها.
وفي النمسا في ملهى ليلي، بتلتقي "أمينة" بفتاة يهودية، قاعدة مع شاب أشقر وسيم طويل القامة، مفتول العضلات.
والشاب دا كان أخو الفتاة.. وكان نقيب طيار في القوات الجوية النمساوية.
وبتصاحب "أمينة" الفتاة، بعدما وقعت في غرام شقيقها.
كابتن "موشي بيراد".
وبيعيشوا قصة حب حميمة كاملة، وبيمر السنتين.. وبيبعت والدها يسأل عن شهادة الدكتوراة.
وبيساعد "موشى" حبيبته "أمينة".. وبيضرب لها شهادة دكتوراة مزورة في الطب النفسي.
وبيشعر الوالد بالفخر.. وبيتباهى ببنته امام الجميع.. وبيراسلها ويطلب منها العودة.
لكن "أمينة" مابترجعش.
كانت ساعتها بتغير اسمها من "أمينة محمد" إلى "آني موشي بيراد".. وبتغير ديانتها لليهودية؛ وبتتجوز "موشى" رسميا في معبد "شيمودت" اليهودي في فيينا.. في السنة اللي محدش يقدر ينساها، في تاريخ العرب مع إسرائيل.
العام ١٩٦٧.
وبتوصل أنباء الزفاف السعيد للسيد الوالد في الأردن.
وكاد الأب المسكين يصاب بأزمة قلبية.
والحقيقة.. أنه أصيب بها فعلا.. وأفاق في المستشفى بعدما أنقذوا حياته بمعجزة.
ولما بيفوق ويفتكر.. بيحتقن في شدة.. ويستدعي رجاله.. ويطلب منهم على الفور، السفر إلى فيينا.. واحضار "أمينة" إلى الأردن حية، أو...
أو ميتة.
وبتحاول أمها تغير له رأيه.. لكنه بيعتبر بنته خائنة.. وبيصمم في إصرار.
وبتتصل الأم بالبنت وتلومها وتعنفها.. وبعدين بتحذرها من أن رجال والدها، انطلقوا في أثرها.
وبتفر "أمينة" من مدينة إلى أخرى في النمسا.. في مطاردة عجيبة.. طالت للعام ١٩٧٢.. وبتتعب من الهرب.. فبتقنع جوزها بالهجرة لإسرائيل.. بما انهم يهود.
وبيتم الأمر بالفعل، في العام نفسه.
وفي إسرائيل بيلتحق زوجها بسلاح الجو.. وبينفذ عمليات في سوريا.
كان وقتها عمليات العمق المصري وقفت. لان الرئيس الراحل "جمال عبد الناصر" سافر في يناير، ١٩٧٠.. وجاب من الاتحاد السوفيتي منظومة دفاع جوي متطورة.. اتعمل بها حائط صواريخ رهيب.. جعل السموات المصرية محرمة على الطيران الإسرائيلي.
حتى ان "جولدا مائير" اوقفت وقتها كل عمليات العمق المصري لان الطيران الإسرائيلي اللي كانت بتقرب.. ما بترجعش.. وقالت لصحيفة محلية عن الرئيس "جمال" في حنق:
"الفلاح بدل النباتات.. زرع ارضه بالصواريخ".
وفي الوقت نفسه كانت المخابرات المصرية بتنشط على غير عادة.. وتجمع كل المعلومات اللي ممكن تجمعها.. استعدادا لساعة كانوا عارفين انها قادمة.. بس لسه معرفوش امتى القيادة حتقررها.
ساعة الحرب.
وتلقائيا.. بتفتح المخابرات ملف لكل الضباط المهمين في إسرائيل.. بما فيهم طيارين سلاح الجو الإسرائيلي.. وبيتحط على الرف ملف للطيار "موشيه بيراد".. وكل المعلومات عنه.. لوقت حاجة.
وبتعيش "أمينة" أو "آني" مع زوجها في إسرائيل في سعادة.. وبسبب حائط الصواريخ.. بتنحصر ضربات العمق على الجبهة السورية.. اللي كانت بتتصدى لها بالمقاتلات الاعتراضية.. والمضادات الارضية.
لحد يناير ١٩٧٣.
اليوم اللي بترجع فيه للمشهد اللي بدأنا به قصتنا.
"موشى" في مقاتلته الامريكية بيحاول اسقاط طائرة ميج روسية بيقودها طيار سوري، لكن الاخير بيقوم بمناورة مباغتة.. ويضعه في مرمى النيران.
وبيضغط الطيار السوري في مقاتلته بلا تردد، زر اطلاق الصواريخ.
وبينطلق الصاروخ كصاعقة قاتلة يجر خلفه ذيلا طويلا من اللهب.. بينما الطيار السوري بينحرف بمقاتلته يمينا ببراعة، وبسرعة مذهلة ليتفادى الانفجار.
وأصاب الصاروخ هدفه.
وانفجرت طائرة "موشى".
وهوت مشتعلة وهو داخلها، من عنان السماء.
وبيوصل الخبر لزوجته "آني".. وبتصاب بانهيار تام.. بتنغمس بعده في شرب الخمر لفترة.
وبعدين بتقرر تفوق
وتتتقم.
وعلى الفور بتنطلق لمبنى الموساد.. وتطلب منهم انها تتعاون معاهم كجاسوسة.
وبيوافقوا لأنهم كانوا عارفينها.. وبيبدأ خبراء الموساد في تدريبها بمنتهى الدقة والاحترافية.
وبعد التدريب بتصدر اوامرهم وتنطلق "آني" إلى لبنان.. وتشتغل متطوعة في معسكرات اللاجئين في بيروت.
وبدأت تتعامل كطبيبة في المستشفيات الميدانية.. تعالج المصابين الفلسطينيين.. وتحقن السم خلسة في عروق اي عنصر مقاومة.. يأمرها الموساد بتصفيته.. دون ان يشعر أحد.
وبتواصل عملها التطوعي بتفاني واخلاص.. لدرجة ان الرئيس الراحل "ياسر عرفات" بنفسه أشاد بها.. وقربها منه.
وكاد خبراء الموساد يقفزون فرحا.
الخطة نجحت.
و"آني" دلوقتي مقربة من القيادة الفلسطينية، ومعاها تصريح خاص من "ياسر عرفات" نفسه، يمكنها من دخول جميع المواقع الفلسطينية على أنها طبيبة وطنية متطوعة ماهرة.. بتساعد في شفاء الجرحي وعلاجهم.
وبتبدأ "آني" من موقعها وقربها من القيادات.. ترصد تنقلات القادة الفلسطينيين وعناصر المقاومة المهمة.
بل بتنجح في انها ترشد وتسهل قصف معسكرات المقاومة اللي كانت بتدخلها لاسعاف الجرحي.. وبعدين تبعت مواقعها للموساد بمنتهى الدقة.
وزاد نجاحها.. حتى انها نجحت في تسهيل اغتيال رجل المقاومة الشهير اللي كان الموساد بيمقته بجنون "على حسن سلامة" في بيروت.
ولكن اغتيال "علي حسن سلامة" سبقته عملية فاشلة.. نفذها الموساد غلط.. وهم بيحاولوا يقتلوه في النرويج.. لأن رجال الموساد في النرويج اخطأوا مع تنكر "سلامة" وبراعته في التعرف عليه.. وراقبوا ورصدوا بدلا منه رجل مغربي بريء رب اسرة بيعمل في مهنة عادية، كنادل في مطعم.. اسمه "أحمد بوشيخي".. واطلقوا عليه النار.. واثناء هربهم وقعوا في يد السلطات النرويجية.
وتلقائيا.. راحت المخابرات المصرية عن طريق عملائها في اوروبا تجمع المعلومات.. وتربط الخيوط.. وتدرس عملية النرويج في اهتمام.. كجزء من عملها في التعلم من اخطاء أجهزة المخابرات الاخرى.. وبالذات المعادية.
وبتربط المخابرات المصرية كل الخيوط و.. وبتوصل للزوجة المكلومة المنتقمة.. "آني".
وعلى الفور.. بترسل المخابرات المصرية المعلومات كلها حول "آني".. للراحل "ياسر عرفات" مباشرة.
وبيحاولوا القبض على "آني" .. وبتتسجن ويبدأوا استجوابها.. لكنها بعد فترة قصيرة بتنجح في الفرار.. واتعرضت لمطاردة رهيبة قاومت فيها مقاومة عنيفة.. وبتخرج منها بفك مكسور واسنان مهشمة.. وبتنطلق على الفور عن طريق البر تهرب لإسرائيل.. في رحلة طويلة.. مرت خلالها بعذاب اليم من اصاباتها.
ونجحت في عبور الحدود.. وهناك استقبلها رجال الموساد.. وعالجوا ورمموا فكها وركبوا لها اسنان صناعية.. وعملوا لها عملية تجميل، غيرت فيها ملامحها.. وادولها هوية جديدة.
وفي اسرائيل بعدما احترقت كجاسوسة.. شغلوها طبيبة.. في مركز لعلاج الصدفية.. براتب ضئيل.
مابتعرفش تعيش وبتتصل بأهلها في الأردن.. لكنهم بيقولولها ما ترجعش ومتتواصلش معاهم.. وان والدها من سنوات بالفعل عمل لها جنازة رمزية.. واقام سرادق عزاء.. واعلن وفاة "أمينة".. وانه مايعرفش حد اسمه "آني".
بتحاول تتواصل مع الموساد يعملوا لها معاش او يقدموا لها وظيفة كويسة.. لكنهم بيتم تجاهلها تماما.
بترجع تشرب من دخلها الضئيل.. وبتهمل عملها فبيطردوها.. وبتنتقل وتشتغل في مركز ملحق بفندق لعلاج امراض الجلد.. بتنتقل بعدها للناصرة.
وهناك وهي بلا مأوى ولا عمل ولا نقود.. بتلتقي بسيدة عربية.. متزوجة من إمام جامع مسجون بتهمة التحريض ضد إسرائيل في خطبه.. وبتحكي لها قصتها.
وبتعطف عليها الست.. وتديلها فلوس.. وتسكنها وتاكلها وتعتني بيها.
وساعتها.. بيظهر الموساد بغتة.. ويقبضوا عليها ويحققوا معاها في غلظة.. وبعدين بيسيبوها.
وبتقع في رجل امريكي إسرائيلي ثري.. بينفق عليها بسخاء.. وبتفتح عيادة.. وتتحسن احوالها.. وبتبقى ثرية مرة تانية.. في غضون سنوات قليلة.
وفي النهاية بعد توقيع إسرائيل على اتفاقية السلام مع الأردن.. بترجع للأردن.. لكن اسرتها مابتتعرفش عليها.. ولما عرفوها.. مارحبوش بها.
لكن بعد سنوات طويلة وزيارات متكررة والحاح.. سامحوها.. ورجعت تزورهم بانتظام لحد ٢٠٠٨.. لما اكتشفت اصابتها بالسرطان.. فكتبت وصية وصت فيها بكل اموالها لأسرة الإمام العربي اللي زوجته اكرمتها.
ورجعت للأردن.. وماتت هناك وعمرها ٧٠ سنة تقريبا.
قرروا يعملوا عن قصة "أمينة" فيلم وثائقي بيشير لسقوطها اسمه "لعنة أحمد بوشيخي". رب الاسرة المغربي اللي قتلوه غلط.
لكن الاسم بدا ثقيل على لسان المشاهد الغربي.. فمزجوه مع اسم العملية اللي أطلقه عليها الموساد قبل تنفيذها في النرويج.
العملية ليلهامر.
وصدر "لعنة ليلهامر The Lillehammer Curse" في ٢٠٢٣.. عن قصة "أمينة داود محمد المفتي".
أو.. "آني موشيه".
قصة الصعود.. والسقوط.
#awareness_against_terrorism #awareness