سيدة متحفظة جدا، هادئة الطباع، بتحب الجلوس في المنزل علي مقعدها المفضل و القراءة مع كوب من الشاي، وكانت مفتونة بقصص "شيرلوك هولمز" للسير "آرثر كونان دويل".. وهي صغيرة كانت من الطبقة الوسطي، وكان والدها معتلّ الصحة، وعاني سلسلة من الأزمات القلبية انتهت بوفاته..
وفاة الأب خلت الوضع المالي للأسرة مهتز.. ودا خلا "أجاثا كريستي" معندهاش أي وسائل تسلية أو رفاهية زي باقي الأولاد والبنات من طبقتها، فكانت بتمضي الوقت بأنها تقرا كتير جدا.. "أجاثا" بتشير لاحقا في حوار من حواراتها إن طفولتها انتهت بوفاة والدها، وهي عندها 11 سنة...
بتكبر وتشتغل وتاخدها الحياة.. لحد سن 26 سنة..
وفي أحد أيام الصيف سنة 1916؛ في منتصف الحرب العالمية الأولى.. بتجلس إلي آلتها الكاتبة وبتقرر تكتب قصة خاصة بها يكون بطلها محقق زي "شيرلوك هولمز".. بس في نفس الوقت يختلف عنه.. فبتكتب قصة اسمها "قضية قصر ستايلز الغامضة The Mysterious Affair at Styles"...
وفي اللحظة دي بيخرج للنور المحقق البلجيكي "هيركيول بوارو Hercule Poirot"...
"بوارو" مختلف عن هولمز جدا.. في كل حاجة.. بينما هولمز ممشوق ورياضي وبطل كما ينبغي لأبطال القصص أن يكونوا.. فـ"بوارو" كان قصير القامة.. عديم اللياقة البدنية.. ممتليء شوية.. "هولمز" كان ممكن يحط على كتفه الشال الكاروهات الإسكتلندي فوق أي ملابس ويتحرك عند الضرورة.. بينما "بوارو" ممكن يسيب مسرح الجريمة ويدخل الحمام يقف قدام المراية يسرّح شنبه.. معجب بنفسه لدرجة غريبة.. لدرجة إنه مرة وصف شنبه بإنه "لا مثيل لجماله في العالم"...!!
"هولمز" كان فوضوي إلي حد ما.. ودا مديله مسحة آدمية.. بينما "بوارو" مولع بالترتيب والنظام لدرجة المرض.. وبينما "هولمز" ممكن لو استفزيته ينفعل و يدعوك لمبارزة.. "بوارو" كان بارد الأعصاب وعلى طول مبتسم ابتسامة لزجة.. محدش يعرف يستفزه بسهولة.. بينما هو يقدر يستفز أي حد...
"هولمز" بيعتمد على ذكاء خارق وقدرة غير عادية على الملاحظة مع طريقته المنطقية اللي اتكلمنا عنها، و"بوارو" بيعتمد علي خبرته كشرطي سابق، ومعرفته بـ"علم السموم toxicology".. وبأشكال الإصابات و أنواعها ومسبباتها، السبب في إمتلاك "بوارو" للمقدرة دي هي إن "أجاثا كريستي" اشتغلت لفترة كممرضة ومساعدة صيدلي في مستشفى أثناء الحرب...
بينما سير "دويل" اعترف إن "هولمز" هو في معظم شخصيته بيحاكي الدكتور "جوزيف بل" في عالم الواقع، مدام "أجاثا" كانت متحفظة للغاية بخصوص حياتها الشخصية، وبالتالي شخصية "بوارو" مفيهاش أي شيء منها أو من حد عرفته..
تأثر "أجاثا" بعالم "هولمز" مكانتش بتنكره، وكانت بتعترف إن "دويل" أستاذها بينما "دويل" كان بيقرالها ويستمتع باللي بتكتبه.. لدرجة إن في واقعة معينة في حياتها، كانت بداية الباب اللي دخل منه الناس لحياتها الشخصية.. واقعة اختفائها.. "دويل" ترك كل أعماله وبدأ يبحث عن "أجاثا كريستي" اللي اختفت بشكل غامض من دون ما تترك أثر...
ففي ليلة باردة من ليالي ديسمبر 1926، وفي قمة نجاحها بعد بدء انتشار قصصها.. رجل الأعمال "أرشي كريستي Archie Christie" بيصارح زوجته "أجاثا" إنه مابقاش بيحبها وإنه اتعلق بأخرى.. دارت خناقة بين الزوجين وساب البيت و راح لعشيقته.. "أجاثا" بتسيب البيت برضه وبتترك خطاب إنها رايحة يوركشاير.. بس مبتوصلش يوركشاير ليلتها أبدا.. بيلاقوا عربيتها مغروسة في محجر للحجر الجيري في "نيولاندز كورنر Newlands Corner".. وفيها رخصة قيادة منتهية.. بدون أي أثر لها...
الدولة بتهتم بالحادث بشدة.. ووزير الداخلية "ويليام هيكس William Joynson-Hicks" بيجند قوات الشرطة للبحث عنها وبيحط مكافأة من جيبه الخاص قدرها 100 جنيه استرليني للي يرشد عنها.. و دا مبلغ يوازي 20 آلف جنيه استرليني النهاردة..
بتتحرك فرق البحث المكونة من 15 ألف شرطي ومخبر ومتطوع.. لحد ما بيلاقوها بعد 11 يوم في مركز تجميل.. محدش عارف هي اختفت ليه و إيه اللي حصل.. بس الأطباء اللي فحصوها أعلنوا إنها أصيبت بفقدات ذاكرة جزئي نتيجة صدمة وفاة والدتها وبعدين خيانة زوجها في العام نفسه...
"دويل" وقتها كان مجند ناس من ماله الخاص و بيدور عليها عن طريقهم و بنفسه.. لدرجة إنه أخد قفاز من قفازاتها وراح به لوسيط روحاني، علشان يدله على مكانها...
إختفاء "أجاثا كريستي" ألهم "دوروثي سايرز Dorothy L. Sayers " قصتها "ميتة غير طبيعية Unnatural Death" و ألهم الكاتب "فيليب براوز Philip Prowse" قصته الشهيرة "المرأة التي اختفت The Woman who Disappeared"...
اختارت "أجاثا" بوارو "بلجيكي" الجنسية، عشان تساند بلجيكا معنويا في حربها ضد الألمان.. الإنجليز عموما كانوا متعاطفين للغاية مع البلجيكيين في الفترة دي، وماننساش إن سقوط بلجيكا كان "السبب الرئيسي casus belli" لأن إنجلترا تدخل الحرب...
زي "هولمز".. "بوارو" له رفيق اسمه "هاستنجز Arthur Hastings".. ودا بيعادل "واطسون" مع "هولمز".. و بيأدي نفس دوره.. وبيوري "بوارو" المجرم عايز "الناس العادية" تفكر في اي إتجاه، وبالتالي بيستبعده...
"بوارو" أيام ما كان شرطي كان بارع جدا.. لدرجة إنه في مرة بيحبط عملية لإختطاف رئيس وزراء بريطانيا نفسه بواسطة الألمان في قصة "رئيس الوزراء المختطف The Kidnapped Prime Minister"..
عكس "هولمز" برضه.. "بوارو" كان "عالمي" شوية في قصصه.. لف معظم أنحاء العالم وحل جرايم في كل حتة.. وفي "جريمة قطار الشرق السريع Murder on the Orient Express".. بيروح من إسطنبول للندن ليوغوسلافيا عشان يحل لغز جريمة بدأ أول خيوطها في الولايات المتحدة..
حل لغز جرائم في العراق "جريمة في بلاد الرافدين Murder in Mesopotamia" وجه عندنا مصر في "الموت فوق النيل Death on The Nile".. وحل لغز جريمة في مقبرة فرعونية في قصة اترجمت تجاريا باسم "لعنة التابوت The Adventure of the Egyptian Tomb" ..
لف معظم دول العالم تقريباً.. ومن مميزات "بوارو" إنه مكانش جبلّة مع الستات زي "هولمز".. بالعكس.. كان بصباص.. ومرة وقع في غرام الكونتيسة الروسية "فيرا روسكوف Vera Rossakoff".. اللي الثورة البلشفية هوت بها من طبقتها الأرستقراطية الثرية إلي حضيض الفقر.. فاتحولت إلي لصة مجوهرات فاتنة...
"فيرا" كان فيها كتير من شخصية "بوارو".. فكان عندها قدرة علي اختلاق القصص والأحداث بسرعة مدهشة وبدون ثغرات، عشان تخدع أعدائها.. والاتنين ماتعرفش هم فين في السلم الإجتماعي.. بيتعاملوا و يتصرفوا كأثرياء.. بينما هم مش أثرياء و لا فقراء ولا تقدر تقول عليهم "طبقة وسطي".. "بوارو" بيحب "فيرا" بجنون.. وفي قصة "الأربعة الكبار The big four" بيساعدها على الهرب والفرار من العدالة....
"بوارو" كتير جدا كان بينفذ العدالة بإيده حسبما يراها.. وفي المجموعة القصصية "ذات الشعر الذهبي" بيقف جانب متهمة في قضية ابتزاز وبيغطي علي جريمتها ضد موكله ويساعدها على الهرب.. وبيديها فلوس تقدر تبدأ بيها في مكان آخر..
كذلك في قصة "مقتل روجر أكرويد The Murder of Roger Ackroyd".. "بوارو" بيساعد القاتل على الفرار من العدالة عن طريق أنه ينتحر ويندفن معاه سر جريمته.. لأن القاتل كان طبيب الأسرة المحترم اللي جار عليه الزمن ودفعه للجريمة.. ومكانش عايز أخته تعرف إن شقيقها مجرم وتشوفه وراء القضبان...
قصة "مقتل روجر أكرويد" من القصص القليلة اللي مكانش بيرويها "هاستنجز".. اللي حكاها هو القاتل نفسه.. واعترف لـ"بوارو" الي ساعده على الإنتحار...
أما في قصة "إسطبلات الملك أوجياس The Augean Stables".. بوارو بيغطي علي فساد كبير للحكومة البريطانية ويكاد يضحي بمصداقيته في سبيل دا.. عشان مايهزش حالة البلاد الإقتصادية...
الغريب إن زي "دويل" ما حصل له مع "هولمز".. "أجاثا" برضه كرهت "بوارو" بجنون..!
يبدو إن دي سمة معينة في النوع دا من الأدب.. لأن "أجاثا كريستي" في قمة نجاحها وصفت "بوارو" مرة في حديث صحفي بأنه "إنسان لزج لا يطاق".. ومرة تانية "شخص أناني بغيض، متكلف، ممل"...
بس أجاثا رفضت تقتل "بوارو" مدة طويلة.. لأن الجمهور كان بيحبه جدا.. خصوصا إن غلاسته و غروره لهم طابع كوميدي.. يخليك تبتسم ولا يمكن تعرف تكرهه.. الحقيقة إن "بوارو" مات فعلا عدة مرات.. بس كلها كانت خدع للإيقاع بأعداء أو خصوم له.. وقرر يتقاعد ميت مرة.. وكل مرة كان بيرجع يشتغل عادي...
زي ما قلنا.. عكس "هولمز" اللي كان بيسلم المجرم للقانون.. "بوارو" كان كتير جدا بينفذ العدالة بإيده.. ودا بيكون السبب في نهايته في قصة "ستار - قضية بوارو الأخيرة Curtain: Poirot's Last Case"...
في القصة دي "بوارو" كان كبر.. و بدأ يعاني من الأمراض زي القلب والتهاب المفاصل (زي أبو أجاثا كريستي نفسه).. وعايش بمنومات وأدوية.. و ماشي أغلب الوقت بكرسي متحرك.. لأن رجليه مبقتش تسمح له يمشي كتير بسبب تصلب الشرايين.. لكن بيضطر يرجع لقصر ستايلز عشان يتتبع قاتل خطير جدا.. مستقر دلوقتي في القصر.. اللي بدأ فيه "بوارو" أول مغامراته.. وبيكون مقدر له إن يكون فيه برضه آخر مغامراته...
في القصة دي بوارو بيقابل مجرم خارق الذكاء سماه "إكس X".. لأن مكانش عارف يحدد شخصيته بسهولة...
مستر "إكس" كان ضيف ضمن مجموعة ضيوف في فندق قصر ستايلز .... والأستاذ "إكس" دا بيقتل من غير ما يكون له شركاء ومن غير ما يمسك سلاح ولا يسمم حد ولا يتحرك من مكانه.. لدرجة إنه في مرة كان علي بعد 200 ميل من مكان جريمته.. بيقتل عن بعد..
إزاي بيعمل كده؟ بإنه يزرع الأفكار في عقول الناس ويتلاعب بيهم نفسياً ويسيبهم يتحولوا لقتلة...
"بوارو" تتبع المجرم اللي كان مسئول عن عدة جرائم قتل ارتبكها ناس.. مش قتلة بطيعتهم.. لدرجة إنهم انتحروا أو سلموا نفسهم للعدالة بعد الجرائم...
"إكس" بيخلي الناس تقتل عن طريق الضغط و التلاعب النفسي بيهم.. مثلا السيدة "لوتريل" المتسلطة زوجة السيد "لوتريل" صاحب القصر بتلومه طول الوقت وتهينه و تشخط فيه أمام الموجودين.. فبيستلمه "إكس".. وبيقول لأحد الحاضرين همساً عن إنه "يا خسارة إنه جبان خاضع خايف من مراته للدرجة دي".. وبعدين بيحكي قصة مشوقة عن "جندي أخطأ أثناء الحرب و أطلق الرصاص على أخيه"..
"إكس" كان متأكد إن السيد "لوتريل" سمعه.. بس تظاهر بالعكس.. دا بيخلي الفكرة تتبلور في ذهن "لوتريل" وتتزرع في عقله. بيمسك بندقية الصيد ويضرب بيها ما أعلن إنه "أرنب بياكل الزرع خلف الشجيرات في الحديقة".. والحقيقة إنه مكانش أرنب.. كانت زوجته بتعتني بالحديقة وهو كان عارف..
لحسن الحظ مابتموتش الزوجة و الرصاصة بتيجي في كتفها.. وبيفوق "لوتريل" ويدرك فداحة اللي كان حايعمله.. خصوصا إنه فعلا كان بيحب مراته...
" بوارو" بيشير لهاستنجز هنا إن دي كانت حتبقي جريمة تانية بطلها "إكس"...
في النهاية بيقرر "بوارو" إن مفيش محكمة في الوجود حتقتنع إن "إكس" كان بيقتل بإنه "يأثر على الناس عاطفياً".. فقرر ينفذ العدالة بإيده..
بيستدعي "بوارو" إلي غرفته أحد المقيمين في ستايلز.. الشاب الهاديء "نورتون".. بيحضر كوبايتين من الكاكاو الدافيء.. وبيعزم نورتون علي المشروب.. وبيواجهه بالحقيقة.. إن هو السيد "إكس" وارتكب كل الجرائم دي بالتأثير نفسيا على ضحاياه..
بيدردشوا ويشربوا الكاكاو.. "بوارو" بيقول لنورتون إنه عرف كل شيء عنه وعن حياته و طفولته و المعاملة السيئة اللي لقاها في البيت والمدرسة.. وحولوه لمجرم مغرم بالانتقام من البشر.. وإنه هو "إكس ×" نفسه...
" نورتون" بيعترف.. بس بيقول لـ"بوارو" إن مفيش محكمة حاتقبل الهبل اللي بيقوله دا.. فبوارو بيقول له إنه عارف دا.. وأنه مش محتاج محاكمة.. هو أصدر عليه حكمه بالإعدام.. وحط له جرعة من المنوم بتاعه في الكاكاو.. جرعة تكفي لقتله...
بس "نورتون" بيضحك في شدة.. وبيقول لبوارو إنه بدل الكوبايتين .. بالتالي "بوارو" هو اللي شرب الكوب المسموم.. فبوارو بيبتسم في سخرية و بيقول له إنه كان عارف إنه حيبدل الأكواب.. وبالتالي سمم الكوبايتين معاً...!
بينزلق "نورتون" إلي غيبوبة مش حيقوم منها أبدا.. بينما "بوارو" بالرغم من انه برضه شرب كاكاو مسموم.. كان عنده شوية وقت لأنه بيتعاطي المنوم دا يوميا وبالتالي جسمه متعود عليه.. بيحط نورتون علي كرسيه المتحرك وبيرجعه لغرفته.. وبيضربه بالرصاص في رأسه ويحط المسدس في إيده.. ويرجع تاني إلي فراشه في هدوء..
قلب بوارو مع جرعة المنوم و المجهود بينهك في شدة.. محتاج الدوا بتاعه اللي ممكن ينقذ حياته في اللحظة دي.. بس "بوارو".. يمكن بسبب ضميره المثقل عبر حياته الحافلة.. كان اتخلص من الدواء بتاعه.. وقرر يموت في هدوء...
الصبح بيلاقو "بوارو" ميت ميتة طبيعية بأزمة قلبية.. وكمان بيلاقو نورتون ميت وسلاح الجريمة في يده.. وبيعلنوا إنه انتحر لسبب خفي...
بس "هاستنجز" بيعرف الحقيقة لما بيوصله خطاب من "بوارو" كتبه وشرح فيه اللي حصل قبل وفاته.. وبيختتمه "ليغفر الله لي.. أول مغامرة قمنا بها كانت هنا يا صديقي.. وآخر مغامرة كذلك.. كانت أياماً جميلة..."
بنتتهي حياة "بوارو" بحبه المرضي للنظام وغروره المضحك و شنبه الغريب.. و تاريخه الحافل، و أساليبه في حل الجريمة.. اللي بتختلف بالتأكيد عن "الآنسة ماربل Miss Marple".. اللي تقدر تحل لك أي لغز لأي جريمة وهي قاعدة في مكانها.. بدون ما تعاين أدلة ولا تشوف مسرح جريمة.. بطريقة فريدة جدا..
"مس ماربل" من ابتكار "أجاثا كريستي" برضه..
بس بما إن قصة "مس ماربل" طويلة شوية.. فدا يخلينا نأجل كلامنا عنها ويبقي للحديث بقية...
-----------
(المراجع اول تعليق)
----------