من قصص أكتوبر المدفونة.
قصة محدش يعرف عنها تفاصيل كتير.. رغم أنها اتحولت لفيلم.. على شاشات التليفزيون.
بتبدأ قصة الرجل الغريب، صاحب الألف وجه، مع قرار وقف اطلاق النار الأول، لما اجتمع مجلس الامن، مساء ٢١ أكتوبر، من العام ١٩٧٣، واصدر قرار حمل رقم ٣٣٨ بوقف إطلاق النار، في الصباح التالي، ٢٢ أكتوبر.. على ان يتم تنفيذ القرار بحد اقصى ١٢ ساعة.
القرار قبلته مصر واسرائيل رسميا، لكن إسرائيل مالتزمتش به.
دا لأن إسرائيل كانت محققتش اي انتصار على الأرض، ومقدرتش تقصف غرب القناة، ولا تتقدم بالدبابات وتحتل الاسماعيلية أو السويس كما تمنت ولا قطعت خطوط مواصلات الجيشين الثاني والثالث، ولا اجبرت مصر على التقهقر غربا.
وبين ٢٢ و٢٣ اكتوبر، بتتقدم عربة نقل مدنية، من طراز فورد، موديل ١٩٥٨، تابعة لمؤسسة الأهرام، بتحمل بضعة اطنان من الأوراق، عبارة عن صحف وجرائد ومجلات وكتب، بغرض توزيعها في مدن القناة، بيقودها شاب من ابناء القاهرة.
شاب اسمه الحقيقي "عبد العزيز محمود".
وبتتحرك العربية المتهالكة بحمولتها الثقيلة، وبتتجاوز الأكمنة والأرتال العسكرية، وبتدخل مدينة السويس بالفعل، قبل فجر ٢٣ أكتوبر.
وبتنتهي الحرب، مع خسارة إسرائيل، وقبولها وقف إطلاق النار الثاني، وبتقرر الأمم المتحدة، منح مصر حق اختيار موقع المباحثات.
وبيصر الرئيس الراحل أنور السادات، على أنهم ييجوا لحد عنده، باعتباره الطرف المنتصر، وبالفعل بيحضروا في الكيلو ١٠١ من طريق القاهرة - السويس للتفاوض، وتبادل الأسرى، وبيحضر من طرفنا اللواء عبد الغني الجمسي، رئيس للوفد المصري في المفاوضات.. بينما مثل الوفد الإسرائيلي الجنرال "أهارون ياريف"، نائب رئيس الأركان.
بتمشي القصة زي ما بنعرف كلنا، وبعد خمس شهور، بتستقر الأوضاع، وبيدخل السويس المرة دي وفد خاص، للبحث عن عربية الصحافة، وسائقها "حسن عبد العزيز".
الرجل اللي دخل المدينة المنهكة، واختفى دون سابق إنذار.
وبتبدأ رحلة البحث، المكونة من لجنة خاصة.
وكان ملف "عبد العزيز" في المؤسسة، مفيهوش غير صورته، وشهادة حسن سير وسلوك من اتنين موظفين، ورخصة قيادة درجة ثالثة، تسمح له بقيادة كل انواع المركبات، من الملاكي وحتى الشاحنات الضخمة.
مع دا كله، كان في دفتر تطعيم، بيقول انه احد أبناء القاهرة، وشهادة إعفاء من الخدمة العسكرية.. لأنه يتيم وحيد الأم، وعائلها الوحيد.
بتبدأ رحلة البحث من مستشفى السويس العام، وهناك، بيكتشف الجميع ان سجلات المستشفى، مع الضغط الهائل وأعداد الجرحي، مكانش عندها وقت كافي للتدوين، وتسجيل الكل، وبالتالي هم مش عارفين إذا كان "عبد العزيز" حضر.. وكان مصاب بالفعل أو لا.
ومع خيبة الأمل، وشروع اللجنة في الانصراف، بتجري وراهم ممرضة، وبتقول لهم.. إن الرجل اللي بيسألوا عنه حضر للمستشفي وكان لوحده بالفعل.
وبالتقريب بين يومي ٢٣ و٢٤ اكتوبر.
وانهم انتزعوا من ساقه وذراعه رصاصتين، وضمدوا جراحه، وانصرف في هدوء رغم نصيحة الأطباء بالبقاء، وان اسمه مكانش "عبد العزيز"، وهي مش فاكرة اسمه بالضبط، لكنها فاكرة ملامحه كويس، وسمته باسم "محمود"، على اسم والدها، اللي استشهد في العام ١٩٦٧.
وبتدون على ورقة اسم الصول "حسن"، وبتقول لهم انه الوحيد اللي سأل على الرجل الغريب بعدها، وممكن يكونوا صحاب، أو يكون قابله لما خرج.
وبتبدأ رحلة البحث عن الصول "حسن"، اللي بيقول لهم انه بالفعل سمح لعربية الصحافة بالمرور، قبيل فجر ٢٣ اكتوبر، والتقى عدة مرات بسائقها، وكانوا بيدردشوا ويتجاذبوا اطراف الحديث، مع كوبايات الشاي الساخنة في برد أكتوبر، ووسط دخان السجائر.
وقال لهم بمنتهى الثقة.. ان اسمه مكانش "عبد العزيز".
اسمه "كمال".
ومع ارتباك رجال اللجنة وحيرتهم، بيوصف لهم الصول "حسن" موقع ساحة الخردة، ويدلهم على مديرها، ودي فيها كل قطعة لأي مركبة محطمة، او سليمة من غير صاحب، كانت على أي شبر من أرض السويس.
وفي ساحة الخردة، بيكتشف رجال اللجنة ان الدفاتر والسجلات منظمة ومنتظمة مكتملة للغاية، وفيها قائمة جرد بكل قطعة لقوها، فبيمسحوا الساحة، ويراجعوا السجلات، عشان يلاقوا شيء عجيب، وصدفة مثيرة للحيرة.
مفيش اي قطعة يمكن نسبتها لشاحنة من طراز فورد، موديل ٥٨.
فالحقيقة ان الطراز دا من الشاحنات كان وقف استيراده، وتم استبداله بشاحنات مصرية أو روسية، بعد صدام الزعيم الراحل جمال عبد الناصر مع الولايات المتحدة، مع العام ٥٦.
وكان النوع دا مقصور على عربات الصحافة ونقل البضائع، في قلب القاهرة فقط، والعربية اللي بتتلف منه بيتم تكهينها، نظرا لعدم استيراد قطع غيار أمريكية.
رغم كده، فصاحب ساحة الخردة بيفتكر انه شاف السيارة في أحد شوارع السويس، وجذبت انتباهه لندرة الموديل بحالته الجيدة، وانه تجاذب مع السائق اطراف الحديث، وعرف ان اسمه "مصطفى عزت".
وبتحتار اللجنة، وبتمسح السويس شبر شبر، والأمر بين أيديهم بدأ يتحول للغز عجيب حسسهم بالرهبة، بعدما كان مجرد مهمة حكومية روتينية.
ومع البحث.. بيوصلوا لست عجوزة، تجاوزت السبعين من العمر، كان بيتها مقر الفدائيين في المدينة، وهناك، بيلاقوا مئات الصور على الحائط.
وبتخبرهم مع اقداح الشاي، ان كل رجل من المقاومة كان بيزورها كانت بتطلب منه صورة وتخليه يقسم لها بزيارتها مرة ثانية، وكان كتير بيرجعوا بالفعل.
وكل واحد مانفذش القسم، عرفت انه استشهد، ومش حيرجع خلاص.
وعلى الحائط المليان وعليه مئات الصور، بيلاقي رجال اللجنة صورته.
"عبد العزيز محمود علي أحمد".
نفس الصورة بملف الأهرام.
وبينتزع رئيس اللجنة الصورة في لهفة، ويحطها قدام الست، اللي بتبتسم وتقول لهم ان دا ماسموش "عبد العزيز".
دا "خلف السيد المنياوي".. وانها كتبت على ظهر كل صورة اسم صاحبها. وانه زارها من اسبوع واحد، وسابلها لها فلوس زي عادته كل ما بيزورها.
وعلى ظهر الصورة كان الاسم المحبط بالفعل.
"خلف".
لكن الست دي بتمنحهم طرف خيط.
مهم.
اسم رجل حقيقي من رجال المقاومة المشهورين.. كان يعرف الرجل الغريب كويس.
"محمود عواد".
وفي منزل "عواد" مع رفاقه من رجال المقاومة، "أشرف عبد الدايم" و"علاء الدين بشتلي" و"محمود سليمان".. بيستمع الجميع في اهتمام، ومع مرآى صورة "عبد العزيز".. بيتذكر "علاء" ان الرجل الغريب كان معاه، أثناء محاولة منع الدبابات الإسرائيلية من التقدم واحتلال السويس.
وانه نسف دبابتين بالآر ي جي في ذات الليلة، اللي اتقتل فيها.
لكن "سليمان" أصر في استنكار، ان الرجل الغريب مماتش، وانه صلى معاهم صلاة العيد.
وقال "أشرف" ان كل دا غلط، وان الاتنين اختلط عليهم الأمر.
دا لأن الرجل الغريب هو "زخاري عبد المسيح".. وأنه استشهد في معركة قسم الأربعين بالفعل.
ولأول مرة، اتفقت شهادتان حول الرجل.
"عواد" قال ان الرجل قد استشهد بالفعل في معركة الاربعين.
وعليه، بدأت اللجنة تشعر بالارتياح، وتوجهت الى قسم شرطة الاربعين.
ومع المأمور، وفناجين القهوة، فوجئوا بغتة.. أنه بدأ يحكي لهم قصة جديدة...!
قصة قفزت بهم عبر الزمن إلى الماضي القريب.
٢٣ اكتوبر، من العام ١٩٧٣.
ورغم وقف إطلاق النار، وفي محاولة لتحقيق اي مكسب، ولو بالخداع، بيرسل الإسرائيليين رسالة خاصة، الى محافظة السويس، بطلب الاستسلام، وحضور محافظها ومدير الامن ومأمور قسم الأربعين، على سيارة جيب مكشوفة، منزوعة السلاح، وهم رافعين الرايات البيضاء. بشرط انهم يسلموا كل الفدائيين ورجال الجيش والسلاح، والا حيتم قصف السويس بالطيران الحربي، وتحويلها الى غبار.
وبيلتقط الرسالة في شرطة النجدة، الرائد "رفعت شتا"، اللي بيرفض الأمر الإسرائيلي، وبيتصل بمدير الأمن.
لكنه مع سخونة الاحداث.. مدير الأمن كان على الأرض مش في مكتبه.. في مكتبه، وكان في مهمة قد تطول.
ولدقائق، بيجلس الرائد "رفعت" مفكرا، ثم لم يلبث أن رفع سماعة هاتفه، واتصل مباشرة بالسيد وزير الداخلية.
وبيستمع إليه اللواء "ممدوح سالم" وزير الداخلية في اهتمام.. ثم بيقره على موقفه، وعن الدفاع عن مدينة السويس، حتى آخر جندي.
وعلى الفور بيرتدي "رفعت" الكاب العسكري، ويمسك بسلاحه، ويبدأ التحرك، وبيلتقي في طريقه بمدير الامن، ويبلغه بأوامر الوزير، وهنا، بيفتح مدير الأمن مخازن الذخيرة والسلاحليك، ويزود بها كل رجال الشرطة والمقاومة، للدفاع عن المدينة بأي ثمن.
وبتبدأ ملحمة جديدة، بيقوم بها رجال الشرطة، جنبا الى جنب مع رجال المقاومة، اللي شهد معظمهم ان الرجل الغريب كان في المعركة نفسها.
لكن بعضهم قال انه استشهد بقذيفة مدفع.
وآخرون قالوا برصاص العدو.
وبعضهم اقسم انه على قيد الحياة.
حتى الصورة مع المنشور، محدش متأكد من صحتها.
ونصحهم رجل الشرطة بمراجعة سجلات الشهداء.. والتوجه للسيد "حافظ سلامة" احد زعماء المقاومة.
ونظرا لان اسم الرجل الغريب مكانش في السجلات بتاعت الشهداء، قاموا فعلا زاروا السيد "حافظ" اللي قرر انه الغريب راح بالفعل يقاتل جوار رجال الأمن، في معركة الأربعين،
لكنه لم يره قط بعدها.
واقسم لهم انه دفن كل الشهداء بنفسه.
لكنه ملقاش جثة الرجل الغريب.. ومادفنهوش.
وفضل السؤال الحائر.
راح فين الغريب.. صاحب الألف وجه؟
وفين وازاي اختفت الشاحنة الضخمة بكل ما تحمله.. بلا أدنى أثر؟
ورجعت اللجنة الى القاهرة، بنتائج بحث مخيبة للآمال، لكنها أعضائها كانوا حاسين بالفخر.
كل الفخر.
راح فين "عبد العزيز محمود".. "كمال".. "خلف".. "مصطفى عزت".. أو "زخاري عبد المسيح" لو مكانش مات في السويس بين الأيام ٢٢ و٢٨ أكتوبر؟
يمكن هو على قيد الحياة بالفعل.
يمكن هو الرجل العجوز المتهالك اللي انت ساعدته من دقايق يعدي الشارع وابتسمت له، او الشيخ العجوز اللي قاعد جنبك في المواصلات، دلوقتي حالا.
يمكن قاعد قدامك بيتأملك في اهتمام في لحظتنا دي.. وأنت تقرأ قصته في مكان عام... وأنت ماتعرفش عنه أي شيء.
#السادس_من_أكتوبر #awareness_against_terrorism